اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ شباط ٢٠٢٦
السلطات وجهت البعثات الدبلوماسية والقنصلية بإبطال المتابعات القضائية ومعالجة المواقف القانونية والأحكام الصادرة بحق المواطنين في الخارج
في خطوة دبلوماسية وقانونية وصفت بغير المسبوقة، شرعت السلطات الجزائرية في تنفيذ توجيهات جديدة شملت عشرات البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الخارج، ولا سيما في الدول الغربية، بهدف تسوية الوضعية القانونية لمئات المواطنين الجزائريين المقيمين في المهجر، والعمل على إبطال المتابعات القضائية والأحكام الصادرة بحقهم.
ويندرج هذا التحرك ضمن قرارات اتُخذت خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وتركز أساساً على فئة من النشطاء والمعارضين الذين غادروا الجزائر خلال الأعوام الأخيرة، وواجهوا ملاحقات قضائية بتهم تتعلق بـ'المساس بالوحدة الوطنية' و'الإضرار بأمن البلاد واستقرارها'، وهي تهم ارتبطت في كثير من الحالات بأنشطة سياسية أو إعلامية معارضة للسلطة.
وتنص المبادرة التي تصفها الجهات الرسمية بـ'إجراءات التهدئة' أو 'التسوية السياسية'، على إمكان إسقاط التهم وإلغاء الأحكام القضائية، مقابل تقديم المعنيين تعهدات كتابية بالامتناع عن ممارسة الأنشطة التي كانت محل متابعة، في المقابل تستثني هذه الإجراءات صراحة الأشخاص المتورطين في جرائم وصفت بالخطرة، على غرار قضايا إراقة الدماء وتجارة المخدرات أو الأسلحة، إضافة إلى من ثبت تعاونهم مع جهات أجنبية تُعد معادية للجزائر.
ولشرح وتبسيط بنود المبادرة، اجتمع الوزير الأول الجزائري سيفي غريب في الجزائر العاصمة الثلاثاء الماضي مع 43 قنصلاً جزائرياً عبر مختلف بلدان العالم، في ندوة استمرت ثلاثة أيام، خصصت لإبلاغهم توجيهات الرئيس عبدالمجيد تبون حول 'إجراءات التهدئة' التي أُعلنت في الـ11 من يناير الماضي.
وخلال الاجتماع، طلب سيفي من القناصل الشروع في تنفيذ عملية تسوية أوضاع المهاجرين الجزائريين غير النظاميين في الخارج، شرط التزامهم عدم العودة للمخالفات البسيطة التي سبق أن عرضتهم للمتابعة القضائية، مع استثناء من تورطوا في جرائم خطرة، أو ثبت 'تعاونهم مع جهات معادية للدولة'.
ويُعد مؤتمر القناصل الثاني من نوعه، بعد دورة أولى نظمت عام 2021، وشارك في هذا اللقاء رؤساء مراكز قنصلية، من قناصل عامين وقناصل، موزعين عبر مختلف دول العالم، إضافة إلى رؤساء المصالح القنصلية ضمن البعثات الدبلوماسية الجزائرية في الخارج.
وأكد الوزير الأول خلال كلمته أمام القناصلة أن 'النداء الأخير الموجه إلى الشباب الجزائري المقيم في الخارج، ولا سيما من يوجدون في أوضاع هشة أو غير نظامية، يندرج في إطار الالتزام الثابت لرئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون حماية أبناء الوطن أينما كانوا'، مبرزاً أن 'الدستور الجزائري كرس مكانة خاصة للجالية الوطنية في الخارج'.
وشدد سيفي غريب على 'الدور المحوري' الذي تضطلع به المصالح القنصلية في حماية الجزائريين بالخارج، وكذلك في تحفيز 'إسهاماتهم الفعلية في مسار التجديد الوطني'، وهو الشعار الذي جعله رئيس الجمهورية محوراً لبرنامجه منذ توليه الحكم أواخر عام 2019.
وأوضح الوزير الأول أن النداء الذي وجهه تبون لفائدة الشباب الجزائري ذوي الوضعيات الهشة في الخارج 'يحمل رؤساء المراكز القنصلية مسؤولية مضاعفة تتطلب تعبئة قصوى لمتابعة وتنفيذ هذا التوجه'، مؤكداً 'التزام الدولة ضمان أفضل أنواع التكفل بالجالية الوطنية المقيمة في الخارج وحمايتها، مع مواصلة الإصغاء لانشغالاتها والاستجابة لتطلعاتها'.
