اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ أيلول ٢٠٢٦
على صخور شاهقة تتربع مدينة عمرها أكثر من 3000 عام وتروي جسورها الثمانية تاريخها العريق
بين مدينة الصخر والمدينة المعلقة وعش النسر ومدينة الجسور، تبقى 'قسنطينة' الجزائرية شامخة بتاريخها وموقعها، مدينة شاهدة على فترات زمنية من تاريخ الإنسانية، وهي التي تمتد حضارتها إلى أكثر من 3000 عام، وبسبب وجودها فوق صخور عملاقة شاهقة الارتفاع، تحصي ثمانية جسور معلقة، كل واحد منها يعود إلى حقبة زمنية من تاريخها.
تقع مدينة قسنطينة شمال شرقي الجزائر، وهي ليست ساحلية بل تحيط بها الوديان، مبنية على صخور ضخمة، مما جعلها نقطة تقاطع القوافل التجارية والعسكرية والعلمية والدينية. وكانت عرضة لهجمات الغزاة الذين استهواهم شموخها في السماء، إذ تعاقبت عليها الحضارات، من النوميديين، مروراً بالرومان والمسلمين، وحتى الاستعمار الفرنسي.
وكان للحقبة الرومانية الأثر البالغ في المدينة، وامتد تاريخ الرومان فيها 15 قرناً، لكنهم دخلوا في حروب طاحنة في ما بينهم خلال عام 313 ميلادي، فدمرت المدينة على آخرها، إلى أن جاء 'قسطنطين العظيم' الذي أعاد بناءها وسُميت باسمه، وبقي تمثاله حاضراً فيها.
وتشتهر قسنطينة بجسورها التي ربطت غربها بشرقها، فكانت المدينة تضم سبعة جسور على ضفاف وادي الرمال، قبل أن تتعزز بآخر جديد في عام 2015، تحت اسم 'الاستقلال' و'صالح باي'، بطول 1200 متر تقريباً، منها 749 متراً جسراً رئيساً، ترفعه ثمانية أعمدة خرسانية، والبقية جسور فرعية. ويرتفع بنحو 60 متراً عن وادي الرمال، وعرضه 27 متراً، وهو ذو طريق مزدوج في الاتجاهين مع رصيف للراجلين، مما جعله أكبر جسر من الأسلاك المعدنية على المستويين المحلي والأفريقي.
'سيدي راشد' يعد من أطول الجسور الحجرية في العالم، ويبلغ طوله 447 متراً وعرضه 12 متراً ويمتد فوق 27 قوساً، ويشهد حركة مرور كثيفة تصل إلى نحو 40 ألف مركبة في اليوم، ويوجد أسفله جسر صغير يسمى جسر 'الشيطان' الذي انطلقت أشغاله عام 1907 قبل تدشينه في عام 1912.
وفي العام نفسه تم تشدين جسر 'سيد مسيد' المعلق الذي يرتفع بنحو 175 متراً عن وادي الرمال، بطول 186 متراً، ويضم ممراً واحداً للمركبات في اتجاه واحد، يعلوه جسر 'وادي الشلالات'، الذي يجاور جسر 'باب القنطرة'.
وتحصي قسنطينة، جسر 'ملاح سليمان' المعلق الذي يبلغ طوله 125 متراً، وعرضه 2.5 متر، بارتفاع 130 متراً عن وادي الرمال، وقد بُني بين عامي 1917 و1925، وكان من بين أعلى ثلاثة جسور في العالم وقتها.
هي 'سيرتا' أو 'قيرطا' عاصمة الدولة النوميدية الممتدة من الحدود الغربية للجزائر وحتى خليج سرت في ليبيا، وفق ما تقول كتب التاريخ، مما جعل ضريح الملك ماسينيسا، واحداً من أهم المعالم السياحية والتاريخية التي تبرز أهمية المدينة التاريخية.
ولد ماسينيسا في نحو عام 238 قبل الميلاد، قرب ولاية خنشلة حالياً، بمنطقة الأوراس، شمال شرقي للجزائر، لينتقل في ما بعد إلى قسنطينة، ويتخذها عاصمة لحكمه ويحولها إلى سيرتا.
