اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
على رغم أنها تنحدر من الريف إلا أنها صعدت بالغناء عن الحب والجنس والخمر قبل أن تتحول إلى أناشيد النضال الوطني
بين الشجاعة والتمرد وبين الفقر والظلم، ظهرت امرأة في الجزائر في وقت كان صوتها غير مألوف في المجتمع، تحدت الظروف القاهرة التي تسبب فيها الاستعمار الفرنسي، وقفزت على تقاليد وأعراف المجتمع، إنها المطربة الشيخة الريميتي التي صنعت اسماً في بلدها لا يزال حاضراً في مختلف المناسبات والمهرجانات، بعد أن كانت مغيبة عن المناسبات الرسمية، وفرضت على الخارج الاحترام والاعتراف.
وتصنف الريميتي كأول امرأة اقتحمت عالم 'الراي' الذي هو نوع من الغناء الجزائري، وليس ذلك فقط ما جعل منها 'طفرة'، وإنما الأغاني التي كانت تؤديها، التي جعلت المتابعين يصفونها بمطربة المحرمات، لأن كلماتها تناولت التابوهات الاجتماعية، وبين من يرجع اختيار هذا المسار إلى محطات صعبة من حياتها التي ذاقت فيها مرارة اليتم، وقسوة الفقر، وألم التشرد والغربة، ومن يبرر الأمر بالتضييق الذي مارسه المجتمع على المرأة، والحب الذي ترجمته أغانيها بقوة، تبقى الريميتي واحدة من الفنانات التي عبرت بصدق عما يختلج في خاطرها وما عايشته في بيئتها وما لامسته داخل مجتمعها وبلدها الذي غنت له ولبطولات الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي.
ويعرف 'الراي' بأنه أكثر الأنماط الموسيقية شيوعاً في الجزائر، وتختلف ظروف نشأته بين زمن الاستعمار الفرنسي، فيما ينسبه بعضهم إلى وقت التدخل الإسباني، ولكن من المؤكد أن ولادته حديثة، وتصبح فترة الاحتلال الفرنسي هي الأقرب، ليتطور بعد الاستقلال ويصبح معروفاً إلى درجة العالمية في تسعينيات القرن الماضي، ويقال إن تسميته بـ'الراي' مرتبطة بتناول كلماته قضايا الحياة المختلفة، من الحب إلى البطالة ومن السحر إلى الغرام، وغير ذلك من الهموم.
الشيخة الريميتي واسمها الحقيقي سعيدة باضيف، ولدت في الثامن من مايو (أيار) 1923 بمدينة سيدي بلعباس، غرب الجزائر، ثم انتقلت إلى مدينة غليزان من أجل العمل، وهي التي نشأت في أسرة فقيرة وعاشت طفولة صعبة، إذ واجهت الفقر واليتم منذ سن مبكرة، لا سيما أنها عاشت في فترة الاحتلال الفرنسي الذي مارس كل أنواع وأصناف الوحشية والاضطهاد ضد الجزائريين.
وخلال سنوات الأربعينيات اقتحمت عالم الموسيقى والغناء، وانضمت إلى فرقة 'المداحات' ثم فرقة 'الجوالة'، ومن ثم برزت موهبة الريميتي في الغناء، وفي عام 1952 سجلت أول أعمالها بعنوان 'الراي الراي' من إنتاج باتي ماركوني، الذي لاقى رواجاً وسط دائرة ضيقة، لكنها كانت بداية مسيرة بلغت أكثر من 400 أغنية تناولت في كلماتها الصعوبات اليومية التي يعاني منها الفقراء، إضافة إلى موضوعات الحب والصداقة، وقضايا الجنس والخمر، والثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي كان لها نصيب من أغانيها أيضاً، وجاء إطلاق اسم 'الريميتي' على سعيدة باضيف، بعد طلبها من النادل باللغة الفرنسية تجديد إحضار المشروبات، أي دورة أخرى، بالقول 'ريميتي نوو أبواغ'.
وتقول الروايات إن الريميتي غنت بعد استقلال البلاد في 1962، في حفلات ريفية أمام جمهور رجالي، بصورة منعزلة، وكان غناؤها بسيطاً وقريباً من الواقع اليومي للمجتمع، باللغة العامية المفهومة، وحظيت في سنوات السبعينيات، بدعوات متكررة من المغتربين لإحياء مناسبات في فرنسا خاصة، إذ كانت لها شعبية واسعة بين الجالية، ومن أشهر كلماتها 'أنا كحلة وفحلة ونجيب العشاء في المحنة'، أي أنها سوداء ولكنها تتمتع بالشجاعة والشهامة في المواقف الصعبة.
وواجهت المغنية متاعب كبيرة بعد تعرضها في عام 1971، لحادثة مرور تسبب في إصابة ثلاثة من أفراد فرقتها، وبقيت في المستشفى في مصلحة الإنعاش لمدة ثلاثة أسابيع، وبعد شفائها عادت لمجالها الفني لكن بصفة متذبذبة، واستمر الوضع أربع سنوات إلى أن توجهت إلى السعودية لأداء مناسك الحج، وتوقفت بعدها عن التدخين وتعاطي الكحول، لكنها واصلت الغناء مع تخفيف بعض المبالغة في الكلمات أو المجون.