ودعا إلى 'تفعيل دور الجهاز القنصلي وجعله أداة داعمة للتنمية الوطنية'، ولا سيما عبر التعريف بمناخ الأعمال وفرص الاستثمار المتاحة في الجزائر، في ظل الإصلاحات الاقتصادية الجارية، انسجاماً مع مسار الإصلاح الشامل الذي يقوده رئيس الجمهورية.
وفي الـ 13 من يناير الماضي، أقر تبون تدابير عفو وتسوية أوضاع لفائدة فئات من الشباب الجزائري الموجودين في الخارج في وضعيات هشة وغير قانونية والذين يواجهون متابعات قضائية في الجزائر تتعلق بالإخلال بالنظام العام.
وذكر بيان لمجلس الوزراء أن 'هؤلاء الشباب يوجدون اليوم بعيدين من وطنهم الأم ومن ذويهم وأصدقائهم، ويعانون الفاقة والعوز، ويتم استغلالهم في أعمال مهينة، فيما يستعمل بعضهم الآخر ضد وطنهم'، معتبراً أن مثل هذه الوضعيات لا تستحق كل هذا العناء، وأنهم قد يستعملون من قبل أوساط إجرامية ’مافيوية‘، مما يعرضهم لتشويه سمعتهم سواء في البلد الذي هم موجودون فيه أو في وطنهم الذي خرجوا منه'.
وبالنظر إلى حدود إجراءات العفو هذه، من المتوقع أن تُستثنى منظمات محددة ارتبط نشاطها بتنظيمات صنفتها الدولة 'كيانات إرهابية'، وفي مقدمتها 'حركة تقرير مصير منطقة القبائل' أو ما تسمى اختصاراً 'حركة الماك'، بعد تصعيدها الأخير بإعلان 'دولة مستقلة' من باريس نهاية العام الماضي، بعد أن كانت الجزائر أدرجت قياديي الحركة وعلى رأسهم فرحات مهني ضمن قائمة الإرهاب.
وتقع ضمن قائمة الاستثناءات حركة 'رشاد' الإسلامية التي ينشط قياديوها في بريطانيا وسويسرا، حيث تظل تهم مثل 'الإرهاب والمساس باستقرار الدولة'، إضافة إلى عدد كبير من الناشطين اللاجئين في أوروبا وأميركا الشمالية.
وخلال لقائه الدوري مع الصحافة الوطنية السبت الماضي، قال تبون إن كل مواطن جزائري يعيش في الخارج وأخطأ، معني بالعودة شرط توقفه عن الخطأ، مستثنياً بذلك الأشخاص الذين تربطهم علاقات بشبكات استخباراتية أو كانوا على علاقة بإسرائيل أو دول في صراع مع الجزائر وزودوهم بمعلومات مقابل أموال.
وأوضح تبون أن كل من تورط مع استخبارات أجنبية في حال عودته للجزائر سيحاكم واصفاً إياهم بـ'الخونة'، ما عدا غير المرتبطين مع أجهزة استخبارات أجنبية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسة 'اليد الممدودة' التي أعلن عنها تبون والتي تهدف، وفق الخطاب الرسمي، إلى تعزيز لمّ الشمل الوطني وتخفيف الضغوط القانونية والاجتماعية عن الجالية الجزائرية في الخارج، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية.
ويقول عضو المرصد الوطني للمجتمع المدني، المكلف بالجالية الجزائرية بالخارج، المقيم في فرنسا باديس خنيسة إن المبادرة التي أطلقتها الجزائر لتسوية وضعية مئات الرعايا في الخارج وإبطال المتابعات والأحكام القضائية الصادرة في حقهم تندرج ضمن مقاربة مركبة، تجمع بين الاعتبار القانوني والبعد السياسي، وتتحرك في مساحة دقيقة عنوانها التهدئة من دون التفريط في منطق الدولة ومؤسساتها.
