اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
انخفاض عدد المواليد من 8 إلى 2.5 طفل لكل امرأة والأسباب: ضغوط المعيشة والتغيرات الاجتماعية وتحولات الثقافة
كشفت مؤشرات وزارة الصحة في الجزائر عن تراجع لافت في معدلات الإنجاب، إذ انخفض إلى 2.5 طفل لكل امرأة بعدما كان ثمانية أطفال خلال فترة ما بعد استقلال البلاد في 1962، مما أفرز تركيبة سكانية جديدة تتجه نحو الانكماش والشيخوخة، وعلى رغم أن الوضع لا يزال فتياً فإن استغلال الفرصة واللجوء نحو الاستثمار في رأس المال البشري ضروري لتعزيز التنمية.
وعلى رغم تراجع عدد وفيات الأطفال وتطور علاج العقم، وحل تعقيدات الولادة بفضل الخطوات التي شهدها المجال الطبي، فإن الإقبال على الإنجاب في الجزائر 'غير مرغوب فيه'، في ظاهرة تبدو لافتة داخل المجتمع الجزائري الذي امتاز أعواماً بمعدل مرتفع للكثافة السكانية، ولم يعد تدني نسب الإنجاب في البلاد مجرد مؤشر ديموغرافي تسجله الإحصاءات، بل تحول إلى مشهد اجتماعي يعكس تغيراً في أولويات الأسرة ونمط تفكيرها.
وثمة من يربط الأسباب بتعقيدات اقتصادية وضغوط معيشية، بينما يرجعها آخرون إلى تغيرات اجتماعية وتحولات ثقافية، إذ في وقت كانت الأسرة الكبيرة رمزاً للاستقرار والتماسك، بات كثير من الأزواج يفضلون تأخير الإنجاب أو الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال.
في السياق أوضح الأمين العام لوزارة الصحة محمد طالحي أن التراجع المسجل في معدل الإنجاب يعكس التحولات التي عرفها المجتمع، ومن بينها تحسن مستوى التعليم، والتوسع العمراني، وتغير أنماط الزواج، وارتفاع مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، إلى جانب التحسن العام في ظروف المعيشة، مشيراً إلى أن العائد الديموغرافي لا يتحقق تلقائياً، وإنما عبر سياسات عمومية تضع الإنسان في صلب التنمية.
ولفت طالحي إلى أن العالم يشهد تحولات ديموغرافية متسارعة، تتمثل في انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن، مما يفرض على الدول تبني سياسات استباقية تستجيب لتطلعات الشباب وتوفر لهم الظروف الملائمة للتعليم والعمل وتكوين الأسرة.
لكن الباحث في علم الاجتماع رائد ناجي، يرى أن قرار الإنجاب في المجتمع الجزائري أصبح يخضع لحسابات تفرضها الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فقبل التفكير في استقبال مولود جديد، أصبحت الأسرة توازن بين إمكاناتها المادية وقدرتها على توفير حياة كريمة لأبنائها، في ظل ارتفاع كلف المعيشة وتزايد متطلبات التربية، مضيفاً أن الوالدين باتا يطرحان أسئلة مرتبطة بالمستقبل، مثل القدرة على توفير سكن مناسب، وضمان تعليم جيد، وتأمين الرعاية الصحية، وتلبية الحاجات الأساسية للأبناء، مما جعل قرار الإنجاب ينتقل من كونه استجابة للعاطفة والرغبة في تكوين أسرة كبيرة، إلى قرار مدروس تحكمه اعتبارات الواقع وإمكانات الأسرة.
وأبرز ناجي أن هذا التحول يعكس تغيراً في طريقة تفكير الأسرة الجزائرية التي باتت تعطي الأولوية لجودة الحياة والاستقرار الأسري، بدل التركيز على عدد الأبناء، وهو ما يفسر اتجاه كثيرين إلى تأخير الإنجاب أو الاكتفاء بطفل أو طفلين، بعدما كان إنجاب عدد أكبر من الأطفال أمراً مألوفاً في المجتمع الجزائري، مضيفاً أن الأسرة أصبحت تنظر إلى الأبناء باعتبارهم استثماراً طويل الأمد، يتطلب التخطيط والإمكانات، وليس مجرد امتداد طبيعي للحياة الزوجية.
وربط الباحث في علم الاجتماع تراجع الإنجاب بمعطيات عدة، منها أن ارتفاع مستويات التعليم لدى المرأة جعلها أكثر حضوراً في الحياة المهنية وأكثر حرصاً على بناء مسارها الوظيفي قبل التفكير في الإنجاب، كذلك فإن حضورها في سوق العمل دفع الأزواج إلى تأجيل الإنجاب إلى حين تحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي والمهني، كذلك فإن العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي أدتا دوراً بارزاً في تغيير أنماط التفكير، بعدما أتاحت للشباب الاطلاع على تجارب وثقافات مختلفة، رسخت مفاهيم جديدة حول الأسرة والتربية وجودة الحياة، إلى جانب تأخر سن الزواج، إذ يقضي الشباب أعواماً أطول في الدراسة والبحث عن الاستقرار.
وختم أن هذه التحولات تكشف عن تغير في سلم الأولويات لدى الجيل الجديد، إذ أصبحت جودة الحياة والاستقرار الشخصي والمهني تسبق قرار الإنجاب.
إلى ذلك أشارت دراسة صدرت حديثاً عن المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية إلى أن تراجع الإنجاب في الجزائر هو نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ أدى ارتفاع كلف المعيشة والسكن والتعليم والرعاية الصحية إلى زيادة الأعباء المالية المرتبطة بتربية الأطفال، وأصبحت فئات واسعة من الشباب تؤجل الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، فضلاً عن انتشار استخدام وسائل منع الحمل.
