اخبار جيبوتي
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ أيار ٢٠٢٦
أعاد إسماعيل عمر جيلة انتخاب نفسه للمرة السادسة بنسبة تجاوزت 97% من الأصوات
ثمة رجال يحكمون الدول، وآخرون يستوطنونها كما الجبال، إسماعيل عمر جيلة واحد من أولئك النادرين الذين يجلسون على كرسي السلطة حتى يصبح جزءاً من ملامحها، لا يُرى أحدهما من دون الآخر.
رجل وُلد في مدينة غريبة على أرض غير أرضه، فإثيوبيا أنجبته ولم تُربّه، وجيبوتي ربّته حتى التهمته. في بلد لا يتجاوز عدد سكانه مليون نفس، يسكن هذا الرجل اسمه وتاريخه وجغرافيته، بصورة تحولت معها جيبوتي من دولة يحكمها رئيس إلى مشروع شخصي يديره رجل واحد بأدوات الدولة.
لا يبدو جيلة في صوره الرسمية كحكام أفريقيا الذين يوظفون البذخ ورمزية القوة أداة للترهيب. ملامحه أقرب إلى رجل إداري متمرس يؤمن أن السلطة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج.
ملامح تجمع بين الهدوء البارد لرجل يعرف أن أحداً لن ينازعه، والتعب المحسوب لمن يجلس على كرسي واحد منذ 27 عاماً ولا يريد أن يُظهر للعالم أن ذلك الكرسي قد أنهكه، هو لا يحكم جيبوتي فحسب، بل يُعرّفها.
لا يصرخ، ولا يهدّد علناً، ولا يُعلن الحرب على شعبه بكلمات طنانة. يعمل بصمت، يُعدل الدستور بهدوء، يُهمش المعارضة بأناة، ويُدير التوازنات الدولية بحرفية رجل يعلم أن ورقته الرابحة ليست في يده، بل تحت قدميه، في تلك القطعة من الأرض التي تطل على أحد أهم ممرات الشحن في تاريخ الحضارة الإنسانية.
في أبريل (نيسان) 2026، أعاد انتخاب نفسه للمرة السادسة بنسبة تجاوزت 97 في المئة من الأصوات. لم يكن المشهد مفاجئاً لأحد، لا للمراقبين الدوليين ولا للجيبوتيين أنفسهم، فالمفاجأة الحقيقية كانت ستكون نتيجة مغايرة.
حين تفهم كيف أحكم هذا الرجل قبضته على بلد صغير في محيط كبير الخطورة، لا تنظر إلى نسبة التصويت بوصفها مقياساً لشعبيته، بل بوصفها قياساً لغياب كل ما يمكن أن يُنافسه.
هذا هو إسماعيل عمر جيلة. رجل صنع دولة على مقاسه، ثم أعاد تفصيل دستورها مرتين ليبقى هو المقياس.
ولد في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 في مدينة دير داوا، وهي مدينة إثيوبية لكنها ليست إثيوبية بالمعنى الكامل، إذ كانت تمثّل تقاطعاً حضارياً وتجارياً تلتقي فيه عرقيات وثقافات عدة، يجمعها أكثر مما يفرقها خط السكة الحديدية الذي شقّته فرنسا الاستعمارية لربط أديس أبابا بميناء جيبوتي.
لهذه التفصيلة الجغرافية دلالة يستحق الوقوف عندها. والده عمر جيلة أحمد كان من أوائل المعلمين المحليين في ثلاثينيات القرن الماضي، ومن ثم انتقل للعمل في شركة السكك الحديدية تلك.
الرجل الذي سيُصبح رئيساً لجيبوتي وُلد إذاً لأب يعمل على الخط الذي يربط بلدين، في مدينة تقع بين هويتين. الحدود ليست مجرد خطوط في سيرته الذاتية، بل عنصر تكويني في شخصيته: رجل يعيش على الهامش ويُتقن تحويله إلى مركز.