وظلت الريميتي مغيبة وممنوعة من الظهور في الإعلام الرسمي والمشاركة في المهرجانات والحفلات الثقافية والفنية، ولم تشفع الأغاني التي أدتها عن الثورة التحريرية وبطولات الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي ووحشيته، وانتقادها الحركى أو الخونة، لدى الهيئات الثقافية، ومن أمثلة ما كتبت وغنت في سياق الثورة التحريرية التي انطلقت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954: 'الرقة يروح يجاهد والهانة يبيع خوه' وأيضاً 'أولاد الجزائر الشعب المناضل' وغيرها.
غنت طابعاً موسيقياً بدوياً، مستعملة أدوات أساسية تشمل الناي والقلار، لكن نوعها الغنائي لم يكن مقبولاً في الأوساط العائلية أو الرسمية، غير أنه حظي بالاستماع والاستمتاع في الملاهي الليلية، وليست طريقة الأداء أو نوع الموسيقى أو أنوثتها، مما جعل المتابعين يصفونها بالجريئة والشجاعة، بل الكلمات التي كانت تكتبها وأخرى قادمة من عند شعراء من المجتمع البدوي.
ولقد أدت الريميتي التي لم يكن صوتها أنثوياً رقيقاً جذاباً، بل كان خشناً، نوعاً من الفن كان حكراً لسنوات طويلة على الرجال، على رغم أن النساء رددته في عزلة عن عالم الذكور حتى لا يخدشن الحياء، وقدمت أغاني صادمة لكنها صريحة حقيقية في محتواها، إذ استطاعت فتح الأبواب المغلقة بشجاعتها وجرأتها، ونقلت تجاربها في الحياة من دون رتوش أو مساحيق تجميل.
ولم تنحصر شعبيتها وأغانيها على المستوى المحلي، بل بلغت شهرتها العالمية، ففي سنوات التسعينيات، تعاونت مع الفنان البريطاني روبرت فريب، ومع العازف في فرقة 'رد هوت' تشيلي بيبرز، إذ دمجت في ألبومها الأخير 'أنت قدامي وأنا وراك' الآلات الموسيقية التقليدية مثل الناي والربابة مع الموسيقى الإلكترونية.
وفي غربتها بباريس، رحلت الشيخة الريميتي في الـ15 من مايو (أيار) 2006، عن عمر ناهز 83 سنة إثر سكتة قلبية، ونقل جثمانها إلى وطنها الأم ودفنت بمدينة وهران، غرب الجزائر.
وتركت الشيخة الريميتي أكثر من 400 ألبوم كاسيت، و300 ديسك من حجم '45'، و55 ديسك من حجم '78'، من دون احتساب الأقراص المضغوطة وآخرها كان في 1999، ومن أبرز ألبوماتها الفنية 'سيدي منصور' و'غير البارود' و'تراب ميوزيك' و'أنت قدامي وأنا وراك'.
وفي 2011، بثت قناة إذاعية رسمية جزائرية تصريحات مثيرة أدلت بها الشيخة الريميتي في آخر حوار لها مع وسيلة إعلامية قبل وفاتها، كشفت عن أسرار وتفاصيل 'خفية'، وقالت إن أصل أغنية 'الراي' هو القصبة، وهي آلة موسيقية تشبه الناي، و'أنا صاحبته الأولى'، وليس ذلك المفبرك الذي يؤدى الآن ويسمي مؤدوه أنفسهم نجوماً، وأضافت أنها تعلمت الغناء في الجزائر، لكن فرنسا منحتها فرصة الشهرة والتألق.
والمثير في الحوار، اتهام الريميتي لنجوم فن 'الراي' بسرقة مجموعة من أغانيها وتبنيها من دون وجه حق، مشيرة إلى أنهم لصوص وسراق.
وبعد أن كانت غير مرغوب فيها، وذكر اسمها يعتبر قلة أدب، والاستماع إلى أغانيها يعد تعدياً على الأخلاق وعيباً كبيراً لا يغتفر، باتت لا تخلو الحفلات من حضور أغاني الشيخة الريميتي، التي يرقص عليها النساء والرجال، لا سيما إن كانت الأغاني عن الحب مثل 'محايني محايني'، 'أنا وحبيبي في الجبل نلقط في النوار'، وغيرها.
اختلافها عن الآخرين جعلها محبوبة إلى اليوم على رغم مرور سنوات طويلة على وفاتها، ولعل شجاعتها في خوض قضايا تعتبر من التابوهات الاجتماعية، كانت من النقاط التي جلبت لها محبة الجماهير، فهي إن صح التعبير أول مدافعة عن الحريات الفردية للنساء في الجزائر.




















