اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ نيسان ٢٠٢٦
شبكة خطوط تربط بين مواقع أثرية وتاريخية وتمتد على مسافة 1500 كيلومتر وتهدف إلى إبراز الإرث الروماني واللاتيني
يبدو أن زيارة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر إلى الجزائر أحيت الإرث الروماني واللاتيني الذي تزخر به البلاد، لا سيما المرتبط بشخصية القديس أوغسطين، أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في التاريخ القديم، وأعلنت وزارة الثقافة والفنون عن تنصيب لجنة وطنية مكلفة بمتابعة ملف 'المسارات الأوغسطينية' تحضيراً لتقديمه إلى منظمة 'اليونيسكو.'
لجنة جزائرية تتشكل من نخبة من المختصين في مجالات علوم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا، إلى جانب خبراء في تثمين التراث، إذ تقول وزارة الثقافة إن هذه الهيئة ستعمل على المتابعة الدقيقة، وضمان التنسيق الأمثل مع الهيئات الوطنية و'اليونيسكو' لمتابعة الملف، من خلال وضع استراتيجيات مبتكرة لتثمين هذه المسارات باعتبارها وجهة ثقافية عالمية، والترويج لها على نطاق واسع، والإشراف على برامج الحماية والصون للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية مع تشجيع البحث العلمي والدراسات الأكاديمية لتعميق فهمنا لهذا الإرث الحضاري الغني.
كشفت وزارة الثقافة والفنون أن المسارات الأغسطينية المعنية تضم عدة مواقع أثرية ومعالم تاريخية متنوعة، مبرزة أن المشروع يأتي لإبراز العمق التاريخي والثقافي للجزائر، وتعزيز مكانتها على خريطة التراث العالمي. وقالت إن هذا العمق يمثل شهادة حية على التنوع الحضاري الذي عرفته البلاد، ويمتد على مسافة تقارب 1500 كيلومتر عبر مدن شرق ووسط الجزائر القديمة، ويعيد رسم الجغرافيا الفكرية والتراثية لهذه المدن، رابطاً بين الحواضر النوميدية العريقة، ومقدماً إياها شاهداً حياً على عبقرية الأرض الجزائرية التي أنجبت شخصية فذة مثل 'أوغسطين' الذي شكل فكره جسراً عابراً للقارات والأديان، ومنبعاً للنور الفكري الذي لا ينطفئ.
وشددت الوزارة على أن 'مسار أوغسطين' يتميز بخصائص تجعله متفرداً ومنافساً للمسارات العالمية الكبرى، لكونه مساراً ذا بعد عابر للحدود، يربط أفريقيا بأوروبا، ويجسد التفاعل العميق بين الإيمان والعقل في سياق ثقافي متعدد الأبعاد، كما أنه يضمن الحفاظ على النسيج العمراني والأثري للمواقع النوميدية-الرومانية، بما يضمن بقاء روح المكان شاهدة على التراكم الحضاري الجزائري، إضافة إلى إسهامه اللافت في تحويل المواقع الأثرية إلى فضاءات نابضة بالحياة، ترفد السياحة الذاكراتية وتخلق حركية اقتصادية محلية مستدامة.
في السياق، قال الباحث في التاريخ عماد تلي، إن المسارات الأوغسطينية في الجزائر تعد مشروعاً تراثياً وثقافياً ذا أهمية كبيرة، يهدف إلى إبراز الإرث الروماني واللاتيني الممتد عبر عدة مناطق من البلاد، وهو مرتبط بشكل خاص بشخصية القديس أوغسطين، أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في التاريخ القديم، الذي ولد في مدينة تاغاست، سوق أهراس حالياً في شرق الجزائر، وعاش جزءاً مهماً من حياته في مدن جزائرية كانت آنذاك مراكز حضارية وعلمية مزدهرة ضمن مملكة نوميديا ثم الإمبراطورية الرومانية.
وأوضح أن هذه المسارات تعرف بأنها شبكة من الخطوط التي تربط بين مجموعة من المواقع الأثرية والتاريخية المنتشرة عبر عدة ولايات في الجزائر، والتي تعود أساساً إلى الفترة الرومانية والمسيحية القديمة، وترتبط بتاريخ المدن التي عاش فيها القديس أوغسطين أو تأثرت بوجوده الفكري والديني، وأبرز أن هذا التصور يهدف إلى تحويل هذه المواقع المتفرقة إلى مسار ثقافي متكامل يتيح قراءة التاريخ بشكل مترابط بدل النظر إلى كل موقع على حدة.
