اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
مراقبون يحذرون من تغليب خيارات القوة واستغلال حركة الشباب للتصدعات وإعادة فرض سيطرتها وتوسيع نفوذها
تشهد الجمهورية الصومالية واحدة من أعقد المحطات السياسية وأكثرها خطورة في تاريخها الحديث، حيث تتسارع وتيرة التدهور في الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية وتتلقى جهود بناء الدولة ومؤسساتها الفيدرالية ضربات متتالية، جراء تصاعد الاحتقان واتساع رقعة الانقسامات، وبات النسيج الوطني على شفا التفكك إثر تعمق القطيعة بين مقديشو من جهة والولايات الإقليمية والقوى السياسية المعارضة من جهة أخرى.
ولعل التطور الأبرز والأشد خطورة في هذه الأزمة المتصاعدة يتمثل في الهزة العشائرية والأمنية العنيفة التي شهدتها ولاية 'هير شبيلي' في جنوب الصومال حيث أدى استمرار الخلافات الحادة والعميقة بين الحكومة المركزية وحكومة الولاية من جانب وكبرى قبائل الولاية 'قبيلة حوادلي' من جانب آخر إلى انسحاب الأخيرة الكامل من المسار الانتخابي ومقاطعته، وجاء تعميق هذه الأزمة عقب إعادة انتخاب رئيس الولاية السابق الذي ينتمي إلى القبيلة ذاتها التي ينتمي إليها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في خطوة عدتها القوى العشائرية والمعارضة تكريساً للإقصاء وتغليباً للنفوذ الفئوي والعائلي على حساب التوافق الوطني والشراكة السياسية.
وقد بلغت الأزمة ذروتها ببروز مؤشرات وانزلاقات خطرة تمثلت في جنوح أطراف عشائرية وازنة كانت تشكل رأس النواة الصلبة في قتال الإرهاب نحو عقد تفاهمات واتفاقات تهدئة مع حركة الشباب الإرهابية نتيجة الشعور بالخذلان والتهميش، وتزامن هذا التحول الدراماتيكي مع إصرار الحكومة الفيدرالية في 'فيلا صوماليا' على استخدام أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية لترهيب الخصوم وتكميم ألسنة المعارضة وتثبيت أمر واقع أحادي.
ويرى مراقبون أن هذا الإصرار الحكومي على تجنب لغة الحوار وتغليب خيارات القوة يعرض الصومال لأخطار الفوضى الشاملة ويجهز على كل المكاسب الأمنية والاقتصادية مفسحاً المجال أمام حركة الشباب والجهات المعادية لاستغلال هذا الفراغ والاستفادة القصوى من التصدعات العشائرية لإعادة فرض سيطرتها وتوسيع نفوذها في البلاد.
وجه الرئيس الصومالي السابق ورئيس تحالف القوى الوطنية شريف شيخ أحمد رسائل حادة ومباشرة إلى الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود، معبراً عن رفضه التام للحسم العسكري والأحادي، مشيراً إلى أن الخلاف القائم حول الولاية الدستورية للمؤسسات الحالية لا يمكن حسمه بالقوة أو بالقرارات الأحادية، بل عبر الحوار الوطني والتوافق والأطر الدستورية والقانونية.
أوضح شيخ أحمد أن 'الحكومة الحالية استغلت أجهزة الدولة ضد المعارضة' رافضاً 'استخدام القوات الأمنية والمؤسسات العسكرية للضغط على الخصوم السياسيين أو التهديد بالقوة لأن المعارضة ليست عدواً للدولة وأن استخدام القوة سيفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب والانقسام'، داعياً القوى السياسية والاجتماعية والمدنية إلى بناء جبهة وطنية واسعة وموحدة تهدف لإنقاذ الصومال وحماية الدستور، وضمان التداول السلمي للسلطة بعيداً من الإقصاء، منبهاً إلى معاناة المواطن الصومالي من التضخم وارتفاع كلف المعيشة والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية، داعياً الحكومة إلى التركيز على هذه الأزمات بدلاً من إشغال الرأي العام بمعارك سياسية جانبية.
تأتي تحذيرات المعارضة بالتزامن مع تصاعد التوتر في ولاية جلمدغ الإقليمية، حيث توجه اتهامات للحكومة الفيدرالية بالسعي إلى فرض نفوذها ودعم مرشحين محددين لرئاسة الولاية، ومن بين الشخصيات البارزة المطروحة في المشهد السياسي بولاية جلمدغ المرشح الرئاسي ليبان أحمد حسن الذي أعلن حزب العدالة والتضامن ترشيحه لخوض الانتخابات الرئاسية في الولاية، وعلى رغم تسويق حملته تحت شعارات التوافق والاستقرار، فإن أطرافاً في المعارضة تتهم السلطات الحكومية بدعم شخصيات تلاحقها شبهات واتهامات حول ضلوعها في أنشطة غير مشروعة لتعزيز السيطرة السياسية على حساب شفافية العملية الانتخابية.
أكدت تقارير دولية أنه في حال ثبوت تورط شخصيات سياسية أو قيادات ولايات في نشاطات غير مشروعة مثل تجارة السلاح أو المخدرات فإن التداعيات المستقبلية على الحكومة الفيدرالية ستكون جسيمة، وقد يؤدي ذلك إلى حجب المساعدات المالية والأمنية من الشركاء الدوليين 'كالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة' الذين يفرضون معايير صارمة للشفافية ومكافحة الجريمة المنظمة، منوهة إلى أن غض الطرف عن شبكات تجارة السلاح والمخدرات يتيح لجهات غير حكومية مثل حركة الشباب الحصول على التمويل والتسليح مما ينسف الجهود الأمنية ويقوض استقرار البلاد ويعزز فرض مرشحين مثيرين للجدل مما يتسبب في انشقاقات قبلية جديدة وتدهور للسلم الأهلي في ولاية جلمدغ والمناطق المجاورة.