أما جده جيلة أحمد، المعروف بجيلة بطال، فقد كان من كبار وجهاء جيبوتي الذين شاركوا في توقيع الاتفاقية التكميلية مع فرنسا الاستعمارية. هذه المعطيات العائلية ترسم صورة لعائلة كانت دائماً في منطقة التماس بين القوى، لا جزءاً من القمة ولا غارقة في القاع، بل في تلك المنطقة الرمادية الذكية التي تسمح بالتفاوض مع الجميع. وقد ورث إسماعيل هذه البراغماتية الجغرافية في دمه قبل أن يتعلمها في كتب السياسة.
درس جيلة في مدرسة التحالف الفرنسي في دير داوا ثم في مؤسسة شارل دو فوكو في جيبوتي. هذا التشكيل التعليمي الفرنسي أتاح له دخول الفضاء الاستعماري لا كضحية بل كطالب يفهم آليات السلطة التي تحكمه.
يُتقن اليوم ست لغات: الصومالية والعربية والأمهرية والإنجليزية والفرنسية مع معرفة بالإيطالية، وهذا ليس مجرد رصيد لساني، بل خريطة لعقليات مختلفة يعبر بينها بمرونة من يعرف أن كل لغة هي نظام تفكير مستقل، وأن من يتقن لغة خصمه يمتلك ميزة لا تُعوَّض.
ينتمي إلى فرع ماماسان من عشيرة العيسى الصومالية، وهي العشيرة التي تُشكّل الغالبية الديموغرافية في جيبوتي. هذا الانتماء العشائري ليس تفصيلة بيوغرافية هامشية، بل هو جزء جوهري من رأس ماله السياسي، وسيتضح لاحقاً كيف يوظفه ويواجه الاتهامات المتعلقة به في آنٍ.
جيلة متزوج من قدرة محمود حيد وله أبناء منها وأبناء من علاقات سابقة.
في عام 1964، وهو في الـ18 من عمره، التحق بجهاز الشرطة التابع للإدارة الاستعمارية الفرنسية في ما كان يُعرف آنذاك بإقليم الصومال الفرنسي. وصف هذا القرار بطرق عدة: فرصة عمل لشاب لا خيارات كثيرة أمامه، أو تكتيك للوصول إلى معلومات داخل المنظومة الاستعمارية، أو كليهما معاً. في السياقات الاستعمارية، كثيراً ما تداخلت هذه الدوافع.
بعد 10 أعوام تقريباً، عام 1974، طُرد من الجهاز الأمني بعدما اشتبهت السلطات الفرنسية في أنه كان يُهرب معلومات إلى ناشطين مؤيدين لاستقلال جيبوتي. هذا الطرد، الذي بدا في ظاهره نهاية مسار، كان في الواقع بداية مسار آخر أكثر أهمية. في عالم السياسة، الطرد من خدمة المستعمر شهادة انتماء أقوى من أي خطاب، جيلة فهم ذلك جيداً واستثمره.
منذ ذلك اليوم، انخرط بكامل طاقته في صفوف الرابطة الشعبية الأفريقية من أجل الاستقلال، التي كان يقودها حسن جوليد أبتيدون. عمل على تعبئة الجماهير وتوعية المواطنين بأهمية الاستقلال، وشارك في مؤتمرات دولية عدة أكسبته خبرة دبلوماسية ندرتها كانت قيمة استثنائية في بيئة يفتقر أبناؤها إلى هذا النوع من الرصيد.
وصل الأمر به إلى أن أصبح عضواً دائماً في وفد الرابطة المكلّف بالمفاوضات مع فرنسا في باريس عام 1976. رجل في الـ29 يجلس على طاولة مفاوضات تُقرر مصير وطن: هذه ليست مصادفة بل نتاج تراكم تجارب وكفاءة مُثبتة.
في الـ27 من يونيو (حزيران) 1977، حين أُعلن استقلال جيبوتي، كان جيلة في الـ30 من عمره تماماً. كلّفه الرئيس الأول حسن جوليد بمنصب مدير الديوان الرئاسي. لمن يقرأ هذا المنصب بعيون بيروقراطية سيبدو إدارياً هامشياً، لكنه في جوهره كان قلب السلطة الفعلية. يُقرر مدير الديوان من يدخل ومن لا يدخل، ما يصل إلى الرئيس وما يُحجب عنه، من تُلبّى طلباته ومن يُماطَل. طوال 22 عاماً من الاستقلال ظل جيلة في هذا المنصب يبني شبكة علاقات وتحالفات ومعلومات لا يضاهيها ما يمتلكه أي منافس محتمل.
