اخبار جيبوتي
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
تسعى أديس أبابا تدريجاً إلى توسيع حضورها الاقتصادي على الساحل عبر الاستثمار في البنية التحتية والممرات التجارية والخدمات اللوجستية
يمثل مشروع خط أنابيب نقل النفط الجيبوتي – الإثيوبي أول مشروع استراتيجي من نوعه تجاه تأمين حاجات إثيوبيا النفطية. وضع حجر أساسه في الـ24 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ورئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيله، ورئيس مجموعة دانغوتي (Dangote Group) أليكو دانغوتي، إلى أي مدى تحقق إثيوبيا ضمانها الحيوي والجيواقتصادي مع دولة جيبوتي؟ وهل يمثل مشروع (أنابيب نقل النفط) بداية فعلية لطموحات إثيوبيا المتعددة تجاه البحر؟
المشروع في بعده الاقتصادي كسلفه (مشروع الخط الحديدي بين منطقة دوراليه الجيبوتية وأديس أبابا الإثيوبية)، الذي كان استثماراً صينياً بلغت كلفته نحو 4.5 مليار دولار. وتتصدر إثيوبيا الدولة المغلقة هموم توفير احتياجاتها الاستراتيجية والحيوية من آليات ومعدات وغيرها عبر دولة جيبوتي التي تبعد نحو 869 كيلومتراً عن أديس أبابا.
يشمل المشروع الجديد خط أنابيب لنقل المنتجات النفطية المكررة من منطقة دامرجوج في جيبوتي إلى ديوالي في إثيوبيا، إلى جانب مرافق للتخزين والمناولة (بطاقة تخزين تبلغ 375 ألف متر مكعب في دامرجوج، و800 ألف متر مكعب في ديوالي)، ضمن مخطط تطوير منظومة إمدادات الوقود وتقليص الاعتماد على الشاحنات، كبداية لوضع بنيات متكاملة لتعمل جميعها ضمن منظومة شريانية موحدة.
وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الأهمية الاستراتيجية لتعزيز كفاءة ومرونة البنية التحتية الرابطة بين إثيوبيا وجيبوتي، مشيراً إلى أن التوترات الراهنة في حركة الملاحة البحرية وسلاسل إمداد الطاقة بمسارات البحر الأحمر تفرض على البلدين تطوير ممرات تجارية أكثر قدرة على مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، وأكد أن الشراكة اللوجستية بين البلدين لم تعد خياراً تقليدياً، بل ضرورة حتمية لحماية الأمن الاقتصادي القومي والإقليمي، لكون حركتهما التجارية ترتبط عمقاً ببيئة البحر الأحمر.
وأوضح أن المنظومات اللوجستية التي أدارت اقتصاد المرحلة الماضية لم تعد تستجيب للطموحات التنموية المستقبلية، داعياً إلى إحداث تكامل فعلي بين شبكات الموانئ، والطرق السريعة، وخطوط السكك الحديد، ومركز موجو للخدمات اللوجستية الحديثة، وسلسلة مستودعات التخزين، وصولاً إلى خط الأنابيب الجديد، لتعمل جميعها ضمن منظومة شريانية موحدة، وأضاف أن تحقيق هذا الترابط التشغيلي من شأنه تقليص الزمن اللوجستي، وتوسيع آفاق التبادل التجاري، وتعزيز القدرة التنافسية لشبكة التجارة الإقليمية.
مخططات المشروع الذي يشمل خط أنابيب لنقل المنتجات المكررة يمتد على مسافة تبلغ نحو 120 كيلومتراً، ليربط مرافق استقبال وتخزين المنتجات النفطية في منطقة دامرجوج على الساحل الجيبوتي بمرافق التخزين الأخرى داخل الأراضي الإثيوبية بمنطقة ديوالي، إلى جانب مرافق للمناولة، في خطوة تستهدف إنشاء ممر أكثر كفاءة وتطوير منظومة إمدادات الوقود، وتقليص الاعتماد على شاحنات الوقود التي تصل إلى 1000 شاحنة يومياً، وتقطع مسافة تصل إلى 800 كيلومتر إلى أديس أبابا. المشروع يأتي ضمن بنية تحتية ومخطط متكامل، وتكتسب المنظومة الجديدة أهمية خاصة لإثيوبيا، كونها دولة حبيسة تعتمد على جيبوتي بوصفها منفذاً رئيساً لتجارتها الخارجية، في وقت تصل فيه فاتورة وارداتها النفطية إلى نحو 4 مليارات دولار.
