اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ تموز ٢٠٢٦
ممارسات العصابات متعددة تبدأ من الاستيلاء على الأجزاء المشتركة والمرافق العامة مروراً بتجارة الممنوعات وصولاً إلى فرض منطق القوة على بعض السكان
يتصاعد الانشغال من توسع ظاهرة عصابات الأحياء في الجزائر، بعدما أصبحت تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً وتشابكاً، من خلال ارتباطها المتزايد بعصابات إجرامية منظمة تشمل الاتجار بالمخدرات والاعتداءات بمختلف صورها، مما جعلها تثير مخاوف المجتمع وتستنفر الحكومة.
وتتنامى بصورة لافتة مؤشرات القلق المرتبطة بتوسع 'عنف' عصابات الأحياء في الجزائر، إذ لم يعد يندرج ضمن مظاهر الانحراف الفردي أو السلوكات المعزولة، بعدما انتقل من نطاق محلي محدود إلى بنية إجرامية أكثر تنظيماً وقدرة على التكيف وإعادة التشكل، مما جعل معدلات الجريمة تتزايد بصورة ملحوظة لا سيما في الأحياء السكنية.
وأثار تصاعد مظاهر الجريمة والاعتداءات وأنشطة عصابات الأحياء قلقاً شعبياً في الفترة الأخيرة، وسط دعوات إلى تحرك السلطات، لا سيما أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تلبث أن تنشر فيديوهات جرائم على المباشر، لا علاقة لها بطبيعة المجتمع وتقاليده، وفي حين طالب بعضٌ الحكومة بضرورة الضرب بيد من حديد وعدم التسامح مع المجرمين، شدد آخرون على أهمية إقامة سجون خاصة في الصحراء، وإعادة تطبيق عقوبة الإعدام.
وليس معدل الاعتداءات والجريمة وحده ما أثار القلق والانشغال والمخاوف، وإنما 'جرأة' العصابات التي لم يعد يردعها أي رادع أخلاقي أو اجتماعي أو قانوني، ولم تعد تكترث للعقوبات والسجن.
ووفق تقارير أمنية، فإن حصيلة 2025-2026 عرفت تفكيك 162 عصابة أحياء عبر مختلف الولايات، وتوقيف 861 متورطاً في هذه الجرائم، إلى جانب 1395 جمعية أشرار، واعتقال 3516 شخصاً، كذلك جرى حجز أكثر من 21 طناً من الكيف المعالج و13 مليون حبة من الأقراص المهلوسة.
كذلك أشارت المديرية العامة للأمن الوطني في أبريل (نيسان) الماضي، في شأن حصيلة عمليات محاربة الجريمة المنظمة لعام 2025، إلى أن عمليات مكافحة عصابات الأحياء في الأوساط الحضرية سجلت 146 قضية ضد هذه العصابات، أفضت إلى توقيف 1168 شخصاً أحيلوا إلى الجهات القضائية، بينما بلغ عدد المتورطين أكثر من 448 ألف شخص.
ولا تعد الظاهرة جديدة على الجزائريين بل يمتد ظهورها إلى ما بعد أعوام التسعينيات، لكن ارتفاع مؤشرات جرائم عصابات الأحياء بصورة تهدد الأمن العام وسلامة المجتمع وشبابه وقيمه، استنفر الحكومة التي غيرت من استراتيجيتها ولم تعد مكافحة الظاهرة تُختزل في التدخلات الأمنية أو الملاحقات القضائية بعد وقوع الجرائم، بل اتجهت إلى تبني مقاربة أكثر شمولاً تقوم على منع تشكل هذه العصابات من الأساس، عبر معالجة العوامل التي تغذي انتشارها داخل الأحياء.
وتقوم السياسة الجديدة على مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الجوانب الأمنية والاجتماعية والتربوية والثقافية والاقتصادية والرقمية، في توجه يعكس تحولاً في فلسفة التعاطي مع الظاهرة، من التركيز على مواجهة نتائجها بعد وقوعها، إلى العمل على الحد من أسبابها قبل أن تتحول إلى تهديد للأمن المجتمعي، وذلك عبر تعزيز دور المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والهيئات المحلية، إلى جانب الأجهزة الأمنية والقضائية.
