اخبار جيبوتي
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
الوجود الإسرائيلي في خليج عدن سيزيد من احتمالات تهديد الأمن والسلم الإقليميين في منطقة تعاني الاضطرابات أساساً
حذرت الحكومة الصومالية من استخدام أراضيها السيادية كمنطلق لعمليات عسكرية، وذلك بعد تقريرين إعلاميين أفادا بأن إسرائيل تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية في إقليم صوماليلاند الانفصالي، الواقع مباشرة قبالة اليمن عبر خليج عدن.
وأصدر وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية، علي عمر أمس الجمعة بياناً نص على أن بلاده 'لا ترغب في أن تجر أراضيها إلى مواجهات خارجية أو أن تستخدم بطرق قد تزيد من زعزعة استقرار منطقة حساسة أصلاً'.
وأتى تحذير مقديشو بعدما نشرت وكالة 'بلومبيرغ' الأميركية وإذاعة 'إيكوت' السويدية العامة هذا الأسبوع تقارير عن خطط إسرائيلية لإنشاء منشأة عسكرية قرب مدينة بربرة الساحلية الاستراتيجية على خليج عدن، بإقليم صوماليلاند.
وتزامنت التقارير مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، في ظل إغلاق مضيق هرمز فعلياً وتحذير الحوثيين من استعدادهم للدخول في الصراع، من خلال إغلاق مضيق باب المندب.
وقال عمر إن 'الحكومة الاتحادية هي السلطة الوحيدة المخولة الدخول في ترتيبات أمنية أو عسكرية دولية نيابة عن البلاد'. وأضاف أن 'أي مناقشات حول منشآت عسكرية أجنبية على الأراضي الصومالية تجري خارج هذا الإطار لا أساس قانونياً لها'.
في السياق نقلت وكالة 'بلومبيرغ' عن وزير شؤون الرئاسة في صوماليلاند خضر عبدي قوله إن الإقليم الانفصالي سيسعى إلى إقامة 'علاقة استراتيجية' مع إسرائيل 'تشمل جوانب عدة'. وأضاف أن إمكان إنشاء قاعدة إسرائيلية لم تناقش بعد، 'لكن لا مانع من دراستها في وقت لاحق'.
ولم يكشف مسؤولو 'صوماليلاند' عن تفاصيل الاتفاق مع إسرائيل عند إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، إلا أن تقارير صحافية عدة أشارت إلى احتمال أن تكون حكومة الإقليم الذي أعلن الاستقلال من جانب واحد، قد وافقت على إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في السواحل المطلة على خليج عدن، مقابل حصولها على اعتراف تل أبيب باستقلال الإقليم.
وتشير تقارير صومالية إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، وأثناء زيارته عاصمة 'صوماليلاند' هرجيسا، في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقع اتفاقات عدة من بينها مذكرة تعاون عسكري تسمح لإسرائيل بإقامة قواعد عسكرية قرب ميناء بربرة.
من جهته يرى الباحث في الشأن الصومالي محمد عبدي أن 'إقدام إسرائيل على خطوة الاعتراف باستقلال الإقليم، يرجح أن يكون مشروطاً بتقديم تنازلات مهمة من قبل هرجيسا، من بينها السماح بإقامة قواعد عسكرية دائمة لإسرائيل على السواحل الصومالية، مما يهدد السيادة الوطنية الصومالية، إلى جانب تهديد الأمن القومي العربي، فضلاً عن أنه يمثل عاملاً جديداً لعدم الاستقرار الاقليمي في منطقة خليج عدن والمداخل الجنوبية للبحر الأحمر'.
ولفت عبدي إلى أن 'الاتفاقات الموقعة مع تل أبيب لم تعلن للرأي العام الصومالي، كما لم تناقش في برلمان الإقليم'، مشيراً إلى أنها 'تمثل خرقاً للقانون الدولي باعتبار أن الحكومة الفيدرالية في مقديشو هي الجهة الوحيدة المعترف بها دولياً المخولة قانوناً بتوقيع اتفاقات دولية مع أي طرف خارجي'. وأكد أن 'أي اتفاق توقعه حكومة هرجيسا يعد لاغياً، ما لم يحصل على المباركة من الحكومة المعترف بها دولياً، ويمثل انتهاكاً صريحاً للمعاهدات الدبلوماسية'.
