اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
عرف النشاط نهضة خلال القرن الـ14 عبر إحصاء 480 محلاً لصناعة السروج المطرزة و167 آخر للأحذیة يشغّل 500 حرفي
تعد الحرف ذاكرة الشعوب، إذ تعكس واقعها الاجتماعي وأنماط عيشها، وتحفظ ملامح هويتها الثقافية عبر تعاقب الأجيال، بما تحويه من متغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية. ويبقى النقش على الجلد واحداً من الموروثات التي تواجه الاندثار في الجزائر، إذ إنها من أعرق الحرف التقليدية التي تحاكي جزءاً مهماً من تراث البلاد الثقافي.
وارتبط النقش على الجلد أو ما يعرف بـ'البيروغرافي' في الجزائر، الذي يصنف ضمن أقدم وأعرق الفنون التقليدية التي تميزت بها شعوب شمال أفريقيا، بصناعة الجلود التي شملت الملابس والأحذية والحلي، إلى جانب بعض الأدوات المنزلية، مما منح هذه المادة مكانة اجتماعية واقتصادية داخل المجتمع.
وتعتمد هذه الحرفة على التطريز والنقش والحفر لإنتاج أعمال فنية وتراثية فريدة لا تختفي ولا تزول، بل تبقى راسخة على الجلد مدى الحياة، وعلى كل قطعة جلدية، مهما كانت صغيرة، تتجلى الدقة والصبر والحكمة التي اكتسبها الحرفيون عبر عقود طويلة، وتظهر عبقرية حوّلت المواد الطبيعية الخام إلى منتجات تحمل قيمة فنية ووظيفية في آن.
وتنتشر حرفة النقش على الجلد في مختلف مناطق الجزائر، وهي من الحرف التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطقوس المجتمع وثقافته وموروثه الزخرفي، إذ كانت في الماضي جزءاً من جهاز العروس، ورافقت حياة السكان عبر الأحذية والحقائب، وقطع الزينة وغيرها من المتطلبات، وكلها تتميز بنقوش تحمل رموزاً ذات بعد جمالي وثقافي، وهي في ذلك تعتمد على الدباغة اليدوية والخياطة الهادئة والتزيين المتقن، وهي مراحل تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً ومهارة متوارثة، وتكشف عن وفاء مستمر للتقاليد.
تعد المناطق الرعویة وتوافر الماشیة والإبل، العاملان الأساسان في انتشار الحرفة وتطورها في غالب مدن الجزائر، حيث عبرت فیها صناعة الجلود عن البیئة المحلیة لكل منطقة، وكذا أسالیب الحیاة والتنقل.
اعتمد السكان الأوائل على الصيد وتربية المواشي لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى اكتشاف رسومات في محيط منطقة بسكرة، جنوب الجزائر، تُظهر أشخاصاً يرتدون ملابس مصنوعة من الجلود، وتذكر المصادر أن النساء اضطلعن بصناعة الألبسة، مستخدمات جلود الأغنام والأبقار والإبل بوصفها مواد أولية لهذا النوع من الصناعات.
وعرف النشاط الحرفي نهضة خلال القرن الـ14، ومن أبرز النشاطات هي صناعة الجلود، إذ كانت توجد كثير من الصناعات الجلدیة، منها 480 محلاً لصناعة السروج المنقوشة والمطرزة، و167 محلاً للأحذیة یعمل فیها أكثر من 500 حرفي.
وعقب استقلال الجزائر عام 1962 كانت بعض المدابغ الحرفیة القدیمة والمعامل الصغیرة والمتوسطة لصنع الأحذیة، تتمركز حول الجزائر العاصمة ومدینة وهران غرب البلاد، وخلال 1965 و1966 جرى إنشاء 46 وحدة جديدة في قطاع الجلود.
وتخضع حرفة النقش على الجلد في الجزائر إلى تقنيات عدة، وتنطلق مع عملية تحضير الجلود التي تمر بمراحل دقيقة، تبدأ بالدباغة لتطهير المادة من الشوائب، وذلك باستخدام مواد طبيعية مثل الملح والنباتات المحلية، ثم تجفيفها وشدها قبل أن تقطّع إلى أشكال مختلفة حسب الحاجة.
وبعد الانتهاء من مطاوعة الجلود تنتقل إلى أيادي الحرفيين الذين يباشرون عمليات الإبداع في الزخارف والزينة، التي تحوّل قطعة الجلد إلى تحف فنية تسر الناظرين، باستخدام تقنيات الحرق أو التطريز اليدوي، ويستخدم الصوف والخيوط الملونة لإضفاء الطابع التقليدي على المنتجات.
وتبقى صناعة الجلود التقليدية في الجزائر رمزاً للهوية الثقافية والشخصية الوطنية، إذ تمثل رابطاً حياً بين الماضي والحاضر، وتجسد إرادة الجزائريين في الحفاظ على تراثهم العريق ونقله للأجيال القادمة، لذلك، لا تقتصر هذه الحرفة على كونها ممارسة تقليدية، بل تعد وسيلة للتعبير عن الأصالة وتجسيد تاريخ متجذّر في الذاكرة والوجدان الجماعي للمجتمع.
