اخبار جيبوتي
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
تأثيرات إغلاق المضيق بلغت القارة السمراء في غضون ساعات عبر أسعار العقود الآجلة للنفط وأقساط تأمين الشحن وسلاسل إمداد الأسمدة وأسواق العملات التي تعمل من دون اعتبار للحدود السياسية
حين جرى 'الإغلاق الفعلي' لمضيق هرمز لم تتوقف موجات الصدمة عند حدود البحر الأحمر، بل بلغت أسواق العملات الأفريقية وطوابير محطات الوقود وجداول احتياطات المصارف المركزية وتوقعات وزراء المالية، ذلك أن علاقة أفريقيا بالصراع الإيراني بنيوية لا عارضة. فالقارة تعتمد على مضيق هرمز وممر الطاقة الخليجي الأشمل في تأمين حصة حاسمة من وارداتها النفطية، وسلاسل إمداد الأسمدة، ومسارات الشحن، إذ كانت اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر 2023، التي أشعلتها ضربات الحوثيين تضامناً مع غزة، قد كلفت مصر وحدها أكثر من 400 مليون دولار شهرياً من عائدات قناة السويس، وأجبرت السفن المتجهة إلى أفريقيا على الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، لكن ما جرى في إيران يبدو أشد وطأة بمراحل.
على المستوى الدبلوماسي جاء أبرز الأصوات القارية من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف الذي أرسى بيانه الصادر في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي الخط المرجعي المؤسسي. ووصف يوسف الضربات الأميركية - الإسرائيلية بأنها 'تصعيد حاد في الأعمال العدائية في الشرق الأوسط'، ونبه إلى أن مزيداً من المواجهة 'يهدد بتفاقم عدم الاستقرار العالمي، مع تداعيات خطرة على أسواق الطاقة والأمن الغذائي والصمود الاقتصادي، لا سيما في أفريقيا، حيث النزاعات والضغوط الاقتصادية حادة'. ودعا البيان إلى ضبط النفس والحوار المستدام.
استجابت دول شمال أفريقيا الأكثر انكشافاً جغرافياً واقتصادياً بأشد اللغة الدبلوماسية وضوحاً، إذ حذر وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي من أن المواجهة 'تشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي'، وأعلن عن انتظام دبلوماسي مكثف مع أطراف إقليمية ودولية للسيطرة على الأزمة. هذا الحرص المصري مجرد خطاب، فاحتياطات مصر من النقد الأجنبي كانت قد تآكلت بفعل اضطرابات البحر الأحمر، واعتمادها على واردات الطاقة والغذاء. أما الخارجية السودانية فاستخدمت الأكثر حدة من اللغة بين الحكومات الأفريقية، إذ دانت الضربات بوصفها 'عدواناً ظالماً'، بينما راعت الجزائر، المصدرة للنفط ذات العلاقة المعقدة مع أطر الأمن الغربية، في صياغة مواقفها التوازن الدقيق بين عدم تأييد الضربات وعدم استفزاز واشنطن.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، سادت حال من التحفظ، إذ أصدرت كينيا ونيجيريا بيانات تدعو إلى التهدئة في لغة محسوبة تتجنب إغضاب الولايات المتحدة أو الشركاء المنضوين في منظومة 'بريكس' المتقاطعة مع الفلك الإيراني، بينما دول أبدت قلقاً كبنين والسنغال وغينيا بيساو وغانا من دون توجيه اتهام بعينه.
هذا الموقف الأفريقي يبدو مفهوماً في ضوء أن الدول الأفريقية تسعى إلى حماية علاقات استراتيجية مع كل من واشنطن وتل أبيب في الوقت ذاته الذي تتجنب فيه ردود الفعل الشعبية أو التوترات الدبلوماسية مع حلفاء أفارقة وشرق أوسطيين آخرين، وذلك مع تعقيد الاعتمادات المتقاطعة، إذ إن هناك حاجة إلى التمويل التنموي الأميركي - الأوروبي، والاستثمار الصيني في البنية التحتية، والتدفقات المالية الخليجية.
وبطبيعة الحال تحتل جنوب أفريقيا الموقع الأشد تعقيداً، إذ كان قرار حكومة رامافوزا برفع دعوى الإبادة الجماعية على إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية وانتسابها إلى بريكس قد أوقعاها في خصومة مع واشنطن قبل ضربات فبراير الماضي، بيد أنها في تناقض مع خطابها الحاد في الحرب على غزة، إذ عبرت عن موقفها بصيغة مخففة، فهي تسير على حبل رفيع جداً، إذ دأبت واشنطن على معاقبة بريتوريا دبلوماسياً وتجارياً بسبب مواقفها من إسرائيل وانحيازاتها لـ'بريكس'، خصوصاً أن انضمام إيران إلى 'بريكس' أضفى تعقيداً إضافياً للأعضاء الأفارقة مثل جنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا، وذلك مع وضع تتعارض فيه الالتزامات المؤسسية مع المصلحة الثنائية.
أكثر الدول الأفريقية انحيازاً صريحاً للمواقف الإيرانية كانت حكومات محور الساحل، وفي مقدمها بوركينا فاسو ومالي، ذلك أن بوركينا فاسو كانت الدولة الأفريقية الوحيدة التي صوتت ضد قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في يونيو (حزيران) 2025 والمُدين لإيران، وذلك تجسيداً لمذكرة التفاهم حول التعاون النووي المبرمة بين واغادوغو وطهران. وفي ضوء زيارة وزير الدفاع الإيراني لبوركينا فاسو في فبراير الماضي معلناً دعم طهران للدول المستقلة والثورية.
