اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
خصص للمشروع 20 ألف هكتار بجنوب البلاد... والاحتياجات السنوية للقطاع تتراوح بين 40 ألفاً و45 ألف طن من الألياف
تواصل الجزائر سياسة إحياء قطاعات زراعية ومجالات صناعية كانت إلى وقت قريب في قائمة 'المنسية' لاعتبارات عدة، وجاء الدور هذه المرة على 'الذهب الأبيض' أو القطن، من خلال مشروع يمتد على مساحة 5 آلاف هكتار، في مسعى إلى بعث شعبة استراتيجية تعتبر ركيزة أساسية لتطوير الصناعة النسيجية وتقليص فاتورة الاستيراد.
وتسابق الجزائر الزمن من أجل تأهيل مزرعة فلاحية صناعية على مساحة 5 آلاف هكتار في ولاية أدرار بجنوب البلاد، من ضمن 20 ألف هكتار تم تخصيصها تدريجاً لإعادة بناء 'شعبة القطن'، في توجه يربط الإنتاج الزراعي بمصانع الغزل والنسيج ويخفض فاتورة استيراد المادة الأولية، بعدما وصلت الاحتياجات السنوية للقطاع إلى ما بين 40 ألفاً و45 ألف طن من الألياف.
وتشمل عملية التأهيل إجراء تشخيص ميداني للآبار للتأكد من جاهزيتها وقدرتها على تغطية الاحتياجات الزراعية، إلى جانب إعادة تهيئة الشبكات الهيدروليكية ومنشآت الري، وربط المزرعة بالشبكة الكهربائية، كما تتضمن العملية تقييم المعدات والمنشآت الصناعية القائمة وتحديد الاستثمارات الإضافية الضرورية لضمان استمرارية النشاط الزراعي وتشغيل وحدة التحويل التابعة للمشروع.
ويجري إعداد دراسة جدوى اقتصادية وفنية لتحديد أصناف القطن الملائمة للمنطقة، والاحتياجات المائية، والإنتاجية المتوقعة في الهكتار، وكلفة المحصول، فضلاً عن شروط الجني والحلج والتخزين والنقل، وذلك من أجل تحديد قدرة القطن المنتج محلياً على منافسة المادة المستوردة وتوفير إمدادات منتظمة للمصانع الجزائرية.
وبحسب أستاذ الاقتصاد أنور ضيف، فإن 'المشروع يمثل خطوة محورية ضمن رؤية أوسع لإحياء زراعة وإنتاج الذهب الأبيض، واستعادة مكانة الجزائر كبلد قادر على إنتاج القطن وتزويد منصاته الصناعية بمادة أولية محلية، مع توفير فرص عمل جديدة ودعم مسار التنويع الاقتصادي الذي تراهن عليه الدولة'، موضحاً أن 'هذه العودة تأتي في سياق عالمي يعرف ارتفاعاً غير مسبوق لأسعار القطن بسبب اضطرابات سلاسل التوريد والجفاف في أكبر الدول المنتجة، مما يجعل الإنتاج المحلي خياراً اقتصادياً ضرورياً وليس مجرد مشروع زراعي جديد'.
وتابع ضيف أن 'الخطوة تندرج ضمن سياسة توسيع الزراعات الصناعية في جنوب البلاد، بالتوازي مع مشاريع الحبوب والذرة والبذور الزيتية والأعلاف وربطها بالوحدات التحويلية'، مشيراً إلى أن 'الجزائر سبق أن خاضت تجارب في مجال القطن، قبل تراجع الزراعة المحلية وتحول المصانع إلى الاعتماد الواسع على الواردات'. وقال إن 'توسيع إنتاج الذهب الأبيض يسمح برفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، بدل توجيه العملة الصعبة بصورة مستمرة إلى استيراد المادة الأولية'.
وختم أن 'المشروع يمنح الجزائر أداة جديدة لتنويع مصادر التموين، وتأمين صناعة النسيج وتحويل زراعة القطن إلى حلقة إنتاجية تربط الجنوب الزراعي بالمصانع والأسواق الوطنية'.
