اخبار الصومال
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ أيار ٢٠٢٦
شبكة 4 جي تغطي 70% من سكان البلاد والجيل الخامس تتوسع بالمدن منذ إطلاقها عام 2024
في قلب العاصمة الصومالية مقديشو حيث تتشابك حركية الأسواق التقليدية مع تطلعات جيل جديد يبحث عن موطئ قدم في الاقتصاد العالمي الجديد، صيغت شراكة استراتيجية تمثل نقطة تحول محورية في مسار التحول الرقمي لمنطقة القرن الأفريقي. ففي خطوة تهدف إلى كسر قيود الأمية الرقمية وتذليل العقبات الاقتصادية أمام الفئات الأكثر احتياجاً أعلنت 'هرمود تلكوم' المزود الرائد لخدمات الاتصالات في الصومال بالتعاون مع 'غيت فون' المحلية المتخصصة في تمويل الأجهزة عن إطلاق أول برنامج مهيكل ومستدام لتمويل الهواتف الذكية في وسط وجنوب الصومال.
هذه المبادرة التي جرى الإعلان عنها خلال مايو (أيار) الجاري لا تستهدف بصورة مباشرة إلا معالجة واحدة من أعقد المشكلات الهيكلية في الأسواق النامية كفجوة القدرة المالية على تحمل الكلف، فبينما يمتلك الصومال بنية تحتية متطورة لشبكات الجيلين الرابع والخامس تغطي مساحات شاسعة يظل نحو نصف المشتركين عاجزين عن ولوج شباك الإنترنت الفسيح بسبب الكلفة المرتفعة للهواتف الذكية مقارنة بمستويات الدخل.
تعاني الأسواق المنخفضة الدخل في القارة الأفريقية مفارقة صارخة، فالشبكات الخلوية الحديثة متوافرة والجهود الاستثمارية للقطاع الخاص مستمرة إلا أن نسبة نمو واكتساب المشتركين خدمات البيانات تظل دون الطموح، ويمثل الصومال نموذجاً حياً لهذه المفارقة.
وعلى مدى العقدين الماضيين قادت 'هرمود' استثمارات رأسمالية ضخمة لتحديث قطاع الاتصالات الصومالي على رغم التهديدات الأمنية والإرهابية في البلاد، خلال تلك الفترة، وشملت الاستثمارات خطوات عملاقة غيرت وجه القطاع عبر إدخال شبكات الألياف الضوئية التي ربطت المدن الرئيسة وشكلت العصب الفقري لنقل البيانات، إضافة إلى الكابلات البحرية والمشاركة في تمويل كابلين بحريين للإنترنت لضمان استمرارية الخدمة وربط الصومال بالعالم الخارجي بسعات تدفق هائلة وتطوير شبكات المحمول جرى توفير تغطية شاملة لشبكات الجيلين الثالث والرابع في جميع أنحاء البلاد.
وباتت شبكة 4 جي تغطي اليوم أكثر من 70 في المئة من سكان الصومال البالغ عددهم نحو 19 مليون نسمة، لا سيما أنه جرى إطلاق الجيل الخامس كأول خدمة في البلاد عام 2024 وهي تتوسع حالياً في مدن كثيرة.
وعلى رغم هذه الشبكة العنكبوتية المتقدمة التي تحوم فوق رؤوس الصوماليين فإن 48 في المئة من قاعدة مشتري ومستخدمي أجهزة 'هرمود' الحالية التي تضم ما يزيد على 4 ملايين مشترك لا تزال حبيسة شبكات الجيل الثاني والهواتف التقليدية المعروفة بالهواتف الغبية، إذ إن العائق الأساس لم يعد البرج القائم في الأفق بل الهاتف الغائب عن الجيب، ففي بلد يبلغ متوسط دخل الفرد فيه من الفئات المستهدفة نحو 150 دولاراً أميركياً خلال الشهر يمثل الشراء الفوري لهاتف ذكي حديث عبئاً مالياً لا يمكن تحمله مما يحرم الملايين من فرص واعدة للاستثمار والتعليم والاندماج المالي .