تعيش الحكومة مرحلة يصنفها مراقبون بأنها 'الأشد خطورة' منذ أعوام حيث أدى غياب لغة الحوار وتهميش المكونات القبلية والولايات الإقليمية إلى انحسار نفوذ الحكومة الفيدرالية في مقديشو لمستويات حادة، تزامناً مع تصاعد الصراعات الداخلية وتمدد الفوضى الأمنية، حيث شكل تهميش قبيلة 'حوادلي' في محافظة هيران ضربة قاسية لتماسك الجبهة الداخلية ومسار الحرب على الإرهاب، إذ خاضت القبيلة وميليشياتها المحلية المعروفة 'ماعويسلي' حروباً طاحنة ضد حركة الشباب، إلا أن إعادة انتخاب قيادة ولاية 'هير شبيلي' برعاية وتأييد حكومي وتجاهل المظالم التاريخية وتوزيع النفوذ السياسي أثارت غضب أعيان وقيادات 'حوادلي' مما دفعهم لمقاطعة العملية الانتخابية في الولاية ورفض مخرجاتها.
يقول المختص السياسي في شؤون القرن الأفريقي عثمان محمد عبدي، إن الشعور بالخذلان السياسي من حكومة 'فيلا صوماليا' دفع قيادات قبلية إلى إبرام تفاهمات واتفاقات تهدئة محلية مع حركة الشباب في مناطق مثل محاس، متوقفين عن القتال إلى جانب القوات الحكومية حيث أضعف هذا الانشقاق الخطوط الدفاعية في ولاية هيرشبيلي وشكل انتكاسة استراتيجية لعمليات مكافحة الإرهاب متيحاً للحركة إعادة الانتشار والتمدد.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن اعتماد الحكومة الفيدرالية خيار الإقصاء والتجاهل للغة الحوار واستبدالها بلغة التهديد أو فرض الأمر الواقع خلق بيئة مثالية لانتشار الفوضى، لا سيما استشعار المكونات القبلية أن الدولة تستخدم مؤسساتها للتهميش بدلاً من الحماية والتنمية، فاتجهت لخيارات براغماتية لحماية مناطقها حتى لو استدعى ذلك التحالف أو مهادنة حركة الشباب، وبخاصة أن الحركة تستغل مظالم القبائل وصراعاتها مع الحكومة المركزية لتسويق نفسها كبديل أو كطرف يقدم حماية واستقراراً محلياً مما يعيد تمويل وتغذية صفوفها.
يأتي تصاعد الاحتقان القبلي متزامناً مع اتساع نطاق القطيعة بين مقديشو وأقاليم محورية، إذ تشهد مدينة بيدواة، عاصمة ولاية جنوب الغرب، اشتباكات ونزاعات مسلحة على خلفية الشرعية وتمديد الولايات، في حين أعلنت ولايتا بونت لاند وجوبا لاند قطع علاقتهما المؤسسية والأمنية مع الحكومة المركزية، احتجاجاً على التعديلات الدستورية الأحادية. وفي الشمال تضاعفت علاقات صوماليلاند الإقليمية والدولية من الضغوط الجيوسياسية على مقديشو مترافقة مع تقارير حول مساع إسرائيلية وإقليمية لاستغلال هشاشة الدولة المركزية وتفكك جبهتها الداخلية للبحث عن موطئ قدم على خليج عدن والبحر الأحمر.
في المقابل ترى السلطة الفيدرالية أن التعديلات الدستورية والإجراءات الانتخابية تهدف بالأساس إلى إنهاء مرحلة المحاصصة العشائرية التقليدية 4.5 والانتقال بالبلاد إلى الاقتراع المباشر 'صوت واحد للشخص الواحد' لتأسيس دولة المؤسسات حيث قد تشكل بعض المعارضات القبيلية مقاومة من زعامات تقليدية تحاول الحفاظ على نفوذها التاريخي خارج أطر القانون.
ويرى مراقبون أنه لمنع انهيار الدولة كلياً وإنقاذ ما يمكن إنقاذه يجب على الحكومة الفيدرالية اتخاذ خطوات تصحيحية عاجلة والعودة الفورية إلى الحوار الوطني الشامل وإلغاء القرارات الأحادية، وتشكيل طاولة حوار تجمع رؤساء الولايات الإقليمية بما فيها بونت لاند وجوبا لاند وقوى المعارضة لبناء توافق على الأطر الانتخابية والدستورية وفتح قناة تواصل مباشرة مع أعيان وقيادات القبائل، وإعادة النظر في التوزيع السياسي والمكتسبات الإقليمية في كافة الولايات الصومالية، وإعادة بناء الثقة والكف عن استخدام أجهزة الدولة ضد الخصوم، وحياد الجيش والأجهزة الأمنية والتركيز الحصري على حرب الجماعات الإرهابية بدلاً من استغلالها في المعارك السياسية ضد المعارضة والولايات.
غير أن المؤسسات المالية والدولية وفي مقدمها البنك الدولي والبعثات الأممية تحذر من أن استمرار الانسداد السياسي واستخدام لغة التهديد يهددان المكاسب المتحققة في ملفات إعفاء الديون وبناء الأجهزة الأمنية، داعية إلى تقديم تنازلات متبادلة ووضع خريطة طريق متوافق عليها، وتجنب حالة المكابرة التي لن تفضي إلا إلى اتساع الفراغ الأمني وسيادة أمراء الحرب لتكون حركة الشباب المستفيد الأكبر والوحيد من هذا الشلل السياسي.

