وعلى رغم المكانة التي تحتلّها هذه الحرفة في الوجدان الجمعي، والجهود المبذولة لحمايتها والحفاظ على ديمومتها، فما زالت تواجه عراقيل وتحديات تمنع تطورها، أبرزها تميزها بالطابع الوراثي، كون الغالبية الساحقة من الحرفيين ينتمون لعائلات عرفت بممارسة الحرفة، مما عرقل توسعها، وإن حصل فهو ضئيل جداً مقارنة بغيرها، إلى جانب ضعف دور المعارض، هذه الأخيرة من شأنها فتح قنوات للتواصل بين الحرفيين، وتوسيع دائرة المعارف بطريقة فعلية، وشبكة الاحتكاك بين المهنيين من مختلف المناطق، سواء تعلق الأمر بالمحليين أو الإقليميين أو حتى خارج البلاد، أيضاً يعد تكثيف المهرجانات بمختلف أصنافها تماشياً مع قدرات الحرفيين البسطاء، وتوسيع نطاق المشاركة وعدم اقتصارها على من لهم خبرات فقط، مع تشجيع مختلف الممارسين للحرفة على المشاركة، ضرورياً للنهوض بالحرفة، إضافة إلى إطلاق حملات دعائية خاصة على الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ولعل من أبرز المشكلات التي تعانيها حرفة النقش على الجلد، استمرار معاناة الحرفي الذي يبقى يواجه وضعاً اجتماعياً هشاً على رغم ما قدمته الحكومة من خطوات إيجابية مثل تقديم تسهيلات في ما تعلق بالحصول على قروض وتجهيزات من أجل فتح ورشات، وتنظيم المعارض والأسواق الجوارية بمبالغ رمزية بغرض تسويق إبداعاتهم، وغيرها من الإجراءات التشجيعية، إلا أن رفع القدرات والمهارات وكفاءات الأداء، خطوة من شأنها إخراج الحرفة إلى العالمية.
إضافة إلى أن تفعيل الجانب التوثيقي العلمي عن طريق تدوين وتجميع المعطيات الكافية عن الحرفة والحرفيين وتوفير مادة علمية ومرجعية موثقة تساعد الطلبة والباحثين في هذا المجال، مهم جداً من أجل جعل الحرفة مكوناً مجتمعياً أكثر منها مكوناً شخصياً، كون الحرفة ليست ملكاً للحرفي بذاته ولغته التي يتقنها، بل تشكل نسيجاً ثقافياً عاماً يعبر عن البيئة المحلية ومنظومة خاصة تشكل الشخصية المحلية وكذا الوطنية عامة.
ويبقى الإبداع الذي تتركه أيادي الحرفيين على مختلف قطع الجلد تثير الإعجاب وتسر الناظرين، ولعل سروج الخيول واحدة من التحف التي تقدمها حرفة النقش على الجلود، إذ وفي وقت ظن فيه الجميع أن مهنة السراجين، انتهت إلى غير رجعة، إلا أن استمرار ركوب الخيل مع عودة نوادي الفروسية بقوة، ومهرجانات الخيل، وإحياء مناسبات 'الفانتازيا' التي هي استعراضات بالخيول ترافقها طلقات بارود، شجع حرفيي النقش على الجلود باتجاه إحياء مكانة الحرفة ومزيد من الإبداع.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد جمعيات 'الفانتازيا' يفوق 350، وهو رقم في تزايد مستمر، مما جعل عدد الفرسان يرتفع، وتنتعش صناعة النقش على الجلود، فالسرج لا يُعدّ مجرد قطعة مخصّصة للفارس، بل هو امتداد لشخصيته وهويته، إذ يحرص على إضفاء طابعه الخاص عليه من خلال نقش اسمه أو أسماء والده وأبنائه، أو اسم المنطقة التي ينتمي إليها.
وتختلف أسعار قطع الجلد المنقوشة حسب ما فيها من إبداعات وزخارف ونوعية الخيوط المستعملة في النقوش والطرز، إذ تراوح أثمان السروج ما بين 650 و2000 دولار.
لكن يبدو أن هذه الحرفة مضطرة إلى القفز على تقاليدها وتغيير أبجدياتها وأساساتها في ظل التطور التكنولوجي الذي طغى على الحياة اليومية للبشر، إذ أحدث نقش الجلد بالليزر نقلة نوعية في عالم فنون وتصاميم الجلود، ومن عروض الأزياء إلى المساحات المعيشية الأنيقة، تجسد منتجات الجلد المنقوشة بالليزر الرقي والإبداع، وتشهد على الإمكانات اللامحدودة التي يتيحها التقاء الفنون والتكنولوجيا، ومع استمرار العالم في مشاهدة تطور النقش على الجلد، تفقد الحرفة تقاليدها وتضع الحرفيين أمام مفترق الطرق، إما مسايرة التطور وإما الاختفاء عن المشهد.
وفي السياق، يقول الحرفي عمّار، إن الجلد، المادة التي تحظى بالإعجاب لأناقتها ومتانتها، دخلت عالم النقش بالليزر، وعلى رغم أن المزيج بين الحرفية التقليدية والتكنولوجيا المتطورة يمنح الفنانين والمصممين لوحة تجمع بين التفاصيل الدقيقة والدقة المتناهية، فإن الحرفة تجد نفسها في مقاومة الاندثار، مضيفاً أن النقش على الجلد لا يختفي ولكن الحرفة تختفي، وتصبح صناعة مبنية على العرض والطب والكمية قبل النوعية، وأشار إلى أن الحفاظ على الحرفة التقليدية أمر مهم، لأن هوية الإنسان تكتمل بالتراث سواء كان مادياً أم معنوياً، لافتاً إلى ضرورة إحياء وتطويع التراث ليصبح في متناول الجيل الجديد، وجعله أحد العوامل الأساسية المحركة لتنمية المجتمع عامة والمحلي خاصة.




