وتابع الباحث في الشأن الصومالي أن 'ثمة سابقة أخرى حدثت في يناير من عام 2024 عندما وقعت هرجيسا مذكرة تفاهم مع إثيوبيا، تنص على حصول الإقليم على الاعتراف مقابل منح إثيوبيا منفذاً بحرياً على السواحل الصومالية'، موضحاً أن 'تلك المذكرة ألغيت نهائياً بعد توقيع إعلان انقرة المبرم بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في ديسمبر 2024، والذي نص على احترام وحدة الصومال وسيادته على جميع أراضيه'.
ورأى عبدي أن 'ذلك مثل اعترافاً إثيوبياً بعدم قانونية المذكرة الموقعة مع هرجيسا، وإعلاناً واضحاً على أن الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بحماية السيادة الصومالية هي حكومة مقديشو'، موضحاً أن 'الاتفاق الذي رعته تركيا، وضع أساساً قانونياً لأي اتفاقات لاحقة. وتملك الحكومة الصومالية في مقديشو حق الدفاع عن النفس بصورة منفردة أو بالاتفاق مع قوى أخرى في حال تعرض سيادتها للانتهاك'.
يشير المتخصص في الشأن الصومالي إلى أن مقديشو وقعت عدداً من اتفاقات الدفاع المشترك مع دول عدة من بينها تركيا. وأوضح أن القوات التركية الموجودة في الصومال وفقاً لاتفاقات التعاون العسكري، تمتلك تفويضاً للتعامل مع أي وجود عسكري أجنبي في الأراضي الصومالية، بخاصة أن جميع دول العالم، إضافة إلى المنظمات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لا تعترف باستقلال صوماليلاند، باستثناء إسرائيل.
ويرى عبدي أن 'الوجود الإسرائيلي في خليج عدن، سيزيد من احتمالات تهديد الأمن والسلم الإقليميين في منطقة تعاني الاضطرابات أساساً، بخاصة في ظل تنامي الغضب الشعبي تجاه الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، ودخول حركة أنصار الله الحوثية إلى المواجهة من خليج عدن، ما يعزز إمكان تعرض الملاحة الدولية في البحر الأحمر لأخطار أكبر'.
يرجح الباحث الصومالي أن 'تحالفاً قيد التشكل يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا والهند، يهدف لإعادة تشكيل المنطقة وتمكين تل أبيب من الوجود في خليج عدن، انطلاقاً من الموقع الجغرافي الفريد للإقليم الصومالي عند مدخل خليج عدن، في مقابل اليمن، وعلى مسافة قريبة نسبياً من مناطق سيطرة الحوثيين، مما يمنح أهمية خاصة لإسرائيل بوصفها منصة محتملة لجمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الأنشطة المطلة على البحر الأحمر، بما في ذلك دعم عمليات اعتراض الهجمات البحرية والجوية، إضافة إلى توفير عمق عملياتي قريب من مسرح الصراع في البحر الأحمر، بغرض محاصرة كل من السعودية ومصر، من خلال التحكم بالمداخل الجنوبية للبحر الأحمر، بخاصة في ظل سعي تل أبيب للبروز كقوة كبرى في منطقة الشرق الأوسط، موضحاً أن القيمة الاستراتيجية المحتملة لإقليم صوماليلاند من ناحية إسرائيل تقارن بالدور الذي تؤديه أذربيجان في الاستراتيجية الإسرائيلية لمواجهة إيران، إذ ترى تل أبيب أن وجودها في هذه المنطقة الحساسة سيمكنها من التحكم بالممرات الاستراتيجية'.
وذكر بتصريح سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون، إذ أشار إلى أن اعتراف بلاده باستقلال الإقليم يرتبط بأهداف استراتيجية، قائلاً إنه 'لا يمكن لأحد تجاهل الموقع الاستراتيجي لصوماليلاند، إذ تمثل المضائق نقطة استراتيجية لنا'.
يكشف المتحدث ذاته، وفقاً لمصادر رسمية صومالية زعم اطلاعه عليها أن 'حكومتا مقديشو وجيبوتي قدمتا نصحاً لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته الأخيرة لمدينة جيبوتي الخميس الماضي، بضرورة توخي الحذر، وعدم الانجرار خلف التحالفات التي تهدد استقرار المنطقة'.
