اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ نيسان ٢٠٢٦
شركات أمنية تشرف على إدارة الموانئ والمطارات والبعثات وحجم الإنفاق يصل إلى 500 مليون دولار سنوياً والتراخيص باتت أدوات سياسية
في العاصمة الصومالية مقديشو لا يقاس نفوذ السياسي أو رجل الأعمال بمنصبه فحسب، بل بطول القافلة الأمنية التي تسبقه ونوع السلاح الذي يحمله حراسه والجنسية التي يحملها المشرفون على أمنه الشخصي، ففي واحدة من أكثر جغرافيا العالم تعقيداً نشأ اقتصاد حماية هجين، تتقاطع فيه مصالح كبار المسؤولين مع شركات أمنية عابرة للقارات، في مشهد يعيد صياغة مفهوم السيادة بمعايير السوق.
ويشهد قطاع الضيافة والعقارات طفرة كبيرة أخيراً تتطلب حراسة دائمة لمنع التفجيرات، فلا يوجد فندق أو مجمع سكني في مقديشو لا يملك ميليشيات خاصة مرخصة كشركة أمنية، إذ تعد إجراءات التفتيش والتحصين جزءاً من كلفة الإقامة، إذ تستحوذ المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية على نحو 40 في المئة من حجم الإنفاق الكلي على الأمن الخاص في الصومال، بينما يتقاسم قطاع الاتصالات والبنوك والضيافة النسبة المتبقية مع نمو متسارع في قطاع الطاقة والتعدين.
وفقاً لتقارير غير رسمية مستقاة من سجلات وزارة التجارة والصناعة الصومالية يتجاوز عدد الشركات المسجلة تحت بند خدمات أمنية 115 شركة، ومع ذلك فإن القوة الحقيقية تتركز في يد أقل من 20 كياناً يسيطرون على العقود الكبرى، إذ تهيمن الشركات البريطانية تاريخياً على المشهد تليها الشركات الكندية والأميركية وأخيراً دخلت الشركات التركية والإماراتية بقوة، إذ تدير عقود حماية المنظمات الدولية والسفارات كما تبرز شركة 'سادات' التركية كلاعب استراتيجي يشرف على تدريب وحدات نخبوية، بينما تدير شركات مرتبطة بمصالح إقليمية تأمين الموانئ الاستراتيجية مثل بوصاصو وبربرة، وفي الجانب المحلي هناك 'ألفا غروب' و'دوغوف' التي يملكها رجال أعمال صوماليون تعمل غالباً كمقاول من الباطن للشركات الدولية لتسهيل الحركة القبلية وتجاوز الحساسية القومية.
أخطر ما كشف عنه تتبع سجلات الملكية هو ظاهرة المسؤول المستثمر، إذ يشير تقرير صادر عن مجموعة الرقابة التابعة للأمم المتحدة إلى أن عدداً من الشركات الأمنية المحلية الكبرى تعود ملكيتها لمسؤولين سابقين في جهاز الاستخبارات والأمن الوطني أو وزراء حاليين وسابقين، إذ تمنح التراخيص الأمنية في مقديشو كأدوات سياسية، فالمسؤول الذي يملك شركة أمنية يضمن لنفسه دخلاً ثابتاً من عقود الحماية، ويضمن للدولة ولاء ميليشيات خاصة يلبسها زياً رسمياً، إضافة إلى رصد المجموعة حالات يقوم فيها قادة عسكريون بتأجير جنود من الجيش الوطني لشركات أمنية خاصة للعمل كحراس في الفنادق أو لدى رجال الأعمال مقابل اقتطاع نسبة من رواتبهم، مما يحول الجندي النظامي إلى مرتزق داخلي.
قال مصدر مسؤول في وزارة الأمن الداخلي الصومالية لـ'اندبندنت عربية' إنه يقدر حجم الإنفاق على الأمن الخاص في الصومال بنحو 500 مليون دولار سنوياً، وهو رقم يقارب موازنة الدولة الصومالية في بعض الأعوام، وتتبعت 'اندبندنت عربية' مسار عقد أمني نموذجي لمنظمة دولية بقيمة 3 ملايين دولار، إذ تأخذ الشركة الدولية 40 في المئة كرسوم إدارية وأرباح خارجية ويخصص 30 في المئة لرواتب الخبراء الأجانب والمعدات التقنية ويدفع 30 في المئة المتبقية لشركة محلية صومالية 'مقاول باطن' لتوفير العناصر البشرية، بينما تدفع الشركات المحلية للمقاتلين الصوماليين فتاتاً وتذهب الحصة الأكبر لمالك الشركة المسؤول السياسي غالباً لتمويل حملات انتخابية أو استثمارات عقارية في نيروبي أو دبي.
