اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
عدد محدود للغاية من الأطباء يصطدم بآلاف الحالات السنوية وطرق العلاج البدائية
على وقع عقود متواصلة من النزاعات المسلحة والهجمات الإرهابية والأزمات المناخية الممتدة، ظلت الصدمة النفسية في الصومال جرحاً صامتاً ينزف بعيداً من الأضواء. عقود طويلة ساد فيها الاعتقاد بأن الاضطرابات النفسية إما 'مس جني' أو ضعف في الإيمان، ليجد آلاف أنفسهم مقيدين بالسلاسل في المنازل أو معزولين خلف أسوار النظرة المجتمعية القاسية .
اليوم يبرز تحول جوهري يلتف حوله شبان وشابات الصومال، جيل جديد يقود حراكاً واعياً، لكسر 'تابو' الصحة النفسية، متجاوزاً الوصمة الاجتماعية نحو طلب العلاج في العيادات المتخصصة التي بدأت تنتشر تدريجاً في العاصمة مقديشو والمدن الرئيسة.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية إلى أن الصومال يسجل واحدة من أعلى نسب اضطرابات الصحة النفسية عالمياً بالنسبة إلى عدد السكان، فواحد من كل أربعة صوماليين (25 في المئة من السكان) يعانون صورة من صور الاضطرابات النفسية والعقلية، وفي المناطق المتأثرة مباشرة بالنزاعات المسلحة ترتفع النسبة لتتجاوز 35 في المئة. كما يصنف اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الحاد كأكثر الاضطرابات انتشاراً بين الفئات العمرية الممتدة من 18 إلى 35 سنة، نتيجة المعايشة المستمرة للتفجيرات والفقدان المفاجئ والنزوح القسري .
يضم الصومال بأكمله أقل من خمسة أطباء نفسيين لكل 10 ملايين نسمة مع تركز شبه تام للخدمات في المدن الكبرى وغياب النسبة الأكبر من الموازنات الحكومية المخصصة للقطاع الصحي النفسي، إذ سجلت العيادات والمراكز النفسية الخاصة والحكومية في مقديشو وهرجيسا وغاروي خلال الفترة من 2024-2026 زيادة بنسبة 140 في المئة في أعداد المراجعين من فئة الشباب 18-32 عاماً، فيما شكلت النساء نحو 55 في المئة من إجمالي المراجعين الجدد.
كما تراجعت نسبة الحالات المحولة قسرياً من الأهالي (حالات الذهان الحاد أو التقييد) لصالح الحالات الاستثنائية، التي يحضر فيها الشاب تلقائياً بطلب الدعم النفسي والحديث مع متخصص بنسبة تتجاوز 48 في المئة مقارنة بالأعوام الخمسة الماضية.
لم يكن تحطيم الوصمة عملية سهلة، بل جاء نتيجة استراتيجيات متعددة قادها الشباب أنفسهم عن طريق استغلال منصات التواصل الاجتماعي لعرض تجارب شخصية مع العلاج النفسي وإطلاق بودكاست بلغة المصطلحات اليومية لتبسيط المفاهيم النفسية وتجريدها من وصمة الجنوب وتنظيم حملات توعية داخل المؤسسات التعليمية، تركز على أن القلق والاضطرابات النفسية هي استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية (الحرب والفقر)، إضافة إلى انتشار العيادات النفسية الخاصة في مقديشو ومدن الإقليم التي تحرص على تطبيق معايير السرية والخصوصية للعملاء لضمان شعورهم بالأمان .
لإلقاء الضوء على الجوانب التشخيصية والمجتمعية، قال مدير مركز إعادة تأهيل المرضى النفسيين حسن محمد عبدي في حديث لـ'اندبندنت عربية' إن الحرب في الصومال ليست مجرد حدث عابر، بل هي بيئة ممتدة من التهديد بوجود الشخص والنزاعات القبلية المستمرة تعزز مفهوم الصدمة الممتدة عبر الأجيال، فالشاب الصومالي لا يحمل صدمات تجاربه الشخصية فحسب، بل يرث مخاوف وأحقاد وخسائر قبيلته، مما يجعل العقل في حال استنفار عصبي دائم.