السلطة لم تأتِه دفعة واحدة، بل تراكمت في يديه على مدى عقود، قطرةً قطرة، بصبر لا يتوفر إلا في نادري البشر.
عام 1987 انضم جيلة إلى أعلى المستويات السياسية داخل حزب 'التجمع الشعبي من أجل التقدم' بانتخابه عضواً في المكتب السياسي. وعام 1996، وسط أزمة داخلية حادة مزقت الحزب وأوجدت تيارات متنافسة، صعد جيلة إلى منصب النائب الثالث لرئيس المكتب السياسي.
في الأزمات السياسية من ينجو ليس دائماً الأقوى، بل الأكثر ذكاءً في توقيت تحركاته. جيلة انتظر حتى اشتد الصراع بين الآخرين ثم تقدم بوصفه الخيار التوافقي.
كان إنجازه الأبرز في هذه المرحلة قيادة مفاوضات السلام مع جبهة استعادة الوحدة والديمقراطية المسلحة، التي حملت السلاح عام 1991 وشنت حرب عصابات ضد الحكومة في سياق توترات عرقية متراكمة بين العيسى والعفر.
وفي الـ24 من ديسمبر (كانون الأول) 1994، وُقع اتفاق سلام بين الحكومة والجناح الرئيس للجبهة، من دون الحاجة إلى وساطة خارجية. هذا الإنجاز كان بمثابة ورقة اعتماد مزدوجة: إنجاز أمني يُثبت كفاءته، ورسالة سياسية تقول إنه يستطيع التحدث مع الخصوم وإقناعهم.
حين قرر جوليد عام 1999 عدم الترشح لفترة رئاسية جديدة، كان جيلة الاسم الأوفر حظاً بفارق كبير. الرجل الذي عمل 22 عاماً على مرمى بصر من السلطة العليا، والذي يعرف كل أسرار الدولة وكل علاقاتها الداخلية والخارجية، والذي أثبت قدرته التفاوضية والسياسية، كان الخيار الذي لم يكن أمام الحزب خيار يُعادله.
فاز في انتخابات التاسع من أبريل 1999 بأكثر من 74 في المئة من الأصوات في مواجهة موسى أحمد إدريس. وفي العام التالي خلف جوليد في قيادة الحزب أيضاً. جمع بذلك رئاسة الدولة ورئاسة الحزب الحاكم في يد واحدة، وهو تركيز للسلطة يُقيد أي محاولة للمعارضة المؤسسية.
لا يمكن فهم ديمومة جيلة في السلطة من دون فهم جيبوتي بوصفها ظاهرة جيوسياسية استثنائية تكاد تكون بلا نظير في العالم المعاصر. فهذه الدولة الصغيرة، التي تُغطي مساحة لا تتجاوز 23 ألف كيلومتر مربع ويسكنها أقل من مليون نسمة، تمتلك ما لا تمتلكه دول عظمى: موقعها.
تقع جيبوتي في نقطة التقاء نادرة بين البحر الأحمر وخليج عدن، عند مضيق باب المندب، الممر المائي الذي يفصل القرن الأفريقي عن اليمن بمسافة لا تتجاوز 30 كيلومتراً في أضيق نقاطه.
عبر هذا المضيق تمر يومياً ناقلات النفط وسفن الشحن التي تحمل ما يُقدر بنحو 10 إلى 12 في المئة من إجمال التجارة العالمية، بما فيها نسبة كبيرة من واردات النفط الخليجي إلى أوروبا وآسيا.
إغلاق هذا المضيق أو اضطرابه يعني إعادة رسم خرائط التجارة الدولية وإضافة أسابيع وكلف هائلة على كل سفينة مضطرة إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح. هذا ما يجعل جيبوتي، على رغم صغرها، ورقة لا يستهان بها على طاولة السياسة الدولية.