العامل المباشر في نقل آثار الصراع الإيراني إلى الاقتصادات الأفريقية هي أسعار الطاقة. فبحلول أول مارس (آذار) الجاري، زاد سعر برميل النفط بأكثر من 20 في المئة، وهذا يمثل صدمة عنيفة على خلفية هشة أصلاً، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته ما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي.
وحين انسحبت كبرى شركات الشحن والتأمين في الساعات الأولى من أول مارس الجاري كان الأثر الوظيفي معادلاً لصدمة من حجم تاريخي على معظم دول أفريقيا المستوردة للنفط، وهي الفئة الغالبة في أفريقيا جنوب الصحراء، ذلك أن الاقتصادات الأكثر انكشافاً تنزانياً وموزمبيق وزامبيا وأسواق الاتحاد الجمركي لأفريقيا الجنوبية ونيجيريا وكوت ديفوار، فنحو 80 في المئة من الغذاء المستهلك في أفريقيا جنوب الصحراء مستورد من خارج القارة.
ويفاقم الإغلاق الراهن اضطراب في الشحن بدأ منذ أواخر 2023، إذ خفضت ضربات الحوثيين عدد السفن العابرة يومياً للبحر الأحمر من متوسط 72 إلى 75 سفينة إلى نطاق 36 إلى 37 بحلول يونيو 2025، وبالنسبة إلى لموانئ الأفريقية على امتداد سواحل المحيط الهندي ممباسا ودار السلام ومابوتو ودربان يزيد إعادة التوجيه من أهميتها الاستراتيجية كمناطق عبور، لكنه يكبلها في الوقت ذاته الازدحام وارتفاع رسوم الرسو والتنافس مع حركة شحن دولية منحرفة عن مساراتها الأساسية في البحر الأحمر. تتحمل مصر وجيبوتي أثقل الكلف المالية المباشرة، وذلك قبل تصعيد فبراير الماضي.
وتمثل الديون حال اختناق بطيئة للدول الأفريقية في ضائقة ديون وفي مواجهة هذه الهشاشة يضخ الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ثلاثة ضغوط متضاعفة: دولار أميركي أقوى مع هرب المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، وفواتير استيراد نفط مرتفعة مقومة بالدولار، وظروف مالية عالمية أشد ضيقاً مدفوعة بتوقعات تضخمية. وكلها عوامل ترفع كلف خدمة الديون على الحكومات الأفريقية، وكثير منها مثقل بديون مقومة بالدولار.
في هذا السياق يكون الأمن الغذائي أكبر مُعطى لإشعال الاضطراب الاجتماعي، إذ إن أسعار الطاقة المرتفعة ترفع كلفة المدخلات الزراعية، لا سيما الأسمدة التي توفر إيران نحو 10 في المئة من الطلب العالمي على الميثانول المستخدم في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، إضافة إلى أن ارتفاع كلف الشحن يرفع سعر المواد الغذائية المستوردة الأساسية، أما ضعف العملة فإنه يرفع الكلفة بالعملة المحلية لجميع الواردات في الوقت ذاته. وفي وقت تعاني فيه بعض الدول انعدام الأمن الغذائي أصلاً، السودان والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وأجزاء من منطقة الساحل، يمكن لهذا الضغط الثلاثي أن يهوي بالسكان من المشقة إلى الطوارئ الإنسانية.
على صعيد مُوازٍ، فإن هناك بعض الاقتصادات الأفريقية ستحوز منافع، لأنها مصدرة للنفط مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر وليبيا وغينيا الاستوائية والغابون والاقتصادات المنتجة للذهب كجنوب أفريقيا وغانا التي ستستفيد من الدور التقليدي للذهب كملاذ آمن. وقد تجتذب موزمبيق وأوغندا بوصفهما منتجتي غاز طبيعي مسال استثمارات متسارعة من مشترين يسعون إلى تنويع مصادر الإمداد.
على الصعيد الأمني تواجه منطقتان أفريقيتان فرعيتان أخطار أمنية مختلفة نوعياً، أولها القرن الأفريقي، إذ تشكل القواعد العسكرية الأميركية المتمركزة في جيبوتي أهدافاً محتملة للانتقام الإيراني أو ضربات وكيلها الحوثي، ذلك أن أي هجوم على قاعدة ليمونييه الأميركية في جيبوتي سيشعل أزمة إنسانية ومالية فورية في جيبوتي التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الحضور العسكري الأجنبي كمصدر لإيراداتها وكعامل في استقرارها. أما في منطقة الساحل فيعمل الخطر عبر آلية التطرف لا الهجوم المباشر. فالوفيات الناجمة عن الإرهاب تضاعفت عشر مرات منذ عام 2007 في منطقة الساحل، مما أوجد بيئة يمكن لرواية 'العدوان الغربي على الشعوب المسلمة' أن تسرع التطرف والتجنيد بصورة درامية.
وهكذا تبدو المسافة الجغرافية بين مضيق هرمز وأفريقيا التي تبعد 5 آلاف كيلومتر عن لاغوس و6 آلاف كيلومتر عن نيروبي مؤثرة، فإغلاقه الفعلي بلغ تلك المدن في غضون ساعات، عبر أسعار العقود الآجلة للنفط وأقساط تأمين الشحن وسلاسل إمداد الأسمدة وأسواق العملات التي تعمل من دون اعتبار للحدود السياسية.















