اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
تستهدف الدولة تكوين 30 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي
تسارع الجزائر الزمن من أجل ضمان سيادتها الرقمية عبر خريطة طريق مبنية على تطوير نماذج رقمية سيادية مفتوحة المصدر، وبناء قدرات وطنية للحوسبة عالية الأداء، وتخزين البيانات، وتوطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الخدمات العمومية، وبغية تحقيق ذلك تستهدف الدولة تكوين 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
وتولي الجزائر أهمية بالغة للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتبارهما خياراً استراتيجياً لتعزيز السيادة الوطنية، إذ لم تعد الثورة التكنولوجية الجارية مسألة تقنية معزولة، بل تحولت إلى عنصر حاسم في موازين القوة بين الدول، وإلى أداة لإعادة تشكيل نماذج التنمية والحوكمة، كذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار مستقبلي، بل أصبح اليوم البنية التحتية الجديدة لقوة الأمم، وبالتالي تعمل الجزائر على تجاوز تبني التكنولوجيا ليشمل التحكم في آثارها السياسية والاقتصادية والثقافية في عالم باتت فيه الخوارزميات والبيانات جزءاً من القرار السيادي.
في السياق، كشف تقرير نشرته المنصة الأميركية 'موسليم نتوورك تي في' عن أن الاستراتيجية الجزائرية تجمع قطاعات وزارية عدة حول هدف مشترك يتمثل في إحكام السيطرة على التكنولوجيا والبيانات والموارد الحسابية، مع تحويل البحث العلمي والتكوين الجامعي إلى تطبيقات اقتصادية وصناعية، مشيراً إلى أن خريطة الطريق تستند إلى أربعة محاور تشمل تطوير نماذج ذكاء اصطناعي سيادية مفتوحة المصدر، وإنشاء بنية للحوسبة عالية الأداء، وحفظ البيانات الوطنية داخل مراكز تخزين محلية، وتعزيز أمن التطبيقات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية. وقال إن أهمية هذه الأولويات لا تقف عند تحديث الإدارة، بل تمتد إلى تقليص التبعية للمنصات الأجنبية، والحد من خروج البيانات الحساسة، وتوسيع فرص الاستثمار أمام المؤسسات الناشئة والجامعات ومراكز البحث، بما يجعل السيادة الرقمية جزءاً من بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
وأوضح التقرير الأميركي أن المقاربة تستهدف الانتقال من إعداد السياسات إلى تشغيل برامج وبنى تحتية فعلية، مبرزاً أن النماذج المفتوحة المصدر تحتل موقعاً مركزياً في الاستراتيجية لأنها تتيح للجهات الوطنية تطوير أنظمة قابلة للتكييف مع الوثائق واللغات والاحتياجات الإدارية المحلية بدل الاعتماد الكامل على برامج مغلقة تتحكم فيها شركات أجنبية، لكن التحكم في البرمجيات لا يكفي وحده لبناء ذكاء اصطناعي سيادي، لذلك تربط الخريطة بين تطوير النماذج الوطنية وتوفير الحوسبة عالية الأداء، بما يسمح بتدريب التطبيقات محلياً وتقليص الحاجة إلى استئجار موارد تقنية خارجية لمعالجة البيانات الحكومية، كما أن تخزين البيانات داخل البلاد يسمح بتعزيز حماية المعلومات المرتبطة بالإدارة والصحة والتعليم والمالية والخدمات العمومية، فضلاً عن دعم نمو أنشطة الاستضافة والصيانة والأمن السيبراني داخل السوق الوطنية.
من أجل إعطاء دفعة نوعية إلى الاستراتيجية بغرض إنجاحها، تعمل الجزائر على تكوين 30 ألف مهندس ومتخصص بحلول عام 2030، بعدما شهد شهر يونيو (حزيران) عام 2026 تخرج أول دفعة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي بلغ عددها 105 خريجين من خلال إشراك الجامعات والمدارس العليا ومراكز البحث وبرامج التدريب المتخصصة، إلى جانب توسيع التكوين في تحليل البيانات، وتعلم الآلة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة عالية الأداء، والأمن السيبراني.