لمواجهة هذا التحدي صممت 'هرمود' و'غيت فون' برنامجاً تمويلياً مرناً يرتكز على الفهم العميق لطبيعة المجتمع الصومالي ونمط الدخل اليومي والأسبوعي لأصحاب المهن الحرة والصغيرة. وتبنت شركة 'غيت فون' نموذجاً تمويلياً مبنياً بالكامل على صيغ التمويل الإسلامي المتوافق مع الشريعة الإسلامية، وهذا النهج يزيل الحرج الديني عن المستهلكين ويحميهم من تشوهات الفوائد المركبة التي قد تثقل كاهل ذوي الدخل المحدود، وبدلاً من اللجوء إلى المعاملات المصرفية التقليدية التي تشترط وثائق معقدة وضمانات تعجيزية لا تتوفر لدى غالبية المجتمع الصومالي، إذ إن الابتكار الحقيقي في هذا البرنامج يكمن في دمج القيمة، إذ لا يدفع العميل قسط الهاتف منفصلاً عن كلفة الاستخدام بل جرى تصميم باقة موحدة ومدمجة.
كان في الوضع السابق للمستهلك ينفق العميل الصومالي في المتوسط المعتاد نحو 0.50 دولار يومياً للحصول على باقة إنترنت بحجم 1 غيغا بايت و40 دقيقة اتصال، بينما النموذج التمويلي الجديد يتيح البرنامج للمستخدم دفع 0.60 دولار يومياً بزيادة 10 سنتات فقط عن إنفاقه المعتاد هذه الزيادة الطفيفة لا تغطي الباقة اليومية المكونة من 1 غيغا بايت و40 دقيقة مكالمات فحسب، بل تتضمن أيضاً سداد قسط الهاتف الذكي .
وتظل واحدة من كبرى العقبات التي تواجه برامج التمويل في الدول النامية هي غياب السجلات الائتمانية الرسمية لغالبية السكان، لكن ما ساعد الشركة في الصومال هو البنية الائتمانية الرقمية الفريدة التي يمتلكها المجتمع عبر منصات الدفع الذكية لا سيما وأن 'هرمود' تمتلك منصة 'إي في سي' وهي منصة الدفع الإلكتروني والمحفظة النقدية الأكثر انتشاراً في البلاد والتي تعمل تحت إشراف ورقابة البنك المركزي الصومالي وتمثل العمود الفقري للمعاملات المالية اليومية للأسر والشركات.
جاءت نتائج هذه المرحلة التجريبية لتكسر الأفكار النمطية السائدة حول ارتفاع أخطار الإقراض للفئات الفقيرة، وسجلت المبادرة معدلات تعثر شبه منعدمة استقرت نسب التخلف عن السداد والتعثر عند مستويات أقل من أربعة في المئة، وهي نسبة تقل بكثير عن معدلات التعثر في القروض الاستهلاكية لدى كبريات المؤسسات المصرفية التقليدية في أسواق أكثر استقراراً.
وأثبت المشاركون الذين يبلغ متوسط دخلهم الشهري نحو 150 دولاراً قدرة عالية على التكيف والالتزام باقتطاع مبلغ 18 دولاراً شهرياً بانتظام من دون التعرض لضغوط معيشية أو عسر مالي.
وراء الأرقام الصامتة والإحصاءات الجافة تقبع تحولات إنسانية واجتماعية عميقة غيرت نمط حياة الأفراد، إذ تقول حليمة لـ'اندبندنت عربية' إنها 'عاملة منزلية في أحياء مقديشو، حيث تقضي وقتها بين الطهي والتنظيف والغسل لتأمين قوت يومها، وقبل انضمامها إلى البرنامج كانت تعيش في عزلة رقمية ومعرفية شبه كاملة وتعتمد بصورة كلية على الآخرين للحصول على الأخبار والمعلومات الأساسية وعاجزة عن التواصل مع أقاربها، والحصول على هذا الهاتف الذكي جعلني أشعر كأنني كنت أعيش في الظلام بالأمس '.