يقول المصدر إن الشركات الأمنية في كثير من الأحيان تتحول إلى طرف في النزاعات الأهلية عبر استئجار الشركات الخاصة لفرض سيطرة رجال أعمال على عقارات متنازع عليها، مستخدمين القوة لتهجير السكان المحليين، إذ سجلت عشرات الحالات لدهس مدنيين أو إطلاق نار عشوائي من قبل مواكب أمنية خاصة لتأمين مرور شخصية مهمة، وغالباً ما تغلق هذه القضايا عبر الدية القبلية بعيداً من المحاكم، وتوظف كل شركة أفراداً من قبيلة مالكها مما يجعل الأمن الخاص تقسيماً جغرافياً وقبلياً لمدينة مقديشو وفي نواحي الصومال، فلا تستطيع شركة تنتمي لقبيلة ما العمل في منطقة نفوذ قبيلة أخرى لا يوجد معها توافق أو تفاهمات عشائرية.
على رغم وجود قانون الشركات وبعض اللوائح الصادرة عن وزارة الأمن الداخلي، فإن الواقع الميداني يثبت أن الغلبة لقانون القوة، إذ لا توجد آلية معلنة لكيفية منح التراخيص ولا يكشف عن السجلات الضريبية لهذه الشركات، كما تعمل عشرات الشركات التي هي في الحقيقة مجرد ميليشيات قبلية تابعة لرجال أعمال من دون أي أوراق رسمية، مستغلة نفوذ قبيلتها في مناطق جغرافية محددة لا تستطيع الشرطة دخولها، إضافة إلى أن الجهة المسؤولة عن الرقابة هي وزارة الأمن التي يملك بعض مسؤوليها هذه الشركات.
أخطر ما يواجه قطاع الأمن في الصومال هو تغلغل النخبة السياسية فيه، إذ يمتلك وزراء ونواب حصصاً مخفية في شركات أمنية هي ذاتها التي تتعاقد معها وزاراتهم لتأمين المقرات، وتمنح التراخيص في غرف مغلقة وتستخدم كأداة لمكافأة الحلفاء السياسيين أو شراء ولاءات زعماء القبائل الذين يملكون ميليشيات تُشرعن تحت اسم شركة أمنية لتتجاوز مهامها الحراسة التقليدية في بعض الشركات الأجنبية لتقوم بتدريب وحدات نخبوية مثل وحدات من القوات الخاصة وترافقها في عمليات ميدانية، وتعمل هذه الشركات كمجسات استخباراتية للدول التي تنتمي إليها جنسيات هذه الشركات، مما يجعل الأمن القومي الصومالي مكشوفاً أمام المقاولين، بل تشرف شركات أمنية خاصة على إدارة الموانئ والمطارات وهي مفاصل سيادية يفترض أن تكون بيد الدولة حصراً.
تعد المقارنة بين رواتب القطاعين الحكومي والخاص بمثابة تفسير واضح لتعثر بناء جيش وطني قوي، إذ يبلغ الراتب الشهري لجندي الجيش الوطني الصومالي 300 دولار بينما يتقاضى حارس شركة أمنية من فئة النخبة 1200 دولار مع تأمين صحي خاص وتعويض إصابة، يقول محمد ورسمي، وهو جندي انشق عن الجيش ليعمل في شركة خاصة، 'في القطاع الحكومي كان هناك فترات انقطاع للرواتب لأسباب واهية وأحياناً نشتري الرصاص من مالنا الخاص لكن في الشركة الأمنية الراتب يصل في الأول من كل شهر ولدي بدلات رسمية وأقوم بحماية مواقع تتسم بالأمان العالي بدلاً من الموت في خندق'.
