اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٦
مبادرات تعاطف وتآزر عفوية من الشباب والجمعيات وفرضية عطب في الفرامل تسيطر على الوضع
يخيّم الحزن على الجزائر بعد الفاجعة التي ألمت بأبنائها عقب انحراف حافلة لنقل المسافرين متسببة في وفاة 27 شخصاً وجرح 42 آخرين، وبقدر الألم عكست الحادثة حجم التعاطف الشعبي الواسع الذي جسد تلاحم المواطنين في مواجهة الكوارث، حيث انطلقت هبة تضامنية عفوية لا تزال متواصلة إلى حد الساعة.
وشهدت مقبرة 'العلمة' بولاية سطيف، شرق الجزائر، حيث ينحدر غالب الضحايا والجرحى، تشييع عدد من المتوفين في حادثة انحراف وسقوط حافلة بولاية بومرداس، الذين ووريت جثامينهم الثرى، بعد ظهر أمس السبت، إذ حضر وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، ووزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان، في الجنازة التي تحولت إلى مشهد وطني مؤثر، وعرفت توافد حشود غفيرة من المواطنين الذين قدموا من مختلف مناطق البلاد لمشاركة عائلات الضحايا مصابها.
ولقي 27 شخصاً مصرعهم وأصيب 42 آخرون أول من أمس الجمعة، إثر انقلاب حافلة لنقل المسافرين في ولاية بومرداس، نحو 50 كيلومتراً شرق العاصمة الجزائر، في إحدى أكثر حوادث المرور دموية في البلاد خلال العام الأخير، مما جعل الرئيس عبدالمجيد تبون يعلن حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام، متوعداً بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة، الذين وصفهم بـ'مجرمي وإرهابيي الطرقات'، وشدد على ضرورة وضع حد للنزف المروري الذي تحصده الطرق الجزائرية سنوياً، مؤكداً في رسالة التعزية أن 'العدالة ستضرب بيد من حديد وبلا هوادة بعد التحقيقات التي ستكشف ملابسات الحادثة'.
وكانت الحافلة قادمة من ولاية سطيف شرق البلاد، عندما فقد سائقها السيطرة عليها، مما أدى إلى خروجها عن الطريق وسقوطها في منحدر، حيث أشارت الحصيلة الأولية إلى مقتل 25 شخصاً وإصابة 44 آخرين، قبل أن ترتفع أعداد الوفيات لاحقاً مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وعقب الحادثة، باشرت السلطات الأمنية التحقيقات اللازمة لكشف أسباب انحراف وانقلاب الحافلة، وأكد وزير الداخلية، السعيد سعيود، أن السلطات العمومية جندت جميع الإمكانات اللازمة لضمان التكفل بالمصابين، الذين يتلقون العلاج بمستشفيات بومرداس والجزائر العاصمة، على غرار مستشفيات سليم زميرلي بالحراش، ومصطفى باشا، ولمين دباغين، مبرزاً أن مختلف المصالح المعنية تعمل على متابعة الوضع ميدانياً.
وفيما أرجع كثر الحادثة إلى السرعة المفرطة ونقص الخبرة، والتهور وغياب حس المسؤولية واهتراء المركبات والحافلات، يتداول مقربون من التحقيقات، وبعض شهود عيان، أن الأمر يتعلق بعطب أصاب الفرامل، مما صعّب على السائق المتوفى التحكم في الحافلة، حيث قال أحدهم إنه رأى الحافلة وهي تسير بسرعة جنونية لا تعبر عن أمر عادي، وأن السائق كان يحاول التحكم في المركبة لكنه فشل، واتجهت نحو المنحدر.
وأمام هذا الوضع المأسوي، لم يتأخر المجتمع المدني الذي تحرك في كل الاتجاهات منذ الوهلة الأولى، في هبة تضامنية عفوية، إذ شهدت المستشفيات ومراكز حقن الدم والعيادات الطبية تدافعاً من طرف المواطنين من مختلف الأعمار للتبرع بالدم والوقوف إلى جانب عائلات الجرحى، وكذا مد يد العون لمختلف المصالح الأمنية والحماية المدنية، في صورة تعكس روح التضامن والتآزر.
وتأتي تحركات الجمعيات الخيرية والمنظمات الجمعوية على رأس قائمة النشطاء الذين سارعوا إلى التدخل عبر تقديم المساعدات الغذائية من مياه ومأكولات، منذ حدوث الفاجعة، وتحرّك المواطنين الذين فتحوا بيوتهم أمام عائلات الضحايا والجرحى القادمين من مختلف المناطق، في مشاهد باتت تتكرر مع كل مأساة وكارثة، وما حدث ويحدث مع الحرائق دليل على تكاتف المجتمع.