واستوردت الجزائر خلال عام 2024 نحو 4996 طناً من القطن الخام البرازيلي بقيمة 9.13 مليون دولار، أي بنسبة 41 في المئة من الواردات، مما وضع البرازيل في صدارة الموردين، وجاءت تركيا في المرتبة الثانية بـ26.4 في المئة، تلتها اليونان بـ26.2 في المئة، ثم الولايات المتحدة بـ6.1 في المئة، إلى جانب حصة محدودة لإيطاليا.
في المقابل، يتراوح الاستهلاك السنوي لصناعة النسيج في الجزائر بين 40 ألفاً و45 ألف طن من الألياف، كما نما الطلب بمتوسط سنوي يقارب اثنين في المئة منذ عام 1997.
وتظهر الأرقام قدرة السوق الجزائرية على جذب كبار المنتجين العالميين، بالتزامن مع توسع قاعدة صناعة النسيج وارتفاع الطلب على المواد الأولية.
كما يعكس استمرار نمو الطلب توسع نشاط المصانع والوحدات النسيجية، إلى جانب ارتفاع الاحتياجات، وبالتالي تمثل المادة الأولية عنصراً مباشراً في كلفة الإنتاج، ومنه تتعزز قدرة المنتجات الجزائرية على منافسة السلع المستوردة داخل السوق المحلية'.
وفي وقت تشير المعطيات إلى سير ناجح للمشروع، حذر المهندس الزراعي بوسلهام بوشول من 'التحدي الأكبر'، وهو الماء، على اعتبار أن القطن يستهلك كمية معتبرة من هذه المادة الحيوية. وقال إن 'تقدم المشروع يكون عبر الري بالتنقيط أو الري تحت السطحي، مع اختيار أصناف قصيرة الدورة قادرة على تحمل الملوحة، واعتماد جداول ري مبنية على الاحتياج الفعلي للنبات مع مراقبة ملوحة التربة والماء بانتظام'، مشدداً على أن 'الطقس الجزائري الصحراوي مناسب جداً للقطن، لأنه يحتاج إلى حرارة عالية وضوء قوي وفترة جفاف طويلة، لكن الماء أكبر انشغال. وأشار إلى أن 'كلفة الري في الصحراء ومحدودية الموارد المائية والمنافسة العالمية القوية، تحديات يجب أخذها في الاعتبار والعمل على تجاوزها'.
وواصل بوشول أن 'توجه الجزائر إلى زراعة القطن في الصحراء يستهدف تقليص التبعية للاستيراد وتوفير صناعة نسيج محلية، وربط الزراعة بالصناعة لرفع القيمة المضافة'، مشيراً إلى أن 'الجنوب يملك مساحات واسعة غير مستغلة، ويمكن تحويلها إلى مزارع كبرى للقطن في ظل توفر حرارة عالية تناسب نموه'. وأبرز أن 'الاستثمار في القطن يمكن البلاد من تحقيق اكتفاء ذاتي جزئي ثم الانتقال نحو التصدير، إذا تم توفير ثلاثة عناصر أساسية، وهي الماء والتقنية والبنية الصناعية'.
وتسيطر خمس دول على إنتاج القطن عالمياً، وهي الصين والهند والبرازيل والولايات المتحدة وباكستان، التي تنتج مجتمعة أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي.
ويعتبر القطن ثاني أكثر الألياف استخداماً على مستوى العالم بعد البوليستر، إذ يمثل نسبة تقارب 20 في المئة من إجمالي الطلب على الألياف، كما أن نسبة 80 في المئة تقريباً من هذه المادة تستخدم في صناعة الألبسة، بينما تستخدم النسبة المتبقية في المنسوجات المنزلية والمنتجات الصناعية.
ويوفر 'الذهب الأبيض' سبل العيش لنحو 24 مليون مزارع في العالم، وتستفيد منه أكثر من 100 مليون أسرة.




