وقامت الجهات المعنية باستثمارات ومبادرات عدة لتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي، من بينها إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، وإطلاق أكبر مركز بيانات وحوسبة في المنطقة، وتأسيس مراكز تطوير المهارات، وصندوق استثمار لتشجيع الذكاء الاصطناعي.
وتتركز الاستراتيجية الحكومية لتكوين كفاءات الذكاء الاصطناعي على تحديث منظومة التعليم العالي والتدريب المهني لضمان بناء سيادة تكنولوجية وتأهيل جيل قادر على الاندماج الفوري في سوق العمل، وتتلخص أبرز معالمها في إطلاق الخطط الاستراتيجية والمشاريع المرجعية، وربط عروض برامج التدريب والتعليم باحتياجات سوق العمل الحقيقية ومواكبة تكنولوجيات الغد، وانعاش المدارس العليا المتخصصة، ودعم المتفوقين من خلال عقود تشغيل مباشرة فور تخرجهم بالشراكة مع القطاعات الاقتصادية الحيوية، وكذلك وضع برامج تدريب حديثة تسمح بالانتقال من نموذج التلقين التقليدي إلى نماذج قائمة على هندسة بيداغوجية تتمحور حول المشاريع والمحاكاة والتعلم بالتجربة، وإدراج تخصصات دقيقة وجديدة ضمن مدونة التكوين المهني لضمان توفير يد عاملة مؤهلة تقنياً، ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي لمرافقة الطلبة ومساعدة الأساتذة في تقييم وإعداد الأنشطة البيداغوجية، إضافة إلى الانفتاح العالمي عبر تشجيع الطلبة على الانخراط في برامج تدريب عالمية.
إلى ذلك، أوضح الباحث في المعلوماتية جلال بوعبدالله أن الاتجاه الصحيح هو الانتقال من منطق الإعلان والعلامة إلى منطق التنفيذ والتوسع مع إمكان الوصول إلى البيانات والحوسبة، وتكوين الكفاءات، وتحويل الذكاء الاصطناعي من شعار إلى رافعة أداء حقيقية، مضيفاً أن الجزائر بلغت درجة نضج معتبرة من خلال نصوص وضعت لحماية المعطيات الشخصية، متبوعة بوجود استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن وجود مرجع وطني لحوكمة المعطيات. وتابع 'أما النضج التشغيلي، أي جودة البيانات واندماج الأنظمة وتبنّي المؤسسات الصغيرة للأدوات الرقمية، فلا يزال متفاوتاً'، مبرزاً أن الجزائر لا تنقصها النصوص التنظيمية بقدر ما ينقصها المهندسون الميدانيون والمكوّنون القادرون على تحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس.
وواصل بوعبدالله 'يمكن التعويل على الذكاء الاصطناعي لتطوير القطاعين الاقتصادي والمؤسساتي، ولكن كرافعة لا كعصا سحرية على اعتبار أن الذكاء الاصطناعي المبني على بيانات ضعيفة أو غير مهيكلة يثبّت الخلل بدل أن يصلحه'، مشيراً إلى أن الرقمنة لا تقاس بعدد المنصات المعلنة، بل بما يلمسه المواطن والمقاول في حياتهما اليومية، وهذا هو المعيار الذي ينبغي الحكم به على مسار عام 2030، وختم أن المنافسة العالمية اليوم ليست على امتلاك التكنولوجيا بل على القدرة على تشغيلها سيادياً، و'الجزائر تملك ورقتين رابحتين نادرتين في المنطقة، وهما سوق داخلية واسعة، وكفاءات شابة'.