يقدر حجم الأموال المتداولة في هذا القطاع بنصف مليار دولار سنوياً وجزء كبير من أموال المساعدات الدولية المخصصة للصومال يعود مجدداً إلى جيوب شركات أمنية غربية تحت بند تأمين البعثات، إضافة إلى ارتباط بعض الشركات بشبكات الحوالات وشركات المقاولات، إذ يتم تدوير الأرباح بعيداً من النظام الضريبي للدولة مما يحرم الخزانة العامة موارد ضخمة. وتستخدم دول الشركات الأمنية كقوة ناعمة لتثبيت نفوذها من خلال السيطرة على تدريب وتسليح وحماية النخب الصومالية، لتضمن هذه الدول ولاءات طويلة الأمد بعيداً من القنوات الدبلوماسية الرسمية.
أوضح المصدر أن الشركات الأمنية الأجنبية في الصومال لا تتحرك بمعزل عن أجندات دولها، فتركيا عبر شركات مثل 'سادات' تدمج بين التدريب العسكري الرسمي والاستشارات الأمنية الخاصة، والدول الغربية تستخدم شركات مثل 'بانكروفت' لتنفيذ مهام مكافحة الإرهاب التي لا ترغب جيوشها الرسمية في التورط فيها مباشرة لتجنب الخسائر البشرية أمام الرأي العام الداخلي، وتستخدم بعض الدول العربية شركات أمنية لتأمين استثماراتها في الموانئ مثل بربرة وبوصاصو، مما يجعل هذه الشركات جيوشاً صغيرة تحمي مصالح جيوسياسية تحت ستار تجاري.
أشار تقرير فريق الخبراء المعني بالصومال إلى أن هناك نمواً ملحوظاً في قطاع الشركات الأمنية الخاصة، خصوصاً تلك المرتبطة بحماية البعثات الدولية، وتمثل العقود الأمنية جزءاً كبيراً من إنفاق المنظمات الدولية داخل الصومال، وفي بعض المجمعات الدولية مثل المنطقة الخضراء في مقديشو قد تصل كلفة الأمن إلى 40 في المئة من إجمال الموازنة التشغيلية، إضافة إلى انتشار واسع لشركات الأمن التي تستخدم أسلحة تتجاوز الحاجات المدنية التقليدية.
أوضح تقرير مبادرة الشفافية الدولية أن ما لا يقل عن 25 في المئة من كلف الحملات الانتخابية الرئاسية في الصومال تصرف على البنود الأمنية، وتذهب مباشرة لشركات يملكها سياسيون، وسجل قطاع الأمن الخاص نمواً بنسبة 15 في المئة سنوياً، وهو نمو لا يوازيه أي قطاع إنتاجي آخر في البلاد، وعلى رغم فرض قانون الأحزاب قيوداً على التمويل الخارجي يظل قانون الشركات الأمنية ثقباً أسود باستقبال أموال من دول إقليمية تحت ستار تطوير القدرات الأمنية الخاصة، كما لا توجد آلية قانونية تلزم الشركات الأمنية بالكشف عن هوية مساهميها الحقيقيين، مما يسمح للوزراء والنواب بالاختباء خلف أسماء أقارب من الدرجة الثانية والثالثة.
يعيش قطاع الأمن الخاص في الصومال بمنطقة رمادية قانونياً فعلى رغم وجود محاولات لتنظيم القطاع فإن الواقع يفرض قوانينه الخاصة، إذ لا يوجد قانون يمنع المسؤولين الحكوميين أو قادة الجيش الحاليين من امتلاك أسهم في شركات أمنية، وفي حال وقوع انتهاك بحق مدني من قبل حارس خاص تضيع القضية بين القضاء العسكري والقضاء المدني، فالشركات الأجنبية غالباً ما تدرج بنوداً في عقودها تمنح موظفيها نوعاً من الحصانة التعاقدية التي تجعل مقاضاتهم أمام المحاكم المحلية أمراً شبه مستحيل.
وتلتزم بعض الشركات المحلية بتوفير عناصر مسلحة ولتقليل الكلف تُستأجر ميليشيات قبلية بملابس مدنية ومنحها زياً موحداً مما يحول الميليشيات غير النظامية إلى قوة أمنية مرخصة بين ليلة وضحاها، وتدخل الشركات الأجنبية في شراكات مع بنوك محلية أو شركات اتصالات، إذ تُمول العمليات الأمنية مقابل تسهيلات استثمارية في قطاعات أخرى مما يخلق شبكة معقدة من المصالح العابرة للقطاعات.

