وشدد وزير الداخلية سعيد سعيود، خلال اجتماع اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، على أن مخطط العمل الجديد لم يصمم ليكون وثيقة إدارية أو إعلان نيات، بل خريطة طريق عملية تتضمن برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم، مبرزاً أن تأمين المواطن داخل الأحياء والفضاءات العمومية يتجاوز مفهوم حفظ النظام العام، ليصبح عنصراً أساساً في تعزيز الجبهة الداخلية وترسيخ الأمن الوطني.
كذلك رأى الوزير أن نجاح الاستراتيجية لن يُقاس بعدد الخطط الموضوعة، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع من خلال حماية الشباب، واستعادة الأحياء كفضاءات آمنة، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستخصص لاستكمال الإجراءات اللازمة تمهيداً للمصادقة الحكومية على الاستراتيجية، قبل الشروع في تجسيدها ميدانياً بما يعزز الوقاية من عصابات الأحياء، ويحمي فئة الشباب، ويكرس الأمن المجتمعي وهيبة الدولة.
وعلى رغم إصدار الحكومة عام 2021 المرسوم التنفيذي لقانون محاربة جرائم عصابات الأحياء، فإنه وبعد قرابة خمسة أعوام لا يزال الوضع يراوح مكانه، بل يتصاعد العنف في بعض الفترات، مما أثار التساؤلات حول أسباب تصاعد الظاهرة والفشل في مواجهتها، لا سيما أن القانون تضمن عقوبة السجن بحق المجرمين، وجرم كل فعل له صلة بإنشاء العصابات، وشدد العقوبات وضاعفها، واستثنى المدانين من إجراءات العفو التي تصدر في المناسبات الوطنية والدينية.
وأمام هذا الوضع، وجه البرلمان سؤالاً إلى الحكومة في شأن نسبة العودة إلى الجريمة من قبل المُدانين في قضايا الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، والتي ردت بالإشارة إلى أن نسبة العودة إلى الجريمة منخفضة ولا تتجاوز 27 في المئة، مقارنة بالعقد الماضي حين تخطت 40 في المئة.
وفي السياق، رأى الباحث في الشؤون الأمنية أحمد ميزاب أن المعطيات الميدانية الراهنة تعكس تصاعداً واضحاً في مستويات العنف داخل الأحياء، بالتوازي مع تعمق الروابط بين عصابات الأحياء وباقي الأنشطة الإجرامية، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التهديد، يفرض مراجعة شاملة لمنظومة التعاطي معه على مختلف المستويات. وقال إن هذا التحول لم يعد يسمح بالاكتفاء بالمقاربات الأمنية الظرفية أو التدخلات الجزئية، بل يستدعي الانتقال نحو مقاربة مؤسساتية شاملة، قائمة على التنسيق المحكم بين مختلف القطاعات، ومبنية على التكامل بين البعدين الردعي والوقائي ضمن رؤية استراتيجية موحدة، قادرة على استيعاب تعقيدات الظاهرة ومعالجة امتداداتها الاجتماعية والأمنية في آنٍ، مضيفاً أن التدخل الأمني قادر على إيقاف الفعل الإجرامي في لحظته، لكنه لا يعالج الأسباب العميقة التي أدت إلى ظهوره، مما يجعل الظاهرة قابلة لإعادة التشكل في آجال قصيرة.
وأبرز ميزاب، بخصوص التحديات التي تعوق مواجهة الظاهرة، أن بعض الأحياء تحولت إلى فضاءات شبه مغلقة، بفعل الترابط الداخلي القوي بين عناصر هذه العصابات، مما يجعل اختراقها صعباً، إضافة إلى التواطؤ الصامت لبعض السكان، وهو لا يعكس بالضرورة قبولاً بالظاهرة، بل يرتبط غالباً بحال خوف من الانتقام، وهو ما يحد من تدفق المعلومات ويضعف فعالية التدخلات الأمنية، مشيراً إلى أن استعمال وسائل تواصل حديثة عزز التنسيق بين هذه المجموعات، وزاد من تعقيد عمليات التتبع.