وتواجه الجزائر تحديات أساسية في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي محلية تحمي السيادة المعرفية وتتجنب التبعية التكنولوجية، وتتمثل في ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية التمويل، ونقص الخبرات والكفاءات المتخصصة، إذ تعاني شبكات الاتصالات ومراكز البيانات من فجوات تؤثر على استيعاب تقنيات الحوسبة المتقدمة، كذلك تواجه المؤسسات والإدارة العمومية صعوبات في تجميع وتخزين وتجانس وحماية المعطيات الوطنية. ويفتقر قطاع الابتكار والشركات الناشئة إلى رؤوس مال كافية لدعم المشاريع الكبرى، إلى جانب تسجيل عجز نسبي في عدد المتخصصين والمهندسين في مجالات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي، على رغم المساعي الحكومية لتكوين آلاف المختصين بحلول عام 2030، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتطوير قوانين تحمي البيانات الشخصية وتضمن الأمن السيبراني.
وأكد مدير المدرسة الوطنية العليا للأمن السيبراني محمد الأمين رياحلة أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم إحدى أهم الأدوات الداعمة للأمن السيبراني، لما يوفره من قدرات متقدمة في تحليل البيانات، والكشف المبكر عن محاولات الاختراق، والتنبؤ بالهجمات الإلكترونية، ومساندة الخبراء في اتخاذ القرارات السريعة والفعالة، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتطوير الخدمات والمنتجات، بل أصبح إحدى أهم الوسائل التي تعتمد عليها المؤسسات الناشئة ورواد الأعمال لتعزيز أمن أنظمتهم المعلوماتية وحماية بياناتهم من التهديدات السيبرانية المتزايدة.
'ومع تطلع الجزائر إلى تعزيز سيادتها الرقمية، فإن ركائز تحقيق هذا الهدف تتمثل في الاستثمار بالكفاءات الوطنية، وتسخير الذكاء الاصطناعي لتطوير مهارات الإطارات المكلفة بأمن الأنظمة المعلوماتية، ما يمثّل ركيزة أساسية لبناء فضاء سيبراني أكثر أمناً وقدرة على حماية مؤسسات الدولة، فضلاً عن ضمان استمرارية الخدمات الرقمية وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في الاقتصاد الرقمي' وفق رياحلة.
إلى ذلك، كشف تقرير 'انتشار الذكاء الاصطناعي العالمي' الصادر عن شركة 'مايكروسوفت' الأميركية، عن مؤشرات إيجابية بالنسبة للجزائر، إذ كسبت البلاد خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 مركزاً جديداً في التصنيف الأفريقي لتبني الذكاء الاصطناعي، لترتقي إلى المرتبة التاسعة قارياً. ويأتي ذلك امتداداً لمنحى تصاعدي بدأ منذ فصول عدة، إذ بلغ في النصف الثاني من عام 2025 معدل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي 12 في المئة بين السكان النشطين، مقارنة بـ 11.3 في المئة قبل ستة أشهر من ذلك التاريخ، وتواصل الرقم في الارتفاع خلال الربع الأول من عام 2026.
وتملك الجزائر تغطية إنترنت تقدر بـ71 في المئة، إلى جانب شبكة تضم 22 مؤسسة للتعليم العالي تعنى بالتكوين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، إضافة إلى إطار تنظيمي يجرى تعزيزه ضمن استراتيجية وطنية مخصصة لهذا الغرض. كذلك وضعت الدولة لبنة إضافية بإنشاء مدرسة عليا متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تكوين الإطارات والكفاءات التي ستتولى قيادة التحول الرقمي في القطاعات الإنتاجية والإدارية. وبحسب متابعين فإن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الجزائر من المتوقع أن تصل إلى 1.69 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يقارب 27 في المئة.
وتشير تقديرات 'غولدمان ساكس' إلى أن عمالقة التكنولوجيا، بما في ذلك 'أمازون'، و'غوغل'، و'مايكروسوفت'، وكذلك 'أوبن أي آي'، سينفقون نحو 765 مليار دولار خلال عام 2026 على الذكاء الاصطناعي، في وقت يتوقع أن ترتفع وتيرة الإنفاق إلى 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2031.




