ويرى عبدي أن الحكومة الصومالية معنية بالإبقاء على 'شعرة معاوية' مع حكومة آبي أحمد، لضمان عدم تحول أديس أبابا إلى 'مخلب قط' للأطماع الخارجية في المنطقة، وبخاصة الأطماع الإسرائيلية والإماراتية، بخاصة أن جيبوتي والصومال أنهيا الوجود الإماراتي في أراضيهما، لجهة تعارضه مع مبدأ السيادة الوطنية للبلدين'.
ويشير إلى أن 'مقديشو ألغت الاتفاقات مع أبوظبي بعد انتهاك الاخيرة للسيادة الصومالية، باستخدام غير مصرح به لمجالها الجوي ومطاراتها لتسهيل تنقل رئيس ما يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزبيدي'.
من جهته يرى الباحث أحمد خليفة من صوماليلاند أن 'حكومة هرجيسا ترتبط بعلاقات دبلوماسية ناشئة مع إسرائيل، باعتبار الأخيرة أول دولة تعترف باستقلال الإقليم'، منوهاً بأن 'هذه العلاقات لم تتطور إلى توقيع اتفاقات عسكرية بعد، بل تتعلق بإقامة علاقات دبلوماسية عادية، إلى جانب توقيع اتفاقات استثمارية في مجالات الزراعة والطاقة والتعليم'.
ويرى خليفة أن 'هرجيسا قد تريثت لثلاثة عقود ونيف من أجل الحصول على الاعتراف الأفريقي والعربي فضلاً عن العالمي، وظلت ملتزمة القرارات الصادرة عن المنظمتين الدوليتين (الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي) على رغم عدم حصولها على العضوية فيهما، ومن ثم لا يمكن توجيه اللوم إليها بترحيبها بالاعتراف الإسرائيلي'.
ويقدر الباحث أن 'الإقليم وإن لم يحصل على الاعتراف الدولي رسمياً، فإنه ظل يعد دولة مستقلة بحكم الواقع، أو ما يعرف في القانون الدولي بـde facto state. ولم تكن الاتفاقات التي أبرمتها صوماليلاند مع إثيوبيا (مذكرة التفاهم 2024) أو الاتفاقات مع إسرائيل الموقعة في يناير 2026، أول الاتفاقات حتى تعد غير قانونية، بل سبق وأبرمت اتفاقات عدة مع دول أخرى من بينها اتفاقاً مع الإمارات عام 2016، يتعلق بتطوير وإدارة ميناء بربرة. وظلت هرجيسا منتظمة في تصدير المواشي والأسماك للسعودية، في إطار اتفاقات مبرمة مع شركات سعودية خاصة قبل أن توقف الرياض التبادل التجاري مع صوماليلاند عام 2001'، حسب قوله.
يرى خليفة أن 'التقارير الصحافية التي أشارت إلى رغبة هرجيسا استضافة قواعد عسكرية إسرائيلية غير صحيحة وتفتقد للدقة'، موضحاً أنه 'إذا كان هناك ثمة مخاوف عربية عن تطور العلاقات بين تل أبيب وهرجيسا، واحتمال إضرارها بالأمن القومي العربي، فإن الحل الأنجع هو أن تعترف الدول العربية باستقلال الإقليم، وضمه إلى المظلة العربية بجميع ما تفرضه الجامعة العربية من التزامات أمنية وعسكرية على اعضائها، عوض التمسك بحجة وحدة الأراضي الصومالية التي لم تعد واقعاً معاشاً منذ عام 1990'. ويضيف أن 'الإقليم يمتلك كافة موجبات الاستقلال، سواء على المستوى القانوني باعتباره مستعمرة بريطانية لم تكن جزءاً من الصومال الجنوبي، بل أحد الأقاليم المستقلة بموجب مبدأ تصفية الاستعمار، أو على المستوى السياسي باعتباره إقليماً غير خاضع لسلطة مقديشو أو سيادتها منذ أكثر من 3 عقود ونصف العقد، إذ يتمتع باستقلالية كاملة على المستوى المؤسساتي، من برلمان مستقل، يتشكل عبر استحقاق انتخابي منتظم ورئيس منتخب، وعملة وطنية واقتصاد مستقل عن سياسات الحكومة الصومالية، فضلاً عن حال الاستقرار التي فرضها التوافق الوطني على عكس الأوضاع السائدة في الأقاليم التي تديرها حكومة مقديشو'. وختم بالقول إن 'الاعتراف العربي المشترك باستقلال صوماليلاند، يمثل الرهان الرابح للأمن القومي العربي'.