وتابع تلي، أن هذه المواقع تعكس عمق الوجود الروماني في الجزائر وتنوعه، حيث تجمع بين الطابع الإداري والعسكري والديني والثقافي، مما يجعلها شاهدة على فترة تاريخية لعبت فيها المنطقة دوراً محورياً في حوض المتوسط، مشيراً إلى أن ترابط هذه المواقع ضمن تصور المسارات يمنحها بعداً جديداً، حيث يحولها إلى فضاء سياحي وثقافي متكامل يمكن من خلاله تتبع آثار الحضارة الرومانية وفهم تطورها وانتشارها.
ونبه الباحث في التاريخ إلى أن هذه المسارات الأوغسطينية ليست مجرد مواقع أثرية متفرقة، بل هي ذاكرة تاريخية ممتدة تعكس تداخل الحضارات وتعاقبها على أرض الجزائر، وتشكل جسراً بين الماضي والحاضر لفهم أعمق لتاريخ المنطقة ومكانتها في الحضارة المتوسطية.
وتصنف مبادرة وزارة الثقافة ضمن سياق المنظور الاستراتيجي الرامي إلى صون الإرث الحضاري العريق للجزائر وتأطيره مؤسساتياً، على اعتبار أن الجغرافيا الحاضنة للتاريخ الفكري تشكل إحدى أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول في تثبيت هويتها، وإبراز مساهمتها الفعلية في مسار الحضارة الإنسانية، وتتجاوز المعالم الأثرية كونها شواهد مادية محضة، لتصبح أوعية تحفظ الذاكرة الجماعية ومسارات التطور الفلسفي والروحي عبر العصور.
وفي المقابل، تؤسس هذه الخطوة إلى مرحلة متقدمة من العمل المنهجي الذي يربط بين الحفريات الأكاديمية وحماية الممتلكات الثقافية، وتطوير آليات التنمية المحلية المرتكزة على السياحة الذاكراتية، إذ تسمح هذه الجغرافيا الواسعة باكتشاف التنوع المعماري والوظيفي للحواضر الجزائرية القديمة، حيث تندمج القلاع العسكرية بالمدن الفلسفية والمراكز التجارية الكبرى. وتؤكد المواقع المعنية من خلال شواهدها القائمة، أن الجزائر لم تكن مجرد جغرافيا عابرة في حوض المتوسط، إنما كانت مركزاً حيوياً لصناعة القرار الفكري والروحي.
إلى ذلك، أوضح الناقد المهتم بالشؤون الثقافية، كمال سيماح، أن مشروع المسارات الأوغسطينية ليس مجرد استحضار للتاريخ وليس خطوة ثقافية فقط، بل هو مشروع اقتصادي متكامل يستهدف قطاعاً يعد الأكثر ربحية في الصناعة السياحية العالمية، وهو السياحة الدينية المسيحية الكاثوليكية الذي يقدر حجمه العالمي بـ207 مليارات دولار بنهاية العام الحالي، مشيراً إلى أن الجزائر تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل إرث القديس أوغسطين إلى محرك اقتصادي جبار.
لكن تحويل هذه المواقع الأثرية من عبء مالي يتطلب الصيانة إلى مؤسسات ربحية تسهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، يحتاج وضع سياسات وتخصيص إمكانات وتجنيد عدة قطاعات، بحسب سيماح، الذي أبرز أن تفعيل المسارات الأوغسطينية يتطلب جيشاً من المحترفين، من خريجي معاهد الفندقة والطلبة الجامعيين المتمكنين من اللغات والترجمة المتخصصة، وخريج أقسام التاريخ وعلم الآثار، والمرشدين السياحيين المعتمدين دولياً، إضافة إلى توفير وسائل النقل، وضمان الإطعام والفنادق والخدمات التي تسهم في تنمية هذا المشروع وتحويله إلى قوة ناعمة.
وبقدر الأهمية التي يحظى بها المشروع، إلا أنه يحمل رهانات استراتيجية متعددة، وفي مقدمها التأكيد على عراقة الأرض وأهلها وإعادة إدماج هذا الإرث في السردية المتوسطية والعالمية كفضاء منتج للفكر والمعرفة، إلى جانب توظيف التراث كأداة قوة ناعمة تعزز الحضور الثقافي والدبلوماسي للبلاد، فضلاً عن تحويل المواقع الأثرية المتفرقة إلى منظومة مسارات ثقافية مترابطة قادرة على خلق قيمة مضافة سياحية ومعرفية وتنموية.




