وأوضح خنيسة لـ'اندبندنت عربية' أن 'المبادرة في جوهرها، تعكس توجهاً يرمي إلى إعادة مد الجسور مع فئات من الجالية، ومعالجة وضعيات ظلت عالقة لأعوام، سواء بسبب متابعات قضائية أو أحكام صدرت في سياقات سياسية وإعلامية متوترة، وتحمل أيضاً رسالة مفادها بأن الدولة لا تنظر إلى مواطنيها في الخارج من زاوية القطيعة، بل من منطلق قابلية الإدماج متى توافرت الشروط القانونية اللازمة'.
ومن الناحية القانونية، يضيف أن 'لا يمكن توصيف الإجراء كعفو سياسي شامل بالمعنى الدستوري أو السيادي الواسع لأن هذا النوع من العفو يرتبط عادة بقرارات جامعة تعالج مرحلة سياسية بكاملها، فما يجري هنا أقرب إلى تسوية مضبوطة تدار عبر القنوات القضائية والإدارية المختصة، مع إبطال متابعات أو أحكام وفق آليات قانونية قائمة، وليس عبر إسقاط جماعي شامل'.
وذكر خنيسة أن 'البعد الاستراتيجي للمبادرة يظل حاضراً، فهي تسهم في استعادة قدر من الثقة مع شرائح من الجالية، وتشجع على العودة أو الانتظام في الديناميكيات الوطنية، وتساعد أيضاً على غلق بعض الملفات التي استخدمت في الخارج كورقة ضغط أو توظيف سياسي وإعلامي ضد الجزائر، وبهذا المعنى، تتجاوز الخطوة طابعها الإجرائي الصرف، لتلامس مناخاً سياسياً أهدأ وأكثر قابلية للاحتواء'.
وتابع 'أما بخصوص ما إذا كانت تمهد لعفو سياسي أوسع، فيمكن القول إن المقاربة المعتمدة حالياً تقوم على مبدأ دراسة الملفات حالة بحالة، أي إن كل وضعية تفحص على حدة وفق طبيعة الوقائع وخلفياتها ودرجة خطورتها القانونية، مما يسمح بالحفاظ على هيبة المؤسسات القضائية، والتمييز بين القضايا القابلة للتسوية وتلك التي تبقى خاضعة للمسار الجزائي العادي'.
وخلص إلى القول إن 'المبادرة لا تختزل في كونها إجراءً إدارياً محدوداً، ولا ترقى في مرحلتها الراهنة إلى عفو سياسي شامل، بل يمكن توصيفها كمسار تسوية قانونية ذات أبعاد سياسية هادئة، تتحرك بمنطق التدرج والانتقائية'.
من جهته النائب البرلماني عن الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج عبدالوهاب يعقوبي إن 'المبادرة تخص الجزائريين المقيمين في الخارج الذين يعيشون وضعيات هشة أو غير قانونية والذين هم محل متابعات قضائية أو إجراءات إدارية في الجزائر، وتطلب منهم التقرب من الممثليات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية في بلدان إقامتهم، قصد تسوية وضعياتهم القانونية والإدارية تجاه الإدارة الجزائرية، في إطار يحفظ كرامتهم وحقوقهم'.
وأوضح في منشور على صفحته بموقع 'فيسبوك' أن 'هذه الدعوة لا تهدف بأية صورة من الصور إلى مطالبة أي شخص بالعودة للوطن، وإنما ترمي حصرياً إلى تمكين الجميع من تسوية وضعياتهم، وتفادي كل أنواع الإقصاء أو التهميش، وفتح آفاق قانونية وإنسانية أكثر عدلاً وإنصافاً'.
ونشرت القنصليات الجزائرية في عواصم أوروبية على غرار لندن وبروكسل، بلاغات على مواقعها وصفحاتها الرسمية، دعت فيها أفراد الجالية الوطنية المقيمين في نطاق اختصاصها أنه بإمكان المعنيين تسوية وضعيتهم والتمكن من الالتحاق بأرض الوطن في إطار منظم، وناشدتهم التواصل مع القنصلية العامة لتقديم طلبهم.
ومن المنتظر أن تكشف الأسابيع المقبلة عن مستوى التجاوب مع هذه الإجراءات، وعن قدرتها على إحداث تحول ملموس في ملف المعارضة الجزائرية في الخارج، أو ما إذا كانت ستظل، وفق تقديرات بعض المتابعين، آلية لتنظيم 'اعتزال سياسي مُدار' مقابل ضمان عودة آمنة لأرض الوطن.




















