اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
تعزيز حضور اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي
فتحت الحكومة الجزائرية صفحة جديدة في سياستها اللغوية بإعلانها اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية وحيدة في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، مع تأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، ابتداءً من الموسم الدراسي 2026-2027.
ويعد القرار أحدث حلقة في مسار إصلاحات تربوية ولغوية انطلق منذ أعوام، لكنه يتجاوز في دلالاته حدود المدرسة ليعكس تحولات أعمق في خيارات الدولة التعليمية، ورؤيتها لموقع اللغات الأجنبية في التنمية، كذلك يحمل أبعاداً سياسية وثقافية مرتبطة بعلاقة الجزائر التاريخية مع فرنسا.
وجاء الإعلان على لسان وزير التربية الجزائري، محمد صغير سعداوي، خلال افتتاح الندوة الوطنية لتحضير الدخول المدرسي 2026-2027، حين أكد أن الإجراءات الجديدة تندرج ضمن مواصلة إصلاح المنظومة التربوية، وتشمل إعادة تنظيم بعض المواد التعليمية وتعزيز الحجم الساعي للأعمال التطبيقية، إلى جانب مراجعة تدريس اللغات الأجنبية في الطور الابتدائي.
وقال الوزير 'سيحظى أبناؤنا في السنة الثالثة ابتداء من الموسم المقبل، بدراسة لغة أجنبية واحدة وهي اللغة الإنجليزية، لا سيما أن اللغتين الفرنسية والإنجليزية متشابهتان من حيث طريقة كتابة ورسم الحروف ونطق الكلمات، لذلك قررنا أن نكتفي باللغة الإنجليزية، ثم بعد ذلك حالما يتمكن أبناؤنا من التحكم قليلاً في الإنجليزية، سيدرسون الفرنسية إلى جوار اللغة الإنكليزية بطبيعة الحال بداية من السنة الرابعة'.
وأوضح سعداوي أن تفاصيل تنفيذ الإجراءات الجديدة 'ستُحدد عبر منشور رسمي خلال الأيام القليلة المقبلة'، مبرزاً أن قطاع التعليم 'يسعى إلى البناء على ما تحقق من مكاسب'، وتعهد بـ'مواصلة التحديث تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبدالمجيد تبون بخصوص تطوير قطاع التربية'.
منذ استقلال البلاد عام 1962، احتفظت اللغة الفرنسية بموقع مميز داخل المدرسة الجزائرية، بوصفها أول لغة أجنبية يتلقاها التلاميذ، وعلى رغم سياسات التعريب المتعاقبة، بقيت الفرنسية حاضرة بقوة في التعليم والإدارة والاقتصاد والتعليم العالي.
غير أن وصول الرئيس عبدالمجيد تبون إلى السلطة، نهاية عام 2019 مثّل نقطة تحول في السياسة اللغوية للدولة. فقد تبنت السلطات خياراً يقوم على توسيع حضور اللغة الإنجليزية تدرجاً، على أساس أنها لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، مقابل تقليص المكانة التقليدية للفرنسية.
وفي عام 2022 بدأ تدريس الإنجليزية في المرحلة الابتدائية للمرة الأولى، قبل أن تتوسع العملية عبر توظيف آلاف أساتذة اللغة الإنجليزية وتطوير المناهج وإطلاق برامج تكوين للأساتذة، وصولاً إلى القرار الجديد الذي يجعل الإنجليزية اللغة الأجنبية الوحيدة في السنة الثالثة، بينما تؤجل الفرنسية إلى السنة الرابعة.
ويمثل هذا الترتيب تغييراً في فلسفة اكتساب اللغات، إذ تراهن وزارة التربية على تمكين التلميذ أولاً من لغة أجنبية واحدة قبل الانتقال إلى تعلم لغة ثانية، بدلاً من الجمع بينهما في مرحلة مبكرة.
وعلى رغم الطابع التربوي المعلن للقرار، فإن قراءته بمعزل عن السياق السياسي تبدو صعبة، فالخطوة تأتي في ظل مسار متواصل لتقليص حضور الفرنسية داخل مؤسسات الدولة، شمل خلال الأعوام الأخيرة تعريب المراسلات الرسمية في عدد من القطاعات، وتعزيز استخدام الإنجليزية في الجامعات، وبخاصة في التخصصات العلمية والطبية.
كذلك تتزامن مع استمرار التوترات السياسية والدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، التي شهدت خلال الأعوام الأخيرة أزمات متكررة انعكست على مختلف مجالات التعاون بين البلدين.
وفي هذا السياق، ينظر بعض المحللين إلى القرار باعتباره جزءاً من سياسة تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية اللغوية للجزائر وتخفيف الارتباط التاريخي بالإرث الاستعماري الفرنسي، مع توسيع الانفتاح على الفضاء الأكاديمي والاقتصادي الناطق بالإنجليزية.
ويعتقد خبراء أن هذا التحول يعكس أيضاً رغبة في فك الارتباط التدرجي بالإرث اللغوي للاستعمار الفرنسي، مع منح الأجيال الجديدة أدوات أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي وسوق المعرفة.