وتمثل محطة دامرجوج في جيبوتي أحد المكونات الرئيسة للمشروع، إذ ستؤدي دور نقطة استقبال وتخزين ومناولة المنتجات النفطية قبل نقلها عبر خط الأنابيب إلى إثيوبيا.
وتشير بيانات رصدتها منصة الطاقة المتخصصة عن المحطة إلى أن استثماراتها تبلغ نحو 160 مليون دولار، وهي قيمة تخص هذا المكون من المشروع، وتختلف عن الكلفة الإجمالية للمنظومة المتكاملة البالغة 660 مليون دولار. ومن المخطط إنشاء المحطة على مساحة تقارب 80 هكتاراً، بسعة تخزينية تصل إلى نحو 375 ألف متر مكعب، وطاقة مناولة تقدر بنحو 5 ملايين طن من المنتجات النفطية سنوياً، ومن شأن ربط مرافق التخزين بخط الأنابيب تعزيز دور منطقة دامرجوج كمركز لوجستي لإمدادات الطاقة المتجهة إلى إثيوبيا.
ومن المقرر تنفيذ المشروع خلال أقل من عامين، وتصل قيمة الاستثمارات المقدرة للمنظومة المتكاملة إلى نحو 660 مليون دولار، وتتولى تطوير المشروع شركة الاستثمار الإثيوبية القابضة (Ethiopian Investment Holdings)، بالتعاون مع مجموعة دانغوتي وشركاء من جيبوتي. ووقعت شركة الاستثمار الإثيوبية القابضة ومجموعة دانغوتي وشركة غريت هورن إنفستمنت هولدينغ (Great Horn Investment Holding) مذكرة تفاهم تزامناً مع وضع حجر الأساس، لدفع تنفيذ البنية التحتية المشتركة.
مشروع خط الأنابيب الجيبوتي - الإثيوبي ذو أبعاد عدة وفق الرؤية الإثيوبية، ويأتي أولاً كبعد استراتيجي في الظرف الجيوسياسي الذي تعيشه الدولة في ظل التحولات الحادثة، وتجاه التطور الذي تنشده إثيوبيا. ويمثل مشروع 'خط الأنابيب' ضمانات حقيقية ضد الأخطار الجيوسياسية، فإثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على جيبوتي في أكثر من 90 في المئة من تجارتها الخارجية، ويمنح خط الأنابيب إثيوبيا ممراً بديلاً وأكثر أماناً لتدفق الوقود في ظروف التقلبات المحتملة.
وعلى رغم الغاية الاقتصادية التي يمثلها المشروع في التقليل من كلفة نقل المواد النفطية، وتحقيق ضمانات التدفق، يمثل المشروع طموحاً إثيوبياً في الربط بين الحاجة الحيوية والمخططات المستقبلية تجاه التعامل مع مياه البحر الأحمر في أكبر مشروع نفطي على نطاق القرن الأفريقي يربط بينها ودولة جيبوتي الساحلية.
كذلك يأتي المشروع في توقيت ظروف الحرب الحالية التي تعيشها إثيوبيا بعد انهيار اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وتجدد القتال بين 'الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي' والفصائل المتحالفة معها (قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء) ضد الحكومة في أديس أبابا، مما يمثل دلالة حقيقية، فيما تسعى آلية الحكومة الإثيوبية إلى خلق ضمانات متعددة للحاجات الحيوية ممثلة في النفط على وجه الخصوص، وقد شهدت الأيام الثلاثة الماضية منذ بداية القتال استهداف الجماعات المتمردة كثيراً من المناطق في إقليم عفر شرق إثيوبيا بهدف قطع الطريق الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا في مخطط يرمي للحيلولة دون وصول السلع الحيوية إلى العاصمة أديس أبابا وقطع إمدادات النفط.