ولفت إلى أن الجماعات الإرهابية تستغل الهشاشة النفسية لدى الشباب الناتجة من الصدمات والفقر لتقدم لهم الانتماء والغرض الزائف، لأن الشاب الذي يعاني الرفض المجتمعي أو التهميش يكون صيداً سهلاً لإعادة التشكيل الفكري، في المقابل يواجه الشبان الناجون من مناطق سيطرة تلك الجماعات صدمات مضاعفة تتطلب برامج إعادة تأهيل نفسي مكثفة تتجاوز العلاج الدوائي إلى العلاج المعرفي السلوكي .
وأوضح أن الفقر الناتج من الحرب والنزوح يخلق حالاً من العجز عندما يفتقر الشاب لتأمين حاجاته الأساسية أو فرص العمل يتحول الضغط الاقتصادي إلى أعراض جسدية ونفسية مثل 'قلق حاد، أو اكتئاب سوداوي، أو اللجوء للتعاطي مثل المادة المخدرة القات'، كون الفقر والحرب يغذيان بعضهما في حلقة مفرغة تجعل العقل عاجزاً عن التفكير في المستقبل .
وبين أن مشكلة الخلط بين الرقية والطب النفسي ليست في الاستعانة بالقرآن الكريم، فالجانب الروحي والرقية الشرعية يمثلان جزءاً معنوياً مهماً للتعافي في المجتمع المسلم، بل تكمن الكارثة في الاستبداد العلاجي، أي الامتناع التام عن الذهاب للطبيب النفسي واعتبار المرض نقصاً في الإيمان أو مساً شيطانياً حصرياً، إذ تعرض كثير من المرضى للتقييد بالسلاسل والضرب والاحتجاز لدى قراء القرآن أو المراكز غير المؤهلة، مما يؤدي إلى تدهور الحالات الحادة إلى أذية الذات أو الآخرين .
ويعيش غالب شبان اليوم في مخيمات النازحين أو أسر نزحت خلال التسعينيات أو بداية القرن، وهؤلاء لم يشهدوا الحرب الأهلية الأولى، لكنهم ينشأون في بيئة أسرية تعيد إنتاج الخوف والقلق الدائم وأنماط السلوك الدفاعية المكتسبة من الآباء .
وتبلغ كلفة الجلسة النفسية الواحدة في العيادات الخاصة ما بين 15 إلى 30 دولاراً أميركياً، وهو مبلغ فارق في بلد يقل فيه متوسط الدخل اليومي للغالبية عن دولارين، وهذا يخلق نوعاً من الطبقية في التعافي النفسي، إذ يستطيع شبان الطبقة المتوسطة أو المعتمدين على حوالات المغتربين الحصول على الرعاية بينما يظل شبان المخيمات رهن المعاناة .
وتقع النساء في قلب الأزمة النفسية فهن الأكثر عرضة لتبعات العنف المبني على النوع الاجتماعي والفقدان للزوج أو المعيل، على رغم ذلك تظهر النساء الشابات جشاعة أكبر في زيارة العيادات النفسية مقارنة بالرجال الذين يمنعهم تابو الرجولة من إظهار الضعف، كما يعد القات وسيلة الهرب الأكثر انتشاراً بين الشباب للتعامل مع الصدمات غير المعالجة، مما يفاقم الاضطرابات النفسية ويحولها إلى حالات زهايمر مبكر أو اضطرابات ذهان ناتجة من المواد المخدرة.
في الزوايا الهادئة لعيادات النفسية بمقديشو تتردد أصوات شبان وشابات قرروا الخروج من دائرة الكتمان، فعبدالرزاق ذو الـ26 سنة، قال قبل أعوام عدة 'نجوت بأعجوبة من تفجير سيارة مفخخة في شارع مكة المكرمة، لم أصب بكسور في جسدي ولكن شيئاً ما في داخلي انكسر أصبحت أستيقظ كل ليلة وأنا أصرخ وأرتعد خوفاً من صوت إطارات السيارات أو صوت إغلاق الأبواب بقوة، ظلت عائلتي تصر على أنني ممسوس وجلبوا قراء عدة لقراءة القرآن علي، لكن حالتي كانت تزداد سوءاً حتى انعزلت تماماً وتوقفت عن العمل. وحين جمعت شجاعتي وزرت العيادة النفسية للمرة الأولى شعرت بأني أخيراً أنصت إلي من دون إدانة. شخص الطبيب حالتي باضطراب ما بعد الصدمة الحاد، وبعد 10 أشهر من الجلسات النفسية والعلاج الدوائي أعدت اكتشاف نفسي وعدت لممارسة حياتي، العلاج النفسي لم يكن جنوناً بل كان نجاتي الوحيدة'.