وأبرزت الدراسة أن ارتفاع مستويات التعليم، بخاصة بين النساء، وتوسع مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغير أنماط الحياة والتطلعات الفردية مقارنة بالأجيال السابقة، عوامل أسهمت في بروز الظاهرة، مضيفة أن التحولات الحضرية واتساع المدن أديا إلى تراجع نموذج الأسرة الكبيرة الذي كان سائداً في المجتمعات الريفية، حيث كانت كثرة الأبناء تمثل مصدراً للقوة الاقتصادية والاجتماعية، موضحة أن وسائل الإعلام والثقافة الرقمية أدتا دوراً في إعادة تشكيل مفاهيم الأسرة والزواج والإنجاب، بما يتماشى مع التحولات العالمية الأوسع.
ووفق الأرقام والإحصاءات التي تقدمها مختلف المنظمات الأممية والمراكز الدولية، يبدو أن ملايين الأشخاص يرغبون في إنجاب أطفال لكنهم لا يستطيعون ذلك ليس بسبب رفض الأبوة والأمومة وإنما جراء الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن الوظيفي والخوف من المستقبل.
وعرفت الجزائر عقوداً من التوجس من انفجار سكاني جراء الإنجاب 'الكثيف' خلال أعوام الستينيات والسبعينيات إلى الثمانينيات، لكن المؤشرات الراهنة تفتح أبواب القلق حول كيفية الحفاظ على مجتمع شاب قادر على العمل والإنتاج، ومن ثم النمو والحيوية الاقتصادية، في ظل انخفاض الإنجاب إلى 2.5 طفل لكل امرأة بعدما كان ثمانية أطفال خلال فترة ما بعد الاستقلال في 1962.
ولم تعد المشكلة في زيادة السكان أو انخفاضهم بحد ذاته، وإنما في تحقيق توازن يضمن وجود قوة بشرية كافية لدعم الاقتصاد والتنمية من دون أن تتحول الضغوط السكانية إلى عبء على الموارد والخدمات.
وحذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن الدول العربية بما فيها الجزائر، تواجه مشكلة يتوقع أن تتفاقم في الأعوام المقبلة ناتجة من الارتفاع المطرد في أعداد كبار السن، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وأبرز أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة أو أكثر، سيصل في 2045 إلى ستة أضعاف ما كان عليه عام 2000.
ووفق تحقيق لصحيفة 'فاينانشيال تايمز' البريطانية، فإن أكثر من ثلثي دول العالم باتت تسجل معدلات خصوبة دون مستوى 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الأدنى للحفاظ على الاستقرار السكاني من دون الهجرة، وقالت إنه حتى دول كانت تعد استثناء ديموغرافياً، مثل فرنسا، تشهد تراجعاً حاداً بعدما انخفض معدل الخصوبة فيها إلى 1.53 طفل لكل امرأة، بينما سجلت دول مثل كوريا الجنوبية وإسبانيا وبولندا مستويات أكثر انخفاضاً.
وربط التحقيق التراجع بانتشار الإنترنت العالي السرعة والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وانخفاض فرص تكوين العلاقات الواقعية، إذ إن الاستخدام المكثف للتطبيقات والمنصات الرقمية غير معايير العلاقات العاطفية وعمق العزلة الاجتماعية، مما أدى إلى تأخر الزواج أو العزوف عنه، موضحاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالضغوط الاقتصادية أو كلف المعيشة، بل بأزمة في العلاقات الاجتماعية والزوجية، إذ أصبح عدد أقل من الشباب يدخلون في علاقات مستقرة أو يؤسسون أسراً.
وسلط تحقيق الصحيفة الضوء على أزمة السكن باعتبارها عاملاً رئيساً في تراجع الإنجاب، إذ إن ارتفاع أسعار العقارات وبقاء الشباب فترات أطول في منازل العائلة يقللان من فرص الاستقرار وتأسيس الأسر.
ويهدد استمرار تراجع معدلات الإنجاب التوازن الديموغرافي، من خلال شيخوخة المجتمع، وانخفاض نسبة السكان في سن العمل، وارتفاع أعباء الرعاية الاجتماعية، على اعتبار أن بناء مجتمع متوازن لا يقاس بعدد المواليد فحسب، بل بتوفر بيئة تجعل قرار الإنجاب قائماً على الثقة بالمستقبل، وتحول الطفل من عبء اقتصادي إلى استثمار بشري ورأسمال حقيقي للبلاد.
ومن أجل معالجة الظاهرة يجب اعتماد سياسات واقعية تعزز شعور الشباب بالأمان والاستقرار، كما يقول الباحث في علم النفس جمال مرواني، عبر توفير صيغ سكنية ميسورة لتثبيت الاستقرار الأسري، وتقليل أعباء المعيشة ومواجهة تراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تقديم علاوات ومحفزات مالية، وتوفير دعم اجتماعي للأسر الجديدة.
وأشار مرواني إلى ضرورة تيسير الزواج من خلال الحد من الكلف المبالغ فيها، وكذلك مواجهة الطلاق عبر حملات تنشر الوعي بأهمية الأسرة المتوازنة، وتفعيل مراكز الإرشاد الأسري وحل الخلافات الزوجية مبكراً، ويعتبر توسيع وتطوير خدمات علاج العقم والتلقيح الاصطناعي محلياً، مع تحسين خدمات الأمومة والطفولة لضمان سلامة المواليد الجدد، من بين الحلول التي تشجع على رفع معدل الإنجاب.




