استثمر جيلة هذه الورقة ببراغماتية مذهلة في تعاملاته الدولية. جيبوتي تستضيف اليوم قواعد عسكرية لست دول في الأقل: الولايات المتحدة (قاعدة كامب ليمونير، أكبر قاعدة أميركية في أفريقيا)، وفرنسا (التي يمتد وجودها منذ الحقبة الاستعمارية)، والصين (أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، افتُتحت عام 2017)، واليابان وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا. أن تستضيف دولة بحجم جيبوتي قواعد لمتنافسين استراتيجيين في آنٍ كالولايات المتحدة والصين هو إنجاز دبلوماسي استثنائي بأي معيار، وهو في الوقت نفسه سياسة تأمين ذكية: حين يكون منافسك في القاعدة المجاورة، لا أحد يستطيع أن يضغط عليك بشدة من دون أن يُخاطر بإزعاج خصمه.
وعلاوة على عائدات القواعد العسكرية، تعتمد إثيوبيا، وهي الدولة الأكثر كثافة سكانية في أفريقيا والمحبوسة داخلياً بلا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا عام 1993، على موانئ جيبوتي اعتماداً شبه تام.
يُقدّر أن ما بين 90 و95 في المئة من التجارة الإثيوبية تمر عبر جيبوتي، مما يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين شبه علاقة تبعية، وهو ما يمنح جيبوتي نفوذاً دبلوماسياً على دولة تفوقها حجماً وسكاناً وموارد بمراحل.
الاقتصاد الجيبوتي، نتيجة لهذه المعطيات، يعتمد بنسبة تقدر بـ 70 في المئة على الموانئ والخدمات المرتبطة بها. لا زراعة تُذكر في أرض قاحلة، ولا موارد طبيعية كبرى مستخرجة، ولا صناعة راسخة. جيبوتي تبيع موقعها، وجيلة يُحسن تسعير ذلك الموقع في سوق دولية دائمة الطلب.
ويعكس السكان تقاطعات المنطقة المعقدة. تتشكل الغالبية من مجموعتين رئيستين: الصوماليون وأبرزهم عشيرة العيسى التي تشكل الغالبية، والعفر (الدنكيل) الذين يتمركزون في الشمال والغرب.
كلاهما يتحدث لغات كوشية شرقية متقاربة لكنها غير مفهومة لبعضها بعضاً، وهو ما يجعل التوتر العرقي بينهما أزمة بنيوية متجذرة لا حادثة عارضة. إلى جانب هاتين المجموعتين، ثمة جالية يمنية عربية قديمة الحضور، وأعداد من المهاجرين الإثيوبيين، وتجمعات فرنسية وأوروبية مرتبطة بالوجود العسكري.
اللغتان الرسميتان هما الفرنسية والعربية، لكن الصومالية هي الأكثر تداولاً في الحياة اليومية، فيما يقتصر استخدام العفر على مناطقها، وأكثر من 90 في المئة من السكان مسلمون سنة.
كانت جيبوتي تحت الاستعمار الفرنسي بأسماء متعاقبة: الصومال الفرنسي بين 1896 و1967، ثم إقليم العفر والعيسى الفرنسي حتى الاستقلال في الـ27 من يونيو 1977. والاستقلال نفسه لم يأتِ بثورة بل بتفاوض، ما يُفسّر جزئياً طبيعة العلاقة مع فرنسا التي لم تنقطع يوماً: أقدم القواعد العسكرية الأجنبية على الأرض الجيبوتية هي الفرنسية، وهي لا تزال موجودة حتى اليوم.
بعدها بأعوام قليلة على الاستقلال، كانت الدولة الفتية تواجه تحديات وجودية: كيف تُدير توازناً عرقياً هشاً بين العيسى والعفر؟ وكيف تبقى محايدة في محيط تتصارع فيه إثيوبيا والصومال؟ وكيف تُحوّل موقعها الجغرافي من عبء إلى ثروة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة كانت تاريخ جيبوتي الحديث بأسره، والرجل الذي تولى صياغة معظم تلك الإجابة منذ عام 1999 لا يزال يجلس على كرسي القصر الرئاسي.
