اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣١ أيار ٢٠٢٦
المرض المعروف بمعدل إماتة مرتفع وسرعة تفشٍّ كبيرة بات اليوم على مقربة من دولة تعاني أساساً هشاشة أمنية وتدفقات مستمرة للنازحين
تواجه الصومال اليوم واحدة من أعقد الأزمات الصحية في تاريخها الحديث، فبينما تكافح الكوادر الطبية والمؤسسات الحكومية بصعوبة بالغة لاحتواء مجموعة من الأوبئة الفتاكة المستوطنة والمنتشرة في أرجاء البلاد، يلوح في الأفق خطر جديد ومجهول كلياً بالنسبة إلى البيئة الطبية الصومالية، وهو فيروس 'إيبولا' القاتل.
هذا الفيروس الذي بدأ يثير مخاوف حقيقية من احتمال تسلله عبر الحدود البرية والبحرية، يضع النظام الصحي الصومالي المنهك أمام اختبار مصيري وسط تساؤلات ملحة يطرحها خبراء الصحة العامة: ماذا سيحدث لو عبر الفيروس الحدود ووصل إلى منظومة صحية تقترب من نقطة الانهيار؟
قال مستشار الصحة العامة في وزارة الصحة الفيدرالية الصومالية عبدالمجيد سعيد في حديث خاص، إنه لم يسبق للصومال أن سجلت تاريخياً أي إصابة بفيروس 'إيبولا'، لكن التقارير الطبية الأخيرة الواردة من منطقة شرق ووسط أفريقيا، والتي تفيد بتجدد المخاوف من انتشار الفيروس، دقت ناقوس الخطر في العاصمة مقديشو، إذ إن الفيروس المعروف بمعدل إماتة مرتفع وسرعة تفشيه المرعبة، بات اليوم على مقربة من دولة تعاني أساساً من هشاشة أمنية وتدفقات مستمرة للنازحين.
الخطورة الأكبر لا تكمن فقط في شراسة الفيروس بحد ذاته، بل في طبيعة الحدود الصومالية، فالبلاد تشترك في حدود برية شاسعة ومفتوحة مع إثيوبيا وكينيا ويتحرك عبرها آلاف الأشخاص يومياً من رعاة ماشية وتجار وعمال مهاجرين وعائلات نازحة بسبب الجفاف والنزاعات المسلحة.
هذه الحركة الكثيفة تحصل عبر معابر رسمية وأيضاً والأخطر عبر مئات المعابر غير الرسمية الترابية التي يستحيل على السلطات فرض رقابة صحية كاملة عليها. ويعترف مسؤولو الصحة العامة صراحة بأن رصد وتتبع كل حركة بشرية عبر هذه الحدود الطويلة هو أمر شبه مستحيل عملياً.
أمام هذا التهديد الوجودي، تحركت الحكومة الفيدرالية الصومالية بصورة عاجلة لتفعيل تدابير الاستعداد والجاهزية لحالات الطوارئ. وفي هذا السياق، استضاف مركز عمليات طوارئ الصحة العامة الصومالي اجتماعاً رفيع المستوى ترأسته وزيرة الصحة بالإنابة مريم محمد حسين بحضور نائب وزير الصحة محمد حسن بولالي، إلى جانب قيادات من معهد الصحة الوطني وممثلين عن المستشفيات الخاصة والشركاء الدوليين، وعلى رأسهم منظمة الصحة العالمية والشبكة الأفريقية لعلم الأوبئة الميداني والمنظمة الدولية للهجرة.
طالب الاجتماع في الخروج بآليات عمل فورية على الأرض، إذ جرى الاتفاق على خطة عمل طارئة مدتها 3 أيام، يتبعها إطار جاهزية متكامل لمدة سبعة أيام بهدف تسريع وتيرة الاستعداد الوطني. وركزت الاستراتيجية على تعزيز نظم المراقبة والإنذار المبكر لضمان رصد أي حالة مشتبه فيها فوراً، وتكثيف مراقبة الحدود وتشديد الفحوصات الطبية في الموانئ والمطارات والمنافذ البرية الرئيسة، ورفع جاهزية المختبرات الوطنية لتكون قادرة على فحص العينات محلياً ومن دون تأخير، وتطوير أنظمة الإبلاغ السريع لربط المراكز الطبية الطرفية بالعاصمة مباشرة وتطبيق إجراءات الوقاية من العدوى ومكافحتها، مع التركيز على تدريب العاملين في الخطوط الأمامية على الاستخدام الصحيح لمعدات الحماية الشخصية وتوزيع الأدلة الإرشادية المحدثة.