أما عمر محمود، وهو مزارع صومالي يبلغ من العمر 59 سنة، فقد شكلت له خطة السداد المرنة الفرصة الوحيدة لامتلاك هاتف ذكي، إذ كان من المستحيل عليه توفير ثمن الجهاز دفعة واحدة، في ظل شح السيولة النقدية وموسمية الدخل الزراعي، وهذا ساعده على الزراعة الذكية والتواصل العابر للقارات .
وقال مصدر مطلع في وزارة الاتصالات الصومالية إنه لا ينبغي النظر إلى برنامج تمويل الهواتف الذكية في الصومال باعتباره مجرد مبادرة تجارية تهدف إلى بيع الأجهزة، بل هو أداة لتمكين رأس المال البشري وتحفيز عجلة الاقتصاد الكلي، وتستند المبادرة في مستهدفاتها التنموية إلى دراسات رصينة عن البنك الدولي والاتحاد العالمي للاتصالات المتنقلة، كذلك فإن توفير الوصول إلى شبكة الإنترنت والنطاق العريض المتنقل يسهم في رفع معدلات استهلاك الأسر بنسبة تصل إلى ثمانية في المئة بصورة سريعة، ويعود ذلك إلى كفاءة إدارة النفقات والوصول إلى أسواق أفضل لبيع المنتجات وتقليل الكلف والمعاملات والبنية التحتية.
وأوضح المتخصص التقني مهندس أحمد حمدان، أن الهاتف الذكي يتيح لصغار التجار والحرفيين والمزارعين عرض منتجاتهم وتسويقها مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المتخصصة، مما يلغي دور الوسيط ويضمن هوامش ربح عادلة، ويمثل الهاتف نافذة معرفية لا غنى عنها للطلاب والشباب الصومالي للوصول إلى منصات التعليم المفتوح وتعلم اللغات واكتساب المهارات الرقمية كالتصميم والبرمجة ويفتح آفاقاً جديدة للتوظيف والعمل الحر.
وبين أن الاقتصاد الصومالي يعتمد بصورة كبيرة على تحويلات المغتربين الصوماليين في الخارج، ويسهل الهاتف الذكي تتبع وإدارة هذه التدفقات المالية العائلية ويوفر بيئة اتصال مرئية ومستمرة تعزز الاستقرار الأسري والاجتماعي، بخاصة أن الخطة تستهدف ضخ 10 آلاف جهاز خلال يونيو (حزيران) المقبل وتشغيلها في السوق الصومالية، لكن سيجري تسريع وتيرة العمل للوصول إلى أكثر من 100 ألف جهاز ذكي بناية العام الحالي، وأضاف 'لن تقتصر الحملة على مناطق وسط وجنوب الصومال فحسب، بل ستشهد الفترات المقبلة نقلاً للتجربة إلى أقاليم بونت لاند وصوماليلاند لضمان تغطية جغرافية وطنية شاملة' .
ولن تقتصر الوظائف الجديدة على مندوبي المبيعات أو فنيي الصيانة التابعين للشركات فحسب، بل إن دخول 100 ألف مستخدم جديد إلى الفضاء الرقمي سينشئ منظومة عمل موازية من صناع المحتوى ومسؤولي المبيعات الرقمية ومقدمي الخدمات اللوجيستية وتوصيل الطلبات، مما يدعم شريحة عريضة من الشباب الباحثين عن عمل.
ببساطة هذه المبادرة تترجم الطموحات النظرية الكبرى لرؤية الصومال وأجندة خطة التحول الوطنية إلى واقع ملموس يعيشه المواطن الصومالي البسيط في يومه من خلال إزالة الجدار المالي السميك الذي يحول بين الفرد والهاتف الذكي لبقية الدول الأفريقية والنامية التي تعاني التحديات ذاتها.

