وأسهم متطوعو اللجنة الوطنية للهلال الأحمر الجزائري في عملية التبرع بالدم، وكذا المشاركة في توجيه وتأطير عائلات الضحايا وجرحى هذه الحادثة الأليمة.
من جانبها، سخرت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، إطارات الخلايا الجوارية عبر المؤسسات الاستشفائية التي تستقبل الجرحى من أجل تعزيز التكفل النفسي والاجتماعي بالمصابين ومرافقة عائلاتهم، ووضعت وزارة الشباب، بيوت الشباب بالجهة، لاستقبال والتكفل بعائلات الضحايا، إلى جانب تسخير عدد من مؤسسات التكوين المهني لاستقبال وإيواء عائلات الضحايا، مع توفير ظروف الإقامة والمرافقة اللازمة.
في السياق، يرى الناشط الجمعوي عبدالكريم قابس أنه كلما وقعت حادثة مرور مروعة، يبدأ النقاش من جديد حول السائق أو الحافلة أو الطريق، لكن 'الحقيقة أن هذه الحوادث لا ينبغي أن تدفعنا للبحث عن مسؤول واحد، بل إلى مراجعة المنظومة بأكملها'، وقال إن النقل قطاع سيادي واستراتيجي، ورافعة للاقتصاد الوطني، وأحد أهم عناصر رفاهية المواطن، فهو الذي ينقل العمال إلى مؤسساتهم، والطلبة إلى جامعاتهم، والسياح إلى وجهاتهم، ويربط المدن والولايات ببعضها البعض، ولهذا، فإن الاستثمار في النقل ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل هو استثمار مباشر في الإنتاجية والتنمية والسلامة، فلا ننتظر منه ربحية كبيرة في نتائجه المالية، بل بأثره في الاقتصاد والمجتمع'.
وتابع قابس، 'ولا ينبغي أن ننظر إلى الطرق الحديثة والمحطات العصرية، والحافلات الجديدة وتوفر قطع الغيار وأنظمة التتبع، على أنها مزايا إضافية أو رفاهية، بل هي الحد الأدنى الذي يجب أن تقوم عليه أي منظومة نقل حديثة، لكن هذا لا يعفي الناقل أو مشغّله من المسؤولية، إذ إن النموذج الحالي يعتمد في معظمه على ناقلين أفراد، يمتلك كل واحد منهم حافلة أو حافلتين، وهو نموذج يصعب معه الاستثمار في أساطيل حديثة، أو ورش صيانة متخصصة، أو أنظمة إدارة السلامة والجودة، أو تكوين دوري للسائقين'.
وشدد قابس على أن 'الجزائر نجحت نسبياً في تنظيم بداية الرحلة، حيث تمتلك خطوطاً معتمدة ومحطات برية ومواقيت، وحجزاً ودفعاً إلكترونيين، غير أنه بمجرد مغادرة الحافلة المحطة، تصبح الرقابة محدودة، خصوصاً في الرحلات الخاصة أو السياحية أو غير المنتظمة، حيث يقل مستوى المتابعة مقارنة بالرحلات المجدولة'، مبرزاً أن الدول المتقدمة لم تعد تعتمد على الحواجز الأمنية وحدها، بل على مراكز تحكم وطنية تراقب الرحلات لحظياً، وترصد السرعة، والانحراف عن المسار، والتوقفات غير المبررة، وتربط كل رحلة ببياناتها ومؤشرات أدائها، وكل ذلك يتم عبر فرض أجهزة التتبع والرقابة في حافلات النقل ضمن ملف منح الخط'.
وأضاف أن 'الجزائر بحاجة إلى مشروع مماثل، وتتعين إعادة النظر في هيكل القطاع، وتشجيع الانتقال التدرجي من نموذج الناقل الفردي إلى شركات نقل أكبر، بما يسمح بتجديد الأساطيل وإنشاء ورش صيانة، وتطبيق معايير احترافية للسلامة'، وختم أنه 'لا توجد دولة نجحت في تقليل حوادث المرور لأنها شددت العقوبات فقط، بل لأنها بنت منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية حديثة ومركبات آمنة، وقطع غيار متوفرة ورقابة رقمية وتكويناً مستمراً، ومؤسسات نقل قوية، وإدارة تعتمد على البيانات'.




