ويرى رشيد وقاص أستاذ الأدب العربي في جامعة الجزائر، أن الأمن اللغوي والسياسة اللغوية يعدان قضيتين جوهريتين من أهم المهمات التي على الدولة بأجهزتها النظر فيها بصورة دورية بناء على متغيرات ظرفية، ومصالح تراعى فيها العلاقات الدولية، ورهانات المستقبل وقبل ذلك تعزيز الجبهة الداخلية واحترام مقومات الهوية.
ويقول وقاص إنه 'في هذا النسق يأتي التصور الجديد في السياسة اللغوية التي تبنتها الدولة، ممثلة في وزارة التربية الوطنية بالعدول عن اللغة الفرنسية لمصلحة تعزيز حضور اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، بناء على تقييم الظرف السياسي والواقع العلمي ورهان السيرورة العلمية'.
ويضيف أن 'هذا الاختيار جرى اعتماده أولاً بناء على تقدم اللغة الإنجليزية على الفرنسية في الواقع الاستعمالي للغات في العالم، نتيجة الحضور الفعلي للغة الإنجليزية في عالم المعرفة والتقنيات الحديثة واعتمادها كلغة عالمية في المنشورات العلمية، التي تعزز حضور المؤسسات التعليمية في مختلف أطوارها في التصنيف العالمي وتحقيق مرئية على أوسع نطاق تمنح الدولة تموقعاً جيداً وقوة في اتخاذ القرار'.
أما من الناحية السياسية، فيرى المتحدث أن 'الجزائر تراهن على تطوير اللغة الإنجليزية كرد فعل ثقافي مقاوم للكولونيالية، ويأتي في سياق سياسي خاص يعرف تجاذبات وخصومات قد بلغت حداً غير مسبوق، وهو إشعار قوي بامتلاك حق القرار في الحياة الثقافية الداخلية واستقلالية القرار والتحرر من المنظمة الفرانكفونية في دول الساحل الأفريقي. ويأتي التوجه في سياق تعاون بيني بين دول الساحل لتعزيز استقلال كامل يحرر المنطقة من الوصاية التاريخية الاستعمارية لفرنسا للكولونيالية، التي تعمل على الحفاظ على إرث تاريخي ونفوذ خارجي في أفريقيا يسمح لها بمنافسة القوى الكبرى في المنطقة والزحف الصيني والوجود البريطاني في بعض مناطق الشرق الأوسط وإسبانيا والبرتغال في أميركا الجنوبية'.
وذكر وقاص أنه في الماضي اعتمدت الجزائر على اللغة الفرنسية كلغة ثانية باعتبارها من غنائم الحرب التحريرية من جهة، ومن جهة أخرى تسيير مرحلي لإرث استعماري إداري وتعليمي، في غياب علاقات قوية مع الدول الإنغلوسكسونية وحضور اللغة الفرنسية كلغة تواصل وثقافة عالمياً إلى عهد قريب.
من الناحية الداخلية، يقول المتحدث 'إضافة إلى تعزيز الكفاءة العلمية لدى الأجيال بالانفتاح على الإنجليزية، تسعى الدولة إلى كسب رهانات العولمة وتجاوز بعض المشكلات الأيديولوجية، التي كانت تنظر إلى اللغة بعقدة العرق أو الأيديولوجيا، لمصلحة التعامل مع اللغة على أنها أداة فاعلة في تحقيق المنفعة العامة للمجتمع'.
وأثار القرار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية والثقافية، حيث يرى مؤيدوه أن الإنجليزية أصبحت لغة المعرفة والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي، وأن منحها أولوية أكبر سيعزز فرص الأجيال الجديدة في التعليم العالي وسوق العمل الدولي.
في المقابل، يحذر منتقدون من التقليل من أهمية الفرنسية التي لا تزال تحتفظ بمكانة مؤثرة في قطاعات واسعة داخل الجزائر، مثل الطب والهندسة والإدارة وبعض الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى ارتباطها بشبكات التعاون الجامعي مع الدول الفرنكوفونية.
ويؤكد هؤلاء أن تطوير تعليم الإنجليزية لا يستلزم بالضرورة تقليص مكانة الفرنسية، بل يستدعي بناء سياسة لغوية متوازنة تقوم على التعددية اللغوية.
وتعليقاً على القرار، يقول طه صايفي، أستاذ اللغة الفرنسية بأكاديمية الحياة للتعليم والتدريب، إن اللغة الفرنسية واللغات الأجنبية بصفة عامة ستكون حكراً على طبقة خاصة من المجتمع الجزائري، بينما الغالبية ستكون لديها لغة واحدة التي هي 'الدارجة' أو اللهجة المحلية ومن يفهم اللغات الأجنبية سيُعد من الطبقة المميزة.
وأوضح صايفي قائلاً 'أنا لا أنتقد قرارات لا أعلم ما الهدف منها، لكن أؤكد أن حذف اللغات الأجنبية من المناهج الدراسية سيؤثر في مستوى التلاميذ والطلبة في الدراسات العليا أو في الخارج، ولدى السفر والتجارة والتعامل مع الأجانب والحصول على فرص عمل'.