وخُلِّد الرجل من خلال إقامة ضريح بقي شاهداً حياً على حضارات مرت وأيام خلت، وأصبح اليوم معلماً تاريخياً مميزاً أطلق عليه الأهالي في وقت لاحق اسم 'صومعة إبليس'، في تسمية تُثير كثيراً من التساؤلات والألغاز، على رغم أن هناك اتفاقاً حول معتقد أن يكون الأمر مرتبطاً بسر المكان وهيبته وما يحمله من خوف ورهبة وغرابة، لا سيما أن الضريح عبارة عن برج مربع مبني على صورة مدرجات، تضم ثلاثة صفوف من الحجارة الكبيرة منحوتة بطريقة مستوحاة من الأسلوب الإغريقي بطول نحو 10 أمتار وبنفس العرض، ويرتفع عن الأرض بنحو ثمانية أمتار.
'نصب الأموات' المشابه لـ'قوس النصر' الموجود بشارع 'الإليزيه' في فرنسا، يقف أعلاه تمثال امرأة بأجنحة، مَعلم لافت شُيد بطلب من الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابارت في عام 1836 ووقف على إنجازه المهندس الفرنسي لوي فيليب، ويقبع فوق صخرة 'سيدي مسيد'، ويطل على سهل بارتفاع 200 متر، مما يتيح لزائره منظراً رائعاً وبانوراما فائقة الجمال عن مدينة قسنطينة.
وأما قصر 'الحاج أحمد باي' فهو يحمل عبق الحضارة العثمانية وجمالية الفن المعماري لليد العاملة الجزائرية، أُنجز في عهد آخر بايات قسنطينة، وهو أحمد باي بن محمد الشريف، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1825 و1835، ليكون مقر حكم الشرق، إذ اكتمل إنجازه في عام 1835 قبل الاستيلاء على المدينة من قبل الفرنسيين بمدة قصيرة.
وتملك قسنطينة متحفاً مفتوحاً على الطبيعة، ومدينة أثرية يُطلق عليها اسم 'تيديس'، وهو الموقع الذي يوجد به ضريح 'ليليوس أورباكوس' الحاكم الروماني المتحدر من منطقة 'تيديس'، التي شغلت في وقت سابق حصناً ومركزاً متقدماً للدفاع عن سيرتا القديمة، العاصمة الشرقية لمملكة نوميديا.
وتعد مدينة 'تيديس' كتاباً مفتوحاً لمن يريد السفر عبر التاريخ ويطلع على حياة وعادات قرية بربرية تطورت منذ العهد النيوليتي، وهو العصر الحجري الحديث، أو عصر الحجر المصقول المتمثل في 'دولمانات'، إذ تضم مغارات ومقابر وحفريات مستحجرة لا تزال شاهدة حتى الآن على عصر ما قبل التاريخ، الذي كانت خلاله هذه المنطقة أرضاً آهلة بالسكان، وملجأ ومكاناً محمياً لضمان البقاء وسط محيط لا يرحم آنذاك.
وبحسب مسؤولي السياحة بالمنطقة، فإن آثار هذه المدينة كانت كلها تحت التراب، قبل أن تُكتشف على يد متخصصين فرنسيين بمساهمة من الجمعية الأثرية لمتحف 'غوستاف مرسيي'، إذ إن الحفريات الأولى الجادة تمت خلال عام 1941، تحت إشراف المهندس أندريه بارتييه، الذي كان أيضاً مختصاً في علم الآثار.
ويضاف هذا الإرث التاريخي إلى متحف 'سيرتا' الذي يعد ثاني أكبر متحف في أفريقيا بعد متحف مصر، والذي يعرض تاريخ المنطقة من عصور ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث مروراً بالعصر النوميدي، والروماني، والحفصي، والعثماني، والفرنسي.
حالياً، قسنطينة هي ثالث أكبر مدن الجزائر بعد كل من العاصمة الجزائر ووهران، وتعد إحدى أكبر مدن البلاد تعداداً، ويطلق عليها وصف 'أم الحواضر' باعتبارها من أقدم المدن في العالم، وتعاقبت عليها حضارات عدة. تتميز المدينة القديمة بكونها مبنية على صخرة من الكلس الصلب، مما أعطاها منظراً فريداً، هي مدينة مهمة في تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط.




















