اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
تنشر إعلانات غزيرة على المنصات الرقمية وتمارس نشاطها مع الضحايا في الخفاء لكن الفساد يلاحق جهود الأمن
في زوايا الأحياء المكتظة بالعاصمة الصومالية مقديشو، تتكشف ملامح تجارة غير مشروعة تحاول الاتجار بأرواح النساء والأجنة على حد سواء خلف جدران المنازل المتوارية عن الأنظار بعيداً من أجهزة الرقابة الطبية الرسمية، وتمتد ظاهرة العيادات العشوائية والمخالفة للقانون والتي لم تعد تكتفي باستغلال الفراغات الجغرافية بل تشعبت شبكاتها لتتخذ من المساحات الرقمية شاشة تمويه واستدراج للضحايا.
وأخيراً أسفرت عملية أمنية واستخباراتية رصدت ونُفذت بدقة داخل مديرية دينيلي عن المداهمة والإغلاق التام لإحدى أعتى شبكات الإجهاض السرية التي نشطت في الخفاء، محققة أرباحاً طائلة عبر استغلال الحمل غير المرغوب فيه أو الزيجات السرية مقابل مبالغ تراوح ما بين 400 -1000 دولار للعملية الواحدة.
تتبع فريق التحقيق المسار الذي سلكته الأجهزة الأمنية لحين تنفيذ عملية الاقتحام، إذ أدارت الشبكة حملات تسويقية مبتكرة عبر منصات التواصل الاجتماعي 'تيك توك' و'فيسبوك' و'واتساب'، تحت غطاء استشارات نسائية وتجميلية أو حلول سريعة لتأخر الدورة الشهرية، مستخدمة أرقام هواتف غير مسجلة وعناوين متغيرة لتفادي الرقابة.
وأكد مسؤول أمني في الشرطة الصومالية لـ'اندبندنت عربية' أن الجهات الأمنية رصدت منشورات وحالات طبية يشتبه في تعرضها لأخطاء طبية داخل مراكز غير متخصصة، وبعد التحريات واختراق شيفرات التواصل الرقمي التي اعتمدتها العيادة تمكنت القوات الأمنية من مداهمة المقر السري بالتعاون مع المجلس الوطني لمهنيي الصحة. وأضاف المسؤول 'بعد متابعة دقيقة للنواحي الميدانية والرقمية، أسفرت المداهمة الأولية عن ضبط القائمين على إدارة الوكر، وحجز أدوات جراحية ومعدات غير معقمة تستخدم في بيئة سكنية ملوثة'.
لكن كواليس القصة لم تتوقف عند لحظة الاقتحام وتكبيل أيدي الجناة بالقيود، إذ كشفت الشواهد الميدانية عن تحول دراماتيكي يعكس حجم التحديات الشائكة التي تكتنف ملف مكافحة الأوكار غير القانونية داخل العاصمة. وقال مسؤول حكومي فضل عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية ودواعي السلامة الشخصية لـ'اندبندنت عربية' إن التنسيق الميداني والعملياتي لإغلاق العيادة واعتقال القائمين عليها قاده بجهد شخصي وميداني مسؤول رفيع في وزارة الصحة الفيدرالية، والذي تخفى وتتبع الخيوط حتى المداهمة، إلا أن الصدمة وقعت داخل أروقة الاحتجاز حيث أقدم ضباط نافذون وفاسدون على التردد على المركز وتوفير مظلة حماية غير قانونية للمتورط الرئيس في إدارة عيادة الإجهاض.
ولم يكتف هؤلاء الضباط بإطلاق سراح إدارة العيادة والمتورطين وتصفير السجلات، بل وجهوا تهديدات مباشرة وعلنية للمسؤول في وزارة الصحة معلنين إياه صراحة بعدم الاقتراب أو التدخل في أنشطة هذه العيادات مرة أخرى، بل وصل الأمر إلى تهديده باستغلال نفوذهم لإصدار قرار برلماني أو وزاري بفصله النهائي من منصبه الحكومي وتجريده من صلاحياته الرقابية، إن عاود محاولة استهداف أو تقفي أثر أنشطتهم الإجرامية.
تظهر هذه الواقعة الصادمة كيف تتداخل شبكات المصالح الفاسدة مع الأنشطة غير المشروعة لتشكل عائقاً يهدد أمن المجتمع وينتهك هيبة المؤسسات الرسمية التي تسعى لتطبيق القانون.
تكتمل معالم المأساة عند الاستماع إلى الضحايا اللاتي وقعن في فخ هذه الأوكار السرية بحثاً عن مخرج مخفٍ للخوف أو الوقوع في الخطأ، ليجدن أنفسهن في مواجهة دمار صحي ونفسي شامل، إذ تروي متضررة في عقدها الثاني تفاصيل التجربة المأسوية التي غيرت مجرى حياتها للأبد بعدما وقعت في خطأ وعلاقة غير شرعية، وحين اكتشفت الحمل تملكها رعب شل قدراتها على التفكير والخوف من الفضيحة المجتمعية ورد فعل الأسرة كان أشد عليها من الموت، لتبدأ البحث سراً على منصات التواصل الاجتماعي حتى وجدت إعلاناً يروج لخدمات طبية سريعة ومحمية بالسرية التامة.
تتابع بصوت يخالطه البكاء 'تواصلت مع الرقم وحدد لي موعداً في منزل شبه مهجور داخل مديرية دينيلي، وكانت الغرفة تفتقر لأدنى المقومات الطبية ولا توجد أي أجهزة مراقبة أو أجهزة تعقيم، طلبت مني القائمة على العيادة دفع 450 دولاراً نقداً قبل البدء، خلال دقائق بدأت عملية مؤلمة للغاية باستخدام أدوات معدنية حادة دون تخدير كامل، وكنت أصرخ من الألم الحاد لكنهم أجبروني على الصمت'.