الاستمرارية الاستثنائية لجيلة في السلطة تحتاج إلى تفسير يتجاوز العبارات السطحية عن الاستبداد والقمع. هذه الاستمرارية نتاج منظومة متكاملة من الآليات تعمل في تضافر مدروس.
ثمة نمط واضح يظهر حين تتتبع التعديلات الدستورية في عهد جيلة. في عام 2010، حين استنفد ولايتيه وكان من المفترض دستورياً أن يغادر في 2011، أُقرّ تعديل دستوري يُلغي الحد الأقصى لعدد الولايات الرئاسية.
لم يكن ذلك نقاشاً دستورياً مجتمعياً، بل قرار أعلنه الحزب الحاكم الذي يهيمن على البرلمان. ثم في 2025، حين بلغ جيلة سن الـ78 وكان الحد الأقصى للسن القانونية للترشح 75 سنة، صوّت البرلمان مرة أخرى لإلغاء ذلك الحد. الدستور في جيبوتي يتشكل على مقاس الحاكم لا العكس، وهذا النمط موثق في دراسات مقارنة عدة حول ما يُعرف بـ'تآكل الديمقراطية' في أفريقيا.
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة من مجرد استبداد علني هو أنها تستخدم أدوات الشرعية الدستورية لتدمير جوهر تلك الشرعية. الانتخابات تُعقد، البرلمان يصوت، الإجراءات تُحترم شكلاً، لكن المحتوى الديمقراطي أجوف. هذا ما يُسمّيه الباحثون 'السلطوية التنافسية': نظام يحتفظ بمؤسسات الديمقراطية مع تفريغها من مضمونها.
تحتل جيبوتي المرتبة 168 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025، أي ضمن أسوأ 10 دول في العالم في هذا المجال. وصفت المنظمة الوضع بأن ثمة 'سيطرة تامة على المشهد الإعلامي الذي يقتصر بصورة شبه حصرية على الوسائل الحكومية'.
وفي غياب إعلام مستقل، تضمر قدرة المواطن على المقارنة والتساؤل والمطالبة. لا يعرف المواطن الجيبوتي العادي غالباً ما ترويه وسائل الإعلام الدولية عن بلده، ولا يمتلك أدوات للتحقق مما يقدمه الإعلام الرسمي. الاحتكار الإعلامي ليس مجرد قمع للمعلومات، بل هو أداة لتشكيل الواقع الإدراكي للمواطنين.
شهدت جيبوتي بين 1991 و1994 حرباً أهلية فعلية مع جبهة فرود العفرية. انتهى ذلك النزاع باتفاق جزئي عام 1994 وآخر شامل في مايو (أيار) 2001، لكن انتهاء الحرب المسلحة لم يعنِ انتهاء القمع، بل تحول أسلوبه.
منذ عام 2016 قاطع اثنان من أحزاب المعارضة الرئيسة كل العمليات الانتخابية، متهمين السلطات الانتخابية بعدم الحياد وغياب الاستقلالية. المعارض الذي خاض انتخابات 2026 في مواجهة جيلة، محمد فرح ساماتار، يترأس حزباً لا يملك مقعداً واحداً في البرلمان. انتخابات بمثل هذه المعطيات ليست سباقاً، بل احتفال تتوج فيه نتيجة محسومة سلفاً.
في يونيو 2022 أصدر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان تقريراً يُؤكد أن الانتخابات 'ليست حرة في جيبوتي. ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش عبر سنوات عدة حالات اعتقال تعسفي لناشطين ومعارضين، وتضييقاً على حق التجمع والتعبير.
وفي يناير (كانون الثاني) 2021، حين أعلن الحزب الحاكم ترشيح جيلة لولاية خامسة، شنت الجبهة من أجل استعادة الوحدة والديمقراطية هجوماً مسلحاً على مدينة تاجورة، مما يُشير إلى أن احتمال العنف السياسي لم يختفِ كلياً، وإنما يقبع تحت السطح.
