اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
الثورة التكنولوجية المتسارعة وضعف تكوين الكوادر أبرز التحديات ومدرسة عليا جديدة لأساتذة الصم والبكم تحصي 1048 متخرجاً
يبدو أن لغة الإشارة تراجع ظهورها بعدما كانت ترافق الخطابات والتصريحات ونشرات الأخبار في الجزائر، وبين من برر الوضع بالثورة التكنولوجية التي فتحت المجال أمام الذكاء الاصطناعي فأصبح يمنح الحلول، ومن يربط الأمر بتجاهل هذه الفئة بسبب قلة الإمكانات، يبقى حق الصم البكم في التواصل والمعرفة والمعلومة أولوية عاجلة.
ولم تعد تلك حركات اليدين التي يقوم بها رجل أو امرأة، متداولة على شاشات القنوات الفضائية ترافق النشرات الإخبارية والتقارير المصورة، وبلغ الأمر حد أن فئات واسعة من الجيل الحالي لا تعرف معنى لغة الإشارة. ويبدو أن ترقيتها تحتاج إلى عمل منظم وواضح قائم على الكفاءة والتخصص، وأن تسند المسؤوليات في هذا المجال إلى أشخاص لديهم تكوين حقيقي وخبرة ميدانية، والأهم من ذلك أن يكون الصم والبكم أنفسهم شركاء أساسيين في كل ما يتعلق بلغتهم، ابتداء من التكوين، وصولاً إلى البحث والتخطيط والتطوير، لأنهم الأقدر على التعبير عن حاجاتهم والتحديات التي يواجهونها.
وعلى رغم الجهود المبذولة من أجل تطوير هذه اللغة، فإن هناك بعض التأخر لا سيما في جانب التكوين بأنواعه، فالتكوين المتاح اليوم لا يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى إعداد مترجمين أكفاء قادرين على العمل باحتراف في مجالات حساسة مثل الصحة والعدالة والتعليم والمؤسسات الرسمية، مما يستدعي وضع معايير واضحة للكفاءة والممارسة المهنية، تضمن التواصل الفعال للصم على مختلف المستويات.
ويبقى غياب أرقام دقيقة بخصوص فئة الصم والبكم مما يثير الاستفهام، إذ تواصل المنظمات والهيئات تقديم إحصاءات متباينة، فأشارت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في أحد تقاريرها إلى قرابة 80 ألف شخص، بينما تتحدث جمعيات معنية بقطاع ذوي الهمم عن 300 ألف شخص، في حين كشفت وزارة التضامن في مارس (آذار) 2009، أن العدد يتجاوز 71 ألف شخص.
في السياق، يعد الناشط المجتمعي عصام رحلي، لغة الصم والبكم ليست مجرد إشارات وإنما إحساس ومشاعر نبيلة، ومشكلة الصم والبكم تتفاقم عندما يجدون أنفسهم في عزلة عن المجتمع، وهنا تظهر أهمية لغة الإشارة التي تسمح بمعرفة مطالبهم ورغباتهم وانشغالاتهم، وكذا إيصال أفكارهم واستقبال وفهم ما يدور حولهم، مبرزاً أن عالم الصم البكم غامض ويجهله كثر، وحركاتهم ولغة الجسد بينهم وإشاراتهم وتعابيرهم لا تفهمها إلا فئة قليلة مما يجعلهم على الهامش.
وأضاف رحلي، أن لغة الإشارة تمثل وسيلة للمعرفة والتعلم والتواصل بالنسبة إلى فئة الصم، لذا وجب حضورها في مختلف الفضاءات، على اعتبار أنهم معنيون بالحق في الوصول إلى المعلومة، والنفاذ إلى الخدمات، وذلك جزء أساس من حقهم في التواصل والمعرفة والمشاركة في المجتمع، مشدداً على أن تسليط الضوء على لغة الإشارة وتوسيعها ضروري من أجل إدماج فئة الصم البكم في المجتمع.
وأوضح أنه بات من المهم إدراج لغة الإشارة في النظام التعليمي الجزائري، ووضع برامج خاصة بها، مع تشجيع الاستثمار في المشاريع البحثية والتقنية الموجهة لفئة الصم، وبخاصة أن التطبيقات الموجودة قليلة جداً ولا تفي بالغرض.
وفي ظل الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم، بات مستقبل لغة الإشارة يستدعي مرافقة العولمة ومسايرة التطور، من خلال برامج وأدوات يمكن أن تسهم في الترجمة، والتعرف إلى الإشارات والتعليم، وإتاحة المحتوى للأشخاص الصم، إضافة إلى تطبيقات تسهل التواصل والوصول إلى المعلومة، لا سيما أن لغة الإشارة ليست مجرد حركة يد، بل هي لغة لها قواعد وسياق وتعبيرات وخصوصيات ثقافية ومجتمعية.
ولا يرجع متابعون 'اختفاء' لغة الإشارة إلى التكنولوجيا فقط، بل إلى أسباب أخرى أبرزها نقص التكوين المتخصص لإعداد مترجمين محترفين ومعتمدين، وبخاصة في القطاعات الحساسة مثل الصحة والعدالة والتعليم والمؤسسات الرسمية، وبعض المدارس والمراكز الخاصة بفئة الصم يغيب عنها تكريس وتوحيد لغة الإشارة الجزائرية بصورة منتظمة.
وأمام صدور أول قاموس رسمي للغة الإشارات الجزائرية عن وزارة التضامن الوطني وبعض المبادرات الفردية والكتب التوعوية، لم تتضاعف الدورات التدريبية والمراكز المكثفة لتعليمها، بل بقيت محصورة في نطاق ضيق مقارنة بحجم الطلب أو الحاجة المجتمعية.
إلى ذلك، أوضح المسؤول الأول على المدرسة العليا لأساتذة الصم البكم التي افتتحت أبوابها عام 2022 وتعد الأولى من نوعها على المستويين العربي والأفريقي، فتحي زقعار أنه سُجّل تخرج ثلاث دفعات متتالية حتى الآن، بإجمال 1048 أستاذاً وأستاذة، ومع نهاية عام 2027 سيرتفع العدد إلى 1500 أستاذ متخصص في تعليم تلاميذ الصم وضعاف السمع.
وأبرز أن المدرسة تحصي 17 تخصصاً، من اللغة العربية وآدابها إلى الرياضيات والفيزياء مروراً بعلوم التسيير والاقتصاد والإعلام الآلي والهندسة الكهربائية، وتهدف إلى تكوين أساتذة متخصصين ومؤهلين لتعليم ومرافقة ذوي التحديات السمعية، بما يضمن إدماجهم في المنظومة التربوية.
كذا تم عام 2025، إصدار مؤلف تحت عنوان 'هيا نتعلم لغة الإشارة' يعد أول سلسلة تعليمية للأطفال في الجزائر لتعليم أساسيات لغة الإشارة الجزائرية، ويهدف إلى نشر هذه اللغة في المجتمع وتعميمها قدر المستطاع مما يسهل عملية التواصل مع فئة الصم البكم ودمجهم في المجتمع.




