وذكر أن مدارس تعليم اللغات متوفرة واللغات الأجنبية ليست فرنسية وإنجليزية فقط، والطفل ليس لديه سن محددة للتعلم، ويجب على الأولياء أن يمتلكوا نظرة مستقبلية تضمن لأبنائهم مفتاحاً من مفاتيح النجاح في الحياة وهو اللغات العالمية.
في المقابل، يرى أستاذ التعليم شعبان حميدي أن الأعوام الأولى من التعليم ليست سباقاً في عدد اللغات التي يتلقاها الطفل، وإنما هي مرحلة تأسيس وبناء، وكلما كان التلميذ متمكناً من لغته الأم، كان أقدر على استيعاب العلوم، وأيسر في تعلم اللغات الأجنبية لاحقاً، لأن قوة اللغة الأم هي الأساس الذي تُبنى عليه سائر المعارف.
وأوضح حميدي في منشور له على 'فيسبوك' أن المشكلة ليست في تأخر تدريس اللغات الأجنبية، وإنما في جودة مناهجها وطرق تدريسها، فاللغة لا تُكتسب بكثرة الأعوام، وإنما بمنهج حديث ومعلم كفء وممارسة حقيقية تجعلها وسيلةً للتواصل لا مادةً للحفظ واجتياز الاختبارات.
ويقترح أن يبدأ تدريس اللغة الإنجليزية في مرحلة التعليم المتوسط، بعد أن يكون التلميذ قد رسَّخ أقدامه في لغته العربية، مع إعادة النظر جذرياً في مناهج تعليم اللغات وأساليبها حتى تحقق الغاية المرجوة منها. أما اللغة الفرنسية، فيمكن أن تكون في المرحلة الثانوية ضمن مسار اللغات الأجنبية، إلى جانب الإسبانية والصينية والإيطالية وغيرها، ليختار الطالب ما ينسجم مع ميوله وتخصصه وحاجاته المستقبلية.
ويقول المترجم الجزائري عمار قواسمية، إن 'هذا القرار يندرج في صميم تخطيط السياسات الرامية إلى إعادة هندسة المشهد اللغوي، حيث ستفقد اللغة الفرنسية حظوتها التي تمتعت بها زمناً طويلاً بوصفها لغة للإدارة ونقطة ارتكاز للتمايز بين أفراد المجتمع'.
وأوضح قواسمية أن 'اللغة الفرنسية لن ينظر إليها بعد اليوم على أنها امتداد ثقافي يكتسب بالمخالطة المبكرة، إنما ستتراجع مكانتها لتغدو لغة أجنبية وحسب، تُدرَّسُ في فصول المدرسة متأخرة عما ألفته الأجيال السابقة. وهذا التأجيل من شأنه أن يسرع في انحسار هيمنتها الرمزية وتراجع تداولها العفوي في الجزائر'.
وأشار إلى أن 'الواقع يشهد تراجعاً ملموساً للغة الفرنسية داخل مؤسسات التعليم، غير أن القراءة المتأنية تكشف عن سعي واضح نحو إعادة توزيع الأدوار بين اللغات الأجنبية. فعلى رغم موقفنا الرافض للغة الفرنسية لدواع موضوعية وذاتيّة، فإن الرؤية السياسية للحكومة لا ينبغي أن تكتفي بنقل بوصلة الارتهان لتنتصر للإنجليزية بدعوى التّجديد، فذلك ضرب آخر من التبعية. وإن كانت لجان تحسين جودة التعليم تنشد حقاً بناء منظومة سيادية، فلا يستقيم مسارها إلا برد الاعتبار للغة الوطنية، عبر إقرارها لغةً للتدريس في الجامعة، وجعلِها الوعاء الأساس للنشر العلمي، لتتوطن المعرفة في بيئتها الأصلية بدلاً من استِهلاكها في قوالب مستوردة'.
وأضاف المتحدث 'لا شك في أن اللغة الإنجليزية قد أحكمت قبضتها على ميادين الاقتصاد والتقنية المتقدمة على الصعيد العالمي، متجاوزة بذلك اللغة الفرنسية التي ضاق نطاقها وتضاءلت قُدرتها على تلبية حاجات العَصر. بيد أن هذا الإقرار بواقع السوق ومطالب الاقتصاد لا يسوغ اتخاذ الإنجليزية غاية في ذاتها، أو بديلاً يُزاحم لغتنا الأم في المحافل الأكاديمية العليا وفي الإدارة ومصالح الناس، فالحاجة إلى اللغات الأجنبية تنحصر في كونها أدوات للتواصل الخارجي ونقل التقنية وحسب، أما صيانة الهوية وتحقيق الاستقلال المعرفي فيستوجبان أن تظل اللغة العربية سيدة الموقف في قاعات الدرس الجامعي ومنابر البحث العلمي، تمهيداً لتعميم استعمالها في شتى مناحي الحياة'.




