أضافت المتحدثة 'عدت إلى المنزل وأنا أعاني نزفاً شديداً وآلاماً لا تطاق، واستمر القائمون على العيادة بطمأنتي عبر الهاتف بأن هذا أمر طبيعي. وبعد ثلاثة أيام فقدت التوازن وسقطت مغشياً علي بنزف حاد وارتفاع شديد في حرارة الجسد ونقلتني أسرتي على عجل إلى مركز صحي وأنا في أعاني غيبوبة جزئية، وهناك اكشتف الأطباء أن العملية تسببت في ثقب عميق بالرحم وتسمم دموي حاد نتيجة التهاب بريتوني شديد، وكان الخيار الوحيد لإنقاذ حياتي هو التدخل الجراحي الفوري واستئصال الرحم بالكامل، خسرت جنيني وفقدت قدرتي على الإنجاب إلى الأبد'.
من الناحية الطبية، كشفت المعاينة الميدانية للموقع المداهم عن تفشي خطر التلوث وعدم الامتثال لأدنى القواعد الجراحية، وتشير المعلومات التي حصلت عليها 'اندبندنت عربية' إلى أن القائمين على العيادة استخدموا أدوات بدائية ميكانيكية لإجراء الإجهاض القسري والتمزيق المباشر للجنين داخل الرحم، دون بروتوكولات لمواجهة الصدمات النزفية أو توفير وحدات دم بديلة، وجرى التأكيد أن الممارسات الناتجة من هذه العمليات تمثل انتهاكاً صارخاً لجميع البروتوكولات الطبية والأنظمة الصحية.
وأكدت المعلومات أن الطرق المستخدمة لإجهاض الحمل المتقدم تعتمد على أدوات غير معقمة لتقطيع وتمزيق أجزاء الجنين داخل أرحام النساء، وهو ما يؤدي مباشرة إلى ثقب الأنسجة الرحمية وحدوث نزف حاد غير ملجوم، والتهابات بكتيرية تؤدي إلى السمية الدموية الشديدة. واستقبلت المستشفيات الرئيسة حالات حرجة عانت مضاعفات مستديمة تشمل العقم الكامل واستئصال الرحم في سن مبكرة.
وتتلخص الأخطار الصحية المثبتة لطرق الإجهاض العشوائي في ثقب الرحم والأعضاء المجاورة بسبب الاستخدام الخاطئ للأدوات من دون مراقبة الموجات الصوتية، والنزف الحاد والنزف الصدمي نتيجة التمزق الجزئي للأنسجة والمشيمة دون السيطرة على الأوعية الدموية، والتعفن البكتيري والموت الفجائي بسبب انعدام التعقيم وتلوث الأدوات في أماكن غير مهيأة.
في أروقة مستشفيات مقديشو تتجلى التبعات المأسوية لهذه العمليات في أعداد النساء اللاتي يعانين حالاً صحية حرجة بعد تفاقم المضاعفات بعيداً من أعين أسرهن، حيث تُستقبل حالات تصل في رمقها الأخير جراء الإجهاض غير الآمن، إذ وصلت إحدى الحالات الصادمة لفتاة تعاني صدمة نزفية وتسمماً دموياً حاداً، أظهرت الفحوصات وجود ثقب عميق في جدار الرحم مع بقايا غير مكتملة لاستخراج الجنين الممزق، مما أدى إلى التهاب بريتوني حاد في التجويف البطني اضطر الفريق الطبي للتدخل الجراحي الطارئ واستئصال الرحم بالكامل لإنقاذ حياتها.
أوضح طبيب الجراحة العامة محمد علي أن التكتم والتضليل الرقمي يجعل النساء يتأخرن في طلب الرعاية الطبية الحقيقية، والقائمون على تلك العيادات يستخدمون أدوات حادة لتقطيع الجنين دون وعي بالتشريح الرحمي، مما يتسبب في تهتك المثانة والأمعاء، إذ رُصدت حالات احتاجت جراحات ترميمية معقدة للأمعاء إلى جانب استئصال الرحم وبعض الحالات وصلت متوفاة قبل بلوغ غرفة العمليات.
وحول اتساع رقعة التسويق عبر الشبكة العنكبوتية كثفت وزارة الاتصالات والأجهزة المتخصصة خطواتها للتصدي للحسابات والمجموعات المغلقة التي تروج لهذه الخدمات، مؤكدة أنه لم تعد المواجهة ميدانية فحسب بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، إذ رُصدت عشرات الصفحات والحسابات الإعلانية التي تُدار بعضها من الخارج أو عبر أرقام افتراضية لإيهام الضحايا بالأمان، وجرى إغلاق العشرات من هذه الحسابات وتتبع التحويلات المالية عبر شبكات الهاتف المحمول للوصول إلى المستفيدين الحقيقيين من هذه التجارة المحرمة قانوناً.
بدوره، قال المستشار القانوني إبراهيم صالح إن الإجراءات القانونية المتعلقة بالإجهاض في الصومال تخضع للتكامل بين أحكام الشريعة الإسلامية ومواد قانون العقوبات الصومالي لعام 1962 والمادة الدستورية المنظمة لحماية الحياة في دستور عام 2012، مؤكداً أن الإجهاض مُجرَّم بصورة قاطعة في القانون الصومالي ولا استثناء إلا في حالة وجود ضرورة طبية قاطعة لإنقاذ حياة الأم وبتوصية من لجنة طبية متخصصة.

