التوتر بين العيسى والعفر هو الصدع الجيولوجي الداخلي لجيبوتي منذ ما قبل الاستقلال. جيلة، المنتمي إلى العيسى، يمتلك قاعدة انتخابية طبيعية في الغالبية الصومالية، لكنه يواجه اتهامات دورية بتفضيل عشيرته على حساب العفر الذين يُشكّلون أقلية مهمة ولها حضور جغرافي في مناطق شمال البلاد وغربها.
تُشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن التوزيع غير المتكافئ للموارد والفرص يتخذ في أحيان كثيرة طابعاً عرقياً. في الوقت ذاته، يحرص جيلة على إدراج قيادات عفرية في مناصب حكومية رمزية بما يكفي لتفادي الانتفاضة، لكن من دون أن يمس موازين السلطة الفعلية. إدارة التوازنات العرقية في جيبوتي فن دقيق تعلّمه جيلة على مدى عقود.
هذه ربما أكثر العوامل التي تحمي جيلة من الضغط الدولي الحقيقي. الدول الغربية، التي تُعلن في مناسبات عدة دعمها الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتعامل مع جيبوتي بمنطق براغماتي صريح: القاعدة العسكرية أهم من صحيفة معارضة.
كلما ارتفعت الأهمية الاستراتيجية لبلد ما، انخفض هامش الضغط الدولي عليه. هذه المعادلة ليست جديدة ولا خاصة بجيبوتي، لكنها في حال جيبوتي بالغة الوضوح. الولايات المتحدة لا تريد زعزعة استقرار الدولة التي تستضيف قاعدتها الأفريقية الكبرى.
الصين لا تريد خسارة قاعدتها العسكرية الوحيدة خارج حدودها، فرنسا لا تريد فقدان حضور تاريخي يمتد عقوداً. في هذا السياق، جيلة محمي بشبكة من المصالح الدولية يكاد يكون غياب واحدة منها كافياً لتهديد مصالح القوى الأخرى.
يقدم جيلة نفسه باستمرار بوصفه ضامن الاستقرار في محيط يعاني الفوضى. الصومال المجاور دولة فاشلة منذ 1991، إثيوبيا تعاني توترات داخلية متكررة، إريتريا تعيش في عزلة شبه تامة.
في هذا المحيط، خطاب 'نحن جزيرة الاستقرار في بحر الاضطراب' له صدى حقيقي لدى مواطنين يعرفون ما يحدث عند حدودهم. وقد أحسن جيلة توظيف هذا الخطاب، وإن كان ينبغي التساؤل دائماً: هل الاستقرار الذي يُعلنه حقيقي أم أنه الصمت الذي يفرضه القمع؟
على الورق، حقق جيلة إنجازات اقتصادية لافتة. أُسست أول جامعة في جيبوتي عام 2006. طُوّرت البنية التحتية للموانئ والمناطق الحرة. نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات لافتة في بعض الأعوام. استُقطبت استثمارات أجنبية كبيرة، بخاصة الصينية. كل ذلك حقيقي، ولكن تلك النقطة بالذات تستوجب وقفة نقدية جادة.
يعاني نحو 70 في المئة من الشباب الجيبوتيين البطالة، وهي نسبة لا تُشير إلى فشل اقتصادي عارض بل إلى خلل هيكلي عميق. كثير من السكان يعيشون في مساكن تفتقر إلى المياه النقية والصرف الصحي. ومعدلات وفيات الرضع لا تزال مرتفعة نسبياً قياساً بالمعدلات الأفريقية.
ويُعزى هذا التناقض بين النمو الاقتصادي الرقمي والفقر الميداني إلى ظاهرتين متشابكتين: الفساد والمحسوبية. تشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى تركّز الثروة في يد شبكة ضيقة من المقربين من السلطة.
عائدات القواعد العسكرية ورسوم الموانئ لا تتحول إلى خدمات عامة بالوتيرة التي ينبغي أن تفعلها.
