اخبار جيبوتي
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
يهدف نتنياهو إلى تعزيز الوجود الدبلوماسي لتل أبيب في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية
لا تزال 'أرض الصومال' نموذجاً وحيداً للدول التي اعترفت بها إسرائيل رسمياً بينما لا تزال تفتقر إلى اعتراف المجتمع الدولي الواسع، إذ تبرز تحديات على مستويات عدة منها الأمنية والتجارية تتعلق بآلية تعامل بعض الشركات الدولية بعد الاعتراف الإسرائيلي بالكيان الانفصالي شمال الصومال.
يقول المستشار السياسي الدكتور عبدالرحمن محمد عبدالله في حديثه إلى 'اندبندنت عربية' إن سياق الاعتراف بأرض الصومال جاء في إطار ما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بروح اتفاقات أبراهام ويهدف إلى تعزيز الوجود الدبلوماسي الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية، مشيراً إلى أن 'هذا الموقف أثار تنديدات واسعة من الصومال ودول إقليمية مثل السعودية ودول الخليج وتركيا ومصر والصين ولا يزال الموقف العالمي يعترف بأرض الصومال كجزء من جمهورية الصومال الفيدرالية'.
أوضح المستشار عبدالله أن 'هناك حالات شبه اعتراف أو تعاون من دون اعتراف رسمي قد حصل مسبقاً بين إسرائيل وكيانات مثل جمهورية شمال قبرص التركية المعترف بها من تركيا فقط، لكن هناك علاقات تجارية وسياحية قوية واستثمارات إسرائيلية ضخمة في العقارات، مما يوحي بنوع من الاعتراف الضمني غير الرسمي على رغم التزام تل أبيب دبلوماسياً تجاه جمهورية قبرص اليونانية في الجنوب'.
ولفت إلى أن 'إقليم أرض الصومال بادر بطلب الانضمام لاتفاقات أبراهام والاعتراف بإسرائيل مقابل الحصول على اعتراف دبلوماسي رسمي متبادل ليصبح أول كيان يكبح عزلته الدولية من خلال ذلك الاعتراف، في حين يظل بقية العالم متمسكاً بوحدة الأراضي الصومالية أمام زلزال دبلوماسي في منطقة القرن الأفريقي، مخلفاً تداعيات جيو سياسية معقدة أهمها تصعيد التوتر مع حكومة مقديشو التي اعتبرت تلك الخطوات هجوماً متعمداً على سيادتها'.
وأكد أن الرد الدبلوماسي تصاعد، إذ قامت الصومال بتصعيد لهجتها ضد أي تعاون أمني أو سياسي بين تل أبيب وأرض الصومال، محذرة من أن هذا الاعتراف قد يشجع حركات انفصالية أخرى في القارة الأفريقية لا سيما أن تلك الخطوات تودي إلى تعزيز دور إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال حيث تنسجم المصالح المشتركة مع الاعتراف الإسرائيلي ورغبة أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر عبر موانئ أرض الصومال، وتابع، 'كذلك فإن إسرائيل تسعى إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي قرب مضيق باب المندب لمراقبة التحركات الإيرانية وتأمين خطوط الملاحة، بخاصة ضد هجمات الحوثيين'.
من ناحية أخرى، يلفت المستشار القانوني لمركز الصومال الدولي للسياسات والدراسات الاستراتيجية موسى معلم محمد، الانتباه إلى أن 'خطوات إسرائيل ستزيد من حدة الأخطار الأمنية في الصومال لا سيما التحركات الإرهابية وأبرزها استغلال حركة ’الشباب‘ الإرهابية هذا الاعتراف لتأجيج المشاعر القومية والدينية في الصومال وتصوير الحكومة في أرض الصومال كعميلة، مما قد يؤدي إلى زيادة وتيرة العمليات الإرهابية في المنطقة'.
ويوضح أن التمدد الدبلوماسي لإسرائيل في المنطقة دافعه الرئيس الأمن البحري ومراقبة باب المندب، وهذا يعيد الذاكرة إلى إثيوبيا التي تعد مؤيداً ضمنياً لملف أرض الصومال من أجل تأمين منفذ بحري دائم.
في الوقت نفسه يرى معلم أن أهم المواقع المتأثرة جيوسياسياً هو مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ ستكتسب إسرائيل عيوناً قريبة جداً من المضيق لمراقبة تحركات السفن الإيرانية أو التهديدات القادمة من الحوثيين في اليمن من دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على القواعد العسكرية من دول أخرى، مشيراً إلى أن ميناء بربرة في شمال الصومال هو جوهرة التاج في هذا الاعتراف باعتباره المنفذ الذي تريده إثيوبيا.
وأشار إلى أن الاعتراف سيسهل لإسرائيل تأمين استثمارات ووجود تقني وأمني في هذا الميناء مما يجعله نقطة ارتكاز قبالة السواحل اليمنية، موضحاً أن هذا الاعتراف يمهد لتعاون استخباراتي في منطقة حساسة تقع على الحدود بين أرض الصومال وجيبوتي التي تضم قاعدة 'ليمونييه' التي تشرف على مدخل البحر الأحمر، إضافة إلى القواعد العسكرية الأخرى للدول الحليفة مع إسرائيل.
وشدد على أن مدينة هرجيسا عاصمة إقليم أرض الصومال قد تتحول من مجرد عاصمة إقليمية إلى مركز دبلوماسي إقليمي، إذ يتوقع أن تفتتح إسرائيل أول سفارة رسمية لها فيها مما يجعلها مقراً لإدارة العمليات الدبلوماسية والأمنية في شرق أفريقيا .