بينما تروي حليمة عبدالله 'نشأت في بيئة بسبب الحرب والاضطرابات القبلية في الصومال وعانيت تفككاً أسرياً وضغوطاً نفسية هائلة جعلتني أصاب بوسواس قهري حاد واكتئاب جسيم، كانت الصورة النمطية لأسرتي أن الفتاة التي تذهب لطبيب نفسي تعتبر مجنونة ولا أحد يتزوجها، لكني اخترت نفسي وبدأت أزور العيادة سراً باستخدام مدخراتي الخاصة. اليوم وبعد عام ونصف عام من التتبع النفسي أصبحت قادرة على التحكم بأفكاري والعودة لدراستي الجامعية، الأهم أن أمي بعد أن رأت التحول الهائل في حياتي أصبحت تدافع عن خطوتي أمام الأقارب'.
وهنا يقول استشاري الطب النفسي والعصبي ومستشار الصحة النفسية بوزارة الصحة الصومالية الدكتور أحمد عمر الشيخ محمد، في حديثه لـ'اندبندنت عربية'، إن الصدمة النفسية في الصومال لا تتوقف عند حدود من شهد المعركة، بل تنتقل أساساً عبر نمط التربية الأسرية'، مضيفاً 'الآباء والأمهات الذين عاشوا ويلات الخوف والنزوح، يربون أبناءهم إما بقسوة مفرطة كآلية دفاعية أو ببرود عاطفي ناتج من تجمد مشاعرهم جراء الصدمات السابقة'.
ويوضح أن 'الانعكاس المجتمعي لهذا الانتقال الجيلي نراه يومياً في سرعة اللجوء إلى العنف عند أدنى خلاف او انعدام الثقة العميقة بين الأفراد والهرب الجماعي من الواقع نحو تعاطي نبتة القات أو المخاطرة بالهجرة غير الشرعية، ونحن أمام مجتمع كامل يعاني آثار صدمة ممتدة، تضاعف من نسب الاضطرابات النفسية لتصل إلى واحد من كل ثلاثة أشخاص'.
وحول أسباب امتناع المرضى عن زيارة العيادات وتأخرهم تقف ثلاثة موانع رئيسة خلف عدم وصول 95 في المئة من المرضى إلى المختصين النفسيين، وإرجاع كل اضطراب نفسي حتماً إلى الجن أو العين أو ضعف الإيمان والوازع الديني واعتبار وجود مريض نفسي في البيت وصمة تمس سمعة العائلة العشائرية وتدمر فرص زواج الأبناء والبنات، إضافة إلى اقتران الطب النفسي في الأذهان بصورة الشخص الهائم أو المقيد بالسلاسل الفولاذية، وكل هذا يجعل العائلات تتكتم على المريض حتى تتفاقم حالته وتصل إلى مرحلة الذهان أو الاعتداء .
وينبه الدكتور أحمد عمر إلى العقبة اللغوية في اللغة الصومالية، إذ توجد مشكلة بصرية ولغوية حقيقية، فلا توجد كلمة صومالية محددة ومباشرة تعبر عن مفهوم الاكتئاب، ونتيجة هذا الفقر في المفردات النفسية لا يستطيع المريض التعبير عن ألمه الروحي والنفسي فيترجمه عقله وجسده تلقائياً إلى أعراض جسدية، مثل الصداع المزمن الأرق وآلام المعدة والقولون، وهنا يقع الفخ، إذ يتردد المريض لأعوام على أطباء الباطنية والجراحة ويستهلك أدوية لا يحتاج إليها، في حين أن جذور مشكلته اضطراب نفسي يعالج خطأ نتيجة غياب المصطلح .
ويلفت الانتباه إلى أن هناك جذوراً لعدم الفهم المتبادل، فالآباء الذين قست عليهم ظروف الحرب يرى غالبيتهم الشكوى النفسية أو البكاء من الاكتئاب نوعاً من الرعونة وضعف الشخصية، بينما ينظر الأبناء الشباب إلى صمت آبائهم وجفافهم كنوع من القسوة واللامبالاة، وهذا الصراع يتسبب في تفكك الأسرة التي تعد خط العلاج والدعم الأول في بلد يفتقر للخدمات الحكومية الشاملة والحل الذي نطرحه في العيادة هو توعية الشباب بضرورة النظر إلى الآباء كضحايا صدمات غير معالجة وليس كمذنبين أو قساة بالطبع'.