وفي العقد الثالث من الألفية الثالثة، ظهرت تقارير تشير إلى تصاعد نفوذ دائرة من أقارب وأصدقاء الرئيس في القرارات الاقتصادية الكبرى، وهو مؤشر إلى أن الدولة تتحول تدريجاً من مؤسسة إلى ملكية خاصة مُدارة بالمحسوبية.
الخطر الاقتصادي الأكبر على المدى البعيد هو الاعتماد المتزايد على الديون الصينية. استثمرت الصين مليارات في موانئ جيبوتي والسكك الحديدية والبنية التحتية، لكن هذه الاستثمارات جاءت في معظمها على شكل قروض بشروط لم تُفصح عنها الحكومة الجيبوتية بشفافية كافية.
يُثير بعض الباحثين قلقهم من أن هذه الديون قد تُقيّد استقلالية القرار الجيبوتي على المدى البعيد، وإن ظل الجدل الأكاديمي حول ما يُعرف بـ'دبلوماسية مصيدة الديون' قائماً ولم يُحسم.
من بين ما يحسب لجيلة حقاً، دوره بوصفه وسيطاً إقليمياً في منطقة لا يتوفر فيها الوسطاء الموثوقون عادة. في وقت مبكر من رئاسته، رعى مؤتمر عرتا للسلام والمصالحة الصومالية عام 2000، وهو ما أفضى إلى توافق صومالي موقت وإن لم يُترجَم إلى استقرار دائم.
واستضافت جيبوتي في عهده مفاوضات بين السودان وحزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، واضطلعت بدور الوساطة في ملفات عدة بين الصومال وجمهورية أرض الصومال،
هذا الدور الإقليمي ليس مجانياً من الناحية السياسية، هو يمنح جيلة شرعية دولية تُخفف من وطأة السجل الحقوقي السيئ في الداخل. الدول الكبرى التي تُقلقها الفوضى الإقليمية مستعدة لقبول حاكم استبدادي يُبقي منطقته مستقرة على المسافة القريبة.
وقد استثمر جيلة هذه المعادلة باقتدار، مُقدّماً نفسه ليس مجرد رئيس دولة صغيرة بل ضامن استقرار إقليمي لا غنى عنه.
ومنذ عام 2023، حين شنت جماعة الحوثيين في اليمن هجماتها على السفن التجارية في البحر الأحمر، ازدادت أهمية جيبوتي مرة أخرى. رست في موانئها سفن تجارية متضررة عدة، وتحوّلت إلى ملاذ آمن وقاعدة لوجيستية في أزمة شحن دولية ذات تداعيات اقتصادية عالمية. بمعنى آخر، كلما اضطربت المنطقة، ازداد ثقل جيبوتي وبالتبعية ازداد نفوذ جيلة.
يبقى سؤال صحة جيلة محاطاً بالغموض المُتعمد الذي تُتقنه الأنظمة السلطوية. حين سُئل عن وضعه الصحي، أجاب بأنه بحاجة إلى 'إنقاص بضعة كيلوغرامات' وأن 'كل شيء على ما يرام'.
هذا النوع من التصريحات في سياق سياسي استبدادي لا يطمئن أحداً، بل يُثير تساؤلات أعمق. التاريخ السياسي مليء بحكام أكدوا لأمتهم أن صحتهم جيدة بينما الواقع كان مغايراً.
ما هو أوضح من مسألة الصحة هو مسألة الخلافة، وهي ربما الملف الأكثر إثارة للقلق في المشهد الجيبوتي. في 27 عاماً من الحكم، لم يُرسِ جيلة أي مؤسسات سياسية قادرة على العمل باستقلالية عن شخصه.
الحزب الحاكم والبرلمان وجهاز الدولة كلها مبنية على الولاء للرجل لا على منطق مؤسسي ذاتي الاستدامة. يُؤكد بعض المحللين أن ترشحه المتكرر ليس طموحاً شخصياً فحسب، بل هو أيضاً نتيجة غياب خليفة يحظى بقبول واسع.