وعلى رغم هذه التحركات الحكومية المكثفة على الورق، فإن خبراء الصحة العامة يحذرون من فجوة هائلة بين الخطط الاستراتيجية والواقع المرير الذي تعيشه المستشفيات والعيادات الصومالية يومياً. فالصومال لا تواجه خطراً مستقبلياً فحسب، بل هي غارقة بالفعل في مستنقع من الأوبئة النشطة المتعددة. ووفقاً لآخر نشرة وبائية رسمية صادرة في البلاد، تواجه الصومال حالياً خمسة تفشيات لأوبئة نشطة وفتاكة في وقت واحد، وهي الكوليرا والحصبة وحمى الضنك والإنفلونزا الحادة والدفتيريا.
أضاف المستشار الأول في مجال الصحة العامة عبدالمجيد سعيد أن الصومال لم تعد تستجيب لتفشي مرض واحد، فالنظام الصحي يتعامل مع أوبئة متعددة مثل الحصبة والدفتيريا في الوقت ذاته، ودخول فيروس مثل إيبولا إلى هذه البيئة المشبعة بالأمراض سيخلق ضغطاً هائلاً وفورياً يؤدي إلى شلل المنظومة بالكامل. وما يزيد الوضع قتامة، هو المؤشرات الإحصائية، ففي أسبوع واحد فقد خلال مايو (أيار) الجاري، تلقت السلطات الصحية أكثر من 5000 بلاغ وتنبيه عن أمراض معدية في جميع أنحاء البلاد، وهذه الأرقام المرعبة على ضخامتها لا تعكس الحقيقة الكاملة للوضع الصحي في الصومال. ويؤكد مسؤولو الرقابة الصحية أن الإحصاءات الرسمية ليست سوى قمة جبل الجليد، ففي المناطق الريفية والبلدات النائية ينهار النظام الرقابي تماماً نتيجة محدودية وصول الرعاية الصحية وضعف تآكل نظم المراقبة والاتصال، والاضطرابات الأمنية المستمرة التي تمنع فرق التقصي الوبائي من الوصول إلى بؤر التفشي. وهذا الوضع يعني عملياً أن بعض الأوبئة قد تظهر وتنتشر وتحصد أرواح العشرات لأسابيع طويلة، قبل أن تصل أنباؤها إلى وزارة الصحة في مقديشو.
تقول ضابط مراقبة وبائية في مقديشو في تصريح خاص، 'في المناطق النائية قد يموت الناس من دون أن يتمكنوا من الوصول إلى عيادة طبية أو تسجيل وفاتهم في أي نظام حكومي، والضحية الأكبر لهذه الفوضى الصحية هم الأطفال. وتعد الحصبة العدو الأول لأطفال الصومال حالياً، لا سيما أولئك الذين هجرتهم موجات الجفاف المتلاحقة والصراعات، وعاشوا في مخيمات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات النظافة وسوء التغذية الحاد. وخلال الأسبوع الوبائي الـ20 وحده، جرى تسجيل قرابة 300 حالة إصابة مشتبه فيها بالحصبة، معظمهم من الأطفال لم يبلغوا السن الخامسة'.
تعتمد الصومال على إطار عمل تفاعلي، حيث تسرع لمكافحة الأوبئة القابلة للمنع بعدما تضرب، بدلاً من امتلاك نظام صحي دفاعي واستباقي طويل الأمد. وهذا يوضح تماماً لماذا يمكن لمرض فتاك وسريع الانتشار مثل 'إيبولا' أن يصيب الشبكة الصحية الحالية بالشلل التام في أيام معدودة.
تجمع القراءات الطبية الميدانية والتحليلات الاستقصائية على أن المعضلة الحقيقية التي تواجه الصومال اليوم ليست مجرد مسألة جغرافية أو قدرة الفيروس على عبور النطاق الحدودي من عدمه. فالحدود في شرق أفريقيا أصبحت شبه وهمية أمام الفيروسات السريعة بفعل التنقل المستمر، والقضية الأساسية هي هل تمتلك الصومال القدرة الحقيقية والمنظومة الحية لاكتشاف الحالة الأولى المصابة فور دخولها ووقت حدوثها المبكر، بما يكفي لمحاصرتها وإيقافها.
لا تتوقف تحديات مواجهة 'إيبولا' في الصومال عند حدود نقص التمويل والمعدات الطبيعية، بل تتعداها إلى معركة شرسة أخرى وهي معركة الوعي والثقة. فخلال 'كوفيد-19'، ظهرت نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي الصومالية وبين التجمعات السكانية بسرعة تفوق انتشار الفيروسات نفسها. هذا التضليل قاد في كثير من الأحيان إلى عزوف المواطنين عن تلقي العلاج أو اللقاحات وأحبط حملات التوعية الحكومية.
حذر أحد الخبراء مدينة بيدوا جنوب غربي الصومال من طبيعة 'إيبولا' المرعبة وأعراضها النزفية، مما قد يثير موجة غير مسبوقة من الذعر الجماعي والإشاعات إذا لم يدار ملف التواصل المجتمعي بحذر شديد وشفافية مطلقة. فالناس في حاجة إلى أصوات يثقون بها.

