يكشف استشاري الطب النفسي والعصبي ومستشار الصحة النفسية بوزارة الصحة الصومالية الدكتور أحمد عمر الشيخ محمد واقعاً صادماً عن الأرقام الرسمية، ففي عام 2020 لم يكن الصومال يملك سوى 82 مختصاً في مجال الصحة النفسية بمختلف مستوياتهم من بينهم أربعة أطباء نفسيين فقط يحملون تأهيلاً تخصصياً كاملاً، وحتى اليوم لا توجد إحصاءات وطنية رسمية تثبت حدوث زيادة ملموسة في هذا الرقم، ولا يزال التأهيل الأكاديمي ضعيفاً مقارنة بالحاجة الميدانية الهائلة.
ويقول إن الواقع الميداني يشير إلى أن غالبية الأسر تبدأ رحلتها بالرقية الشرعية ثم تلجأ للطبيب النفسي كخيار أخير، والمشكلة ليست في الرقية ذاتها فالقرآن شفاء وسكينة روحية ونحن ندعمها، ولكن الخطر يكمن في ترك الحالات الذهانية والاضطرابات الحادة تتردى لأعوام قبل التدخل الدوائي وإخضاع المريض للضرب والتقييد بالسلاسل أو التجويع في بعض المراكز التقليدية، والحل الذي نطبقه وننادي به هو التكامل بين الاثنين، الرقية الشرعية لتعزيز الروح، والدواء النفسي لإعادة التوازن الكيماوي للدماغ.
الإمام والشيخ في الصومال هو الشخصية الأكثر ثقة وتأثيراً لدى عامة الناس، وأية مواجهة أو صدام مع المؤسسة الدينية التقليدية هي معركة خاسرة بالنسبة إلى الطب النفسي، والحل العملي يكمن في تنظيم دورات تدريبية للأئمة والدعاة لتمكينهم من التعرف على أعراض الأمراض النفسية والذهانية الخطرة، ليكونوا هم خط الدفاع الأول الذي يحيل المرضى من المسجد إلى العيادة الطبية.
وهنا يوضح الدكتور شيخ عمر أن الاضطرابات الأكثر شيوعاً بين الشباب اليوم هي الاكتئاب واضطرابات القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، والإدمان المركب على القات والمواد المخدرة، أما الفرق الفارق بين الجيلين فجيل الحرب الآباء تغلب على حالاتهم الكوابيس واسترجاع مشاهد القتل والمجازر والذهان المباشر، وجيل ما بعد الحرب الشباب يعانون القلق المزمن الضياع وفقدان الأمل في المستقبل، لأنهم ولدوا في بيئة لم تتوقف فيها القلاقل الأمنية والنزوح الداخلي مما يجعل صدمتهم متجددة يومياً .
وتتجلى الخطورة الكبرى للقطاع النفسي في الصومال في غياب المعرفة الثقافية والطبية بين قطاعات واسعة من الأهالي ينجم عن هذا الجهل تراكم حاد في حالات الإهمال التي تتجاوز مجرد الحرمان من العلاج لتصل إلى الانتهاك الجسدي والنفسي للمريض، وتقدر أعداد المرضى النفسيين المحتجزين داخل منازلهم أو في مصحات غير مرخصة ومربوطين بالسلاسل بآلاف الحالات، وتمارس عليهم هذه السلوكيات تحت ذريعة 'حماية المريض والمجتمع'، لكنها تؤدي استجابة عصبية عكسية تحول الاضطراب النفسي القابل للعلاج إلى ذهان مزمن ومستعص.
وعندما يترك المريض النفسي يعاني الضلالات والهلاوس السمعية والبصرية من دون تدخل دوائي أو علاج سلوكي يصبح أكثر عرضة لممارسة العنف القسري غير المنضبط وتتزايد حالات الاعتداء الجسدي والقتل العائلي أو حوادث الساطور والأسلحة البيضاء في الأحياء العشوائية، نتيجة انتكاسة نفسية حادة كان يمكن السيطرة عليها بجرعات دوائية بسيطة .
ويشكل المرضى النفسيون المتروكون في الشوارع من دون رعاية أهدافاً سهلة لعصابات الجريمة المنظمة 'شبكة الجيل الشبابي وجموع السرقات المسلحة'، إذ يسهل توظيفهم واستغلالهم عبر تزويدهم بالمخدرات الرخيصة والمواد السامة مما يحولهم من ضحايا لإهمال المجتمع إلى أداة لتهديد أمنه.

