في العقد الثالث من الألفية، برزت تقارير عن تصاعد نفوذ دائرة ضيقة من أقارب وأصدقاء الرئيس في إدارة ملفات الدولة، مما يُشير إلى أن الإجابة عن سؤال الخلافة قد تأتي من داخل تلك الدائرة لا من خلال إجراء ديمقراطي. هذا السيناريو يحمل معه أخطار عدم الاستقرار التي قد تكون أكثر خطورة مما كانت عليه في أي وقت خلال فترة حكم جيلة
أي قراءة منصفة لمسيرة جيلة ينبغي أن تقف بجدية أمام خانتين لا تتساميان.
في خانة ما أنجزه: جيبوتي اليوم أكثر استقراراً مؤسسياً مما كانت عليه حين تولى الحكم. وُضعت بنية تحتية للموانئ جعلت البلاد مركزاً لوجيستياً إقليمياً. فُتحت جامعة أولى، وأُقرّت إلزامية التعليم حتى سن الـ16، وشاركت المرأة في المناصب الانتخابية والتنفيذية. أُقيمت شبكة علاقات دولية تُعطي دولة صغيرة ثقلاً يفوق حجمها بمراحل. أُديرت التوترات العرقية بما منع انزلاق البلاد نحو صراع داخلي مفتوح (في الأقل منذ 2001). وأُسهم في جهود السلام الإقليمية بشكل معترف به.
في خانة ما دفعه الشعب ثمناً: 27 عاماً من الحكم الفردي أفضت إلى ضمور المؤسسات وتحوّل الدولة إلى مشروع شخصي. بطالة شبابية تصل إلى 70 في المئة لا يمكن اعتبارها قدراً بل سياسة فاشلة في توزيع ثمار النمو.
إعلام محكوم وحرية مُقيّدة واعتقالات تعسفية لمعارضين موثقة دولياً. تعديلات دستورية متكررة تحوّل القانون الأساس من ميثاق المجتمع إلى أداة استمرار حاكم واحد. ديون ضخمة قد يدفع ثمنها الجيل القادم، وغياب تام لمؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعده.
هذان العمودان لا يُلغي أحدهما الآخر. الإنجاز لا يُسوّغ القمع، والقمع لا يمحو الإنجاز، لكن الميزان النهائي في أي تقييم تاريخي سيُحدده ما الذي تتركه جيبوتي للأجيال المقبلة: هل مؤسسات قادرة على حكم نفسها؟ أم فراغ يملأه الفوضى حين يغيب الرجل؟
إسماعيل عمر جيلة ظاهرة سياسية أفريقية نادرة، ليس لأنه استبدادي فتلك ظاهرة شائعة، بل لأنه استبدادي صمد وتكيّف وأعاد تعريف معادلات القوة في منطقة تبتلع حكامها عادةً بسرعة.
ولد على هامش التاريخ، في مدينة إثيوبية، ابن معلم يعمل على خط سكة حديد استعمارية. مات كثيرون ممن بدأوا بظروف أفضل قبل أن يبلغوا ما بلغه هو، لكن الحكم الحقيقي على الرجل لن يُكتب اليوم.
سيكتب حين نرى ما الذي تُخلّفه بعده: هل جيبوتي دولة بمؤسسات قابلة للحياة؟ أم شخصية سياسية كبيرة لا يبقى خلفها سوى الفراغ؟ هل الاستقرار الذي صنعه كان بناء؟ أم مجرد تأجيل ممتد للحسابات التي لا مفر منها؟
مضيق باب المندب سيظل هناك بعد جيلة، ستعبره السفن، وستتنافس القوى الكبرى على الموانئ، لكن جيبوتي بوصفها مجتمعاً، لا مجرد موقع استراتيجي، تستحق حاكماً يُقدّم نفسه أمام ناخبيه باعتباره خادماً مُحاسَباً لا قدراً محتوماً، وذلك ما لم تشهده جيبوتي حتى الآن.
التاريخ لا يُقدر الحكام بعدد أعوامهم في السلطة، بل نوعية ما يتركون خلفهم، وذلك الحكم لا يزال في انتظار الكتابة.