المستشار القانوني لمركز الصومال الدولي للسياسات والدراسات الاستراتيجية موسى معلم محمد يرى أيضاً أن هذا الاعتراف الإسرائيلي يعيد رسم خريطة 'أمن البحر الأحمر'، فبينما كانت جيبوتي هي المركز الوحيد للقواعد الدولية، يدخل إقليم أرض الصومال الآن كلاعب جديد مدعوم من تل أبيب وأديس أبابا، مما يخلق توازناً جديداً قد يزعج القوى الفاعلة في المنطقة والقارة.
ويبيّن أن الاعتراف لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية بل هو مفتاح لتدفق استثمارات جذرية ترتكز بصورة أساس حول ميناء بربرة الذي تضخ فيه شركة موانئ دبي العالمية بوابة استثمارات تزيد على 400 مليون دولار لتوسعة الميناء، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم مع دخول شركات تكنولوجيا لوجستية إسرائيلية لتطوير أنظمة الإدارة وأمن الميناء، كذلك فإن الاعتراف يسهل ممر بربرة الذي يعد طريقاً سريعاً وسككاً حديداً تربط الميناء بالعاصمة الإثيوبية، مما يقلل اعتماد إثيوبيا على جيبوتي بنسبة قد تصل إلى 30 في المئة.
ويشير إلى بروز الخبرة الإسرائيلية كعامل جذب استثماري باعتبار أرض الصومال منطقة جافة تعتمد على الرعي عبر طرح خطط لإنشاء محطات تحلية مياه متطورة بدعم تقني من تل أبيب لتأمين حاجات الزراعة والسكان، إضافة إلى استثمارات في تقنيات الري بالتنقيط والزراعة الصحراوية لتحويل مساحات واسعة إلى أراضٍ منتجة، مما يقلل من فجوة الأمن الغذائي.
على رغم توقعات معلم الوردية، يبقى التحدي في 'الشرعية القانونية'، فمقديشو لا تزال تعد هذه الاتفاقات باطلة، مما قد يضع الشركات المستثمرة في مواجهة مع القانون الدولي أو عقوبات من الدول التي لا تعترف بانفصال الإقليم، إذ تتعامل الشركات الدولية حالياً مع الوضع القانوني المزدوج بين الصومال (مقديشو) وأرض الصومال (هرجيسا) بحذر شديد، متبعة استراتيجيات قانونية معقدة لتجنب الوقوع في فخ العقوبات أو خسارة الأسواق.
وقال إن غالبية الشركات تدير أعمالها في واقع معقد عبر استراتيجية 'الفصل القانوني'، بعد أن تقوم الشركات الكبرى بإنشاء كيانات قانونية منفصلة تماماً لكل منطقة ويكون فرع أرض الصومال مسجلاً كشركة محلية في هرجيسا وتتعامل مباشرة مع سلطات أرض الصومال، وتدفع الضرائب هناك، بينما فرع الصومال الفيدرالي يسجل في مقديشو ككيان مستقل، وهذا الفصل يحمي الشركة الأم من المسؤولية القانونية المباشرة إذا قررت مقديشو مقاضاة الشركات التي تتعامل مع 'كيان انفصالي'.
ويسعى بعض الشركات إلى الحصول على تراخيص من الطرفين للحفاظ على سلامة عملياتها، وعلى سبيل المثال، شركات الطيران التي تطير إلى هرجيسا غالباً ما تحاول الحفاظ على علاقة جيدة مع هيئة الطيران المدني في مقديشو لتجنب إغلاق الأجواء الصومالية في وجهها، وهو مما يمثل تحدياً دائماً، وتشترط الشركات الدولية في عقودها الكبرى (مثل عقود التنقيب عن النفط أو إدارة الموانئ) أن يكون التحكيم في لندن أو دبي أو سنغافورة، وهذا يضمن للشركة أن حقوقها محمية بقوانين دولية بغض النظر عن النزاع السيادي بين مقديشو وهرجيسا، وفق المستشار القانوني لمركز الصومال الدولي للسياسات والدراسات الاستراتيجية.
وأكد أنه بعد الاعتراف الإسرائيلي قد يبدأ بعض الشركات استخدام هذه الطريقة القانونية كغطاء أمني وسياسي إذ ستشعر بثقة أكبر، فوجود 'قوة إقليمية' مثل إسرائيل كضامن سياسي وأمني يقلل من أخطار المصادرة أو التغيرات السياسية المفاجئة في أرض الصومال.
وأخيراً يؤكد المستشار القانوني لمركز الصومال الدولي للسياسات والدراسات الاستراتيجية موسى معلم محمد، أن التحدي الأكبر يظل في 'القائمة السوداء' التي قد تصدرها مقديشو فلو قامت الحكومة الصومالية بمنع أي شركة تعمل في أرض الصومال من العمل في مقديشو، تضطر الشركات إلى المفاضلة وغالباً ما تختار الشركات الاستمرار في أرض الصومال إذا كان مشروعها (مثل ميناء بربرة) ذا قيمة استراتيجية ومادية تفوق حجم السوق في بقية الصومال والوضع يشبه إلى حد كبير ما تفعله الشركات الدولية في تايوان والصين، حيث يجري 'تطبيع' الوجود التجاري في أرض الصومال تحت مسمى 'تعاون اقتصادي فني' بعيداً من الجدل السياسي، مع محاولة عدم استفزاز الحكومة في مقديشو بصورة علنية.