ومن أجل محاصرة الظاهرة، وبعد إصدار قانون محاربة جرائم عصابات الأحياء عام 2021، انطلقت الجهات المعنية خلال أغسطس (آب) 2025 في تطبيق تدابير تتيح استخدام أسلوب التشهير بأعضاء شبكات الجريمة وتجار المخدرات عند اعتقالهم وإحالتهم على العدالة، عبر نشر بيانات رسمية تتضمن أسماءهم الكاملة وصورهم، في خطوة تستهدف ردع المروجين، ودفعهم إلى التوقف عن نشاطهم الإجرامي.
كذلك جرى في أبريل الماضي، التنصيب الرسمي لأعضاء اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2029، إذ تتولى اللجنة على وجه الخصوص إعداد وتنفيذ استراتيجية وطنية شاملة ترتكز على تشخيص دقيق للظاهرة، وتستهدف مختلف الفضاءات، لا سيما الوسط المدرسي والأحياء ودور الشباب والمساجد والفضاء الرقمي، مع التركيز على آليات الوقاية والتحسيس والإنذار المبكر.
ويعد الدور التحسيسي الفعال الذي يضطلع به مختلف الفاعلين مهماً في الحد من السلوكات المنحرفة والعنيفة بما يسمح بمحاصرة الظاهرة، لا سيما مع استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي وتطوير خطاب وقائي يتماشى مع اهتمامات الشباب.
وباتت مواقع التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في مكافحة الجريمة وعصابات الأحياء في الجزائر، باعتمادها على الفيديوهات والصور والنصوص في نشر المضامين، وكشف المنحرفين وبائعي المخدرات في الأحياء الشعبية.
وانطلاقاً من الوعي بأهمية المشاركة في الحد من الظواهر السلبية التي تهدد المجتمع وتخوفاً من تفشي الجريمة، أطلق شباب تحذيرات على صفحات أنشأوها من أجل الإبلاغ عن مروجي المخدرات والمتورطين في السرقات والاعتداءات، بهدف تمكين الضحايا من التعرف على الجناة، وإرشاد أجهزة الأمن إلى الفاعلين بهدف ردعهم.
وأمام الكم الهائل من الإجراءات والخطوات التي تصب في سياق محاربة الجريمة، ترتفع الأصوات بضرورة البحث عن أسباب الظاهرة ومعالجتها، إذ تتباين الآراء بين البطالة والفقر وتدني المستوى التعليمي، وانتشار ترويج وتعاطي المخدرات التي أفرزت صداماً بين عصابات ترويج 'السموم' أدى إلى الرغبة في إظهار السيطرة.
إلى ذلك، أبرز المتخصص في علم الاجتماع والجريمة يوسف حنطابلي، في تحليل نشره على صفحته الرسمية على 'فيسبوك'، أن التصاعد اللافت لهذه الظاهرة في الأعوام الأخيرة يكشف تحولات عميقة في طبيعة الحياة المشتركة، إذ لم تعد المساحات العامة فضاء للجميع، بل أصبحت موضوعاً للصراع والاستحواذ.
وأشار إلى أن ممارسات العصابات متعددة، تبدأ من الاستيلاء على الأجزاء المشتركة والمرافق العامة، مروراً بتجارة الممنوعات، وصولاً إلى فرض منطق القوة على السكان الذين يجدون أنفسهم رهائن، مضيفاً أن الظاهرة تشكل تعبيراً عميقاً عن خلل يتجاوز مجرد الانحراف الاجتماعي أو السلوك الإجرامي العابر، إلى أزمة أكثر تعقيداً في نسيج المجتمع.




