ويأتي المشروع ضمن هدف استكمال البنية التحتية الشريانية للنقل (السكك الحديد + خطوط الأنابيب) التي تربط إثيوبيا بجيبوتي، مما يعزز التكامل الاقتصادي. وتتضمن المرحلة الثانية إنشاء خط الغاز وآخر للنفط الخام في الاتجاه المقابل، بهدف نقل موارد إثيوبيا من حقول النفط والغاز الواقعة في الإقليم الصومالي إلى الأسواق الخارجية عبر الأراضي الجيبوتية، معززاً مكانة إثيوبيا كدولة ذات علاقة جيواقتصادية في البحر.
يمنح المشروع إثيوبيا هامش نفوذ إقليمياً عبر شراكاتها مع دولة جيبوتي ليمثلا معاً كمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية، كذلك يهيئ لها موطئ قدم للوصول إلى الساحل ضمن مطالباتها المستمرة للحصول على منفذ بحري والوصول إلى البحر الأحمر.
يقول أستاذ العلاقات الدولية محمد حسب الرسول 'إن مشروع خط الأنابيب الرابط بين جيبوتي وإثيوبيا يمثل أحد أهم مشاريع التعاون الجيوسياسي بين البلدين، إذ تتجاوز وظيفته المعلنة المتمثلة في نقل الوقود من جيبوتي إلى إثيوبيا، ليحقق مكاسب استراتيجية مهمة، خصوصاً لإثيوبيا، وإن كان المشروع بطبيعة الحال لا يمنحها منفذاً بحرياً بالمعنى السيادي'.
ويوضح 'إن إثيوبيا، من خلال المشروع، لا تحصل على ساحل أو سيادة بحرية، لكنها تصبح أكثر ارتباطاً بالبنية التحتية الساحلية في دولة جيبوتي. وتحمل هذه العلاقة، إلى جانب بعدها الاقتصادي، دلالة سياسية وشعبية تتمثل في تعزيز التعاون بين بلدين متجاورين ظلا فترة طويلة ينسقان مصالحهما، بما يقدم نموذجاً للتكامل بين دول الجوار في منطقة القرن الأفريقي'.
ويشير إلى 'أن جيبوتي تستفيد بدورها من المشروع اقتصادياً وجيوسياسياً، فإلى جانب العائد المادي الناتج عن خدماتها الساحلية، يتيح خط الأنابيب ارتباطاً مباشراً بين منشآت الطاقة في منطقة دامرجوج والسوق الإثيوبية الكبيرة التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة. وهذا الارتباط يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات، ويعزز موقع جيبوتي كقاعدة اقتصادية ولوجستية إقليمية، مع إمكان توسيع خدماتها لتشمل قطاع الطاقة على المستوى الإقليمي'.
أما بالنسبة إلى إثيوبيا فإن أهمية المشروع تتجاوز مجرد تأمين إمدادات الوقود، إذ يربط اقتصادها بصورة أكثر مباشرة بالبنية التحتية الساحلية التي تستخدمها في جيبوتي، ويتكامل ذلك مع توجه أوسع نحو تطوير الممر الإثيوبي – الجيبوتي ليصبح منظومة استراتيجية متكاملة تضم الميناء، ومرافق التخزين، والطرق، وسكك الحديد، والمراكز اللوجستية، من بينها مركز دامرجوج.
يتابع الأستاذ الجامعي 'وعليه، يمكن النظر إلى المشروع كونه إحدى مراحل بناء الحضور الاقتصادي واللوجستي لإثيوبيا على البحر، فإثيوبيا، وفق هذا التصور، تسعى تدريجاً إلى توسيع حضورها الاقتصادي على الساحل عبر الاستثمار في البنية التحتية والممرات التجارية والخدمات اللوجستية، قبل الوصول إلى هدفها الأبعد المتعلق بالحصول على منفذ بحري ذي طابع سيادي. هذا الحضور الاقتصادي لا يعني امتلاك ميناء أو قاعدة بحرية، لكنه قد يمنح إثيوبيا، على المدى البعيد، أوراقاً اقتصادية وسياسية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن، ومن هذه الزاوية فإن خط الأنابيب لا يمثل مجرد مشروع لنقل الوقود، وإنما جزء من عملية أوسع وأهداف وأكثر مرونة'.















