اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ أب ٢٠٢٦
عقلية الإقصاء تجعل المجتمع يعيش حالة من الاصطفاف القطيعي الذي يصعب من عملية المصالحة ويجعل صوت الشعبوية الغاضبة فوق صوت العقل الهادئ
'الفتنة أشد من القتل'، بكثير من الهدوء أراقب ما يجري من نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، في الجزائر وبين الجزائريين، حول موضوعات ذات أهمية بالغة على المستوى التربوي والسياسي والأيديولوجي والديني واللغوي والثقافي، ولكني ألمس بأن هذا يحدث داخل توتر مدجج بفائض من كمية الغضب والحقد والعنف اللساني.
فمهما كانت الموضوعات جادة وحادة وراهنة إذا لم يتصف النقاش فيها وحولها باحترام مساحة الاختلاف والحق فيه والإيمان بأن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، ولم يتخلص من أمراض النوايا المسبقة والأحكام الجاهزة، فإن نتائج هذا الحوار تزيد من التأزم بين الأطراف وتغرق الموضوعات المتناقش حولها في وحل الأيديولوجيا والصراخ الذي يدل على اختلاط الحابل بالنابل، وفي المحصلة يخطئ الحوار أهدافه، بل يفرض حالة سلبية نفسية وسياسية بين النخب ويفسد كل مشروع بناء مشترك أو يؤجله إلى حين.
بعد عشرية دموية كابوسية لم تترك عائلة جزائرية واحدة لم تصب فيها برزء ولم تفقد فيها عزيزاً، وبعد محاولة تفكيك الدولة من أساسها والإجهاز الكامل على جميع مشاريع التنمية وتخريب كثير مما كان قائماً لصالح المواطن، ولو على نقصانه وعلاته، ها نحن اليوم نشعر وكأنما هناك قوى إرهابية تريد أن تعود بالبلد مرة أخرى إلى المربع نفسه، فسيادة خطاب الكراهية والإقصاء والتحريض على القتل والدعوة العلنية إلى الجريمة باسم الدفاع عن قيم معينة موهومة، كلها مؤشرات على أن المجتمع يدخل مربع الخطر.
إن أخطر شيء يعيشه المجتمع هو الوصول إلى درجة يصبح فيها خطاب العنف والتطرف مبتذلاً في أوساط النخب السياسية والثقافية والتربوية، ويتم تعميمه على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يتصالح المواطن معه ويتعود عليه في سلوكه اليومي، وفي مثل هذه الحالة فإننا ندفع ونجهز المجتمع إلى حالة من الانتحار العلني الجماعي.
إن عقلية 'نلعب وإلا نحرم'، التي هي عقلية الإقصاء والإقصاء المضاد، تجعل المجتمع يعيش حالة من الاصطفاف القطيعي الذي يصعب من عملية المصالحة ويجعل صوت الشعبوية الغاضبة فوق صوت العقل الهادئ، ويجعل رأي العدد - أي الكم - قبل رأي القلة الناجعة، ومثل هذا الوضع نلاحظه في المجتمع الجزائري الراهن، إذ أصبحت النخب الفكرية رهينة لصوت الشعبوية والغوغاء.
وفي مثل هذه 'المعمعة' الغامضة والقائمة على ثقافة العنف لا يمكننا مطلقاً تعميق الحوار ولا يمكننا الوصول إلى نتائج نافعة تدفع بالبلاد إلى الأمام، لا في باب التربية والتعليم ولا في المسألة اللغوية ولا في مسألة الهوية ولا حتى في مسألة قراءة التاريخ الوطني.
الاختلاف أمر محمود وضروري، ما في ذلك شك، لكن عندما يتحول النقاش الفكري إلى 'مصارعة الثيران'، فاعلم بأن هناك من يبحث عن إشعال نار الفتنة.
لقد كانت قضية المدرسة الجزائرية منذ مطلع الاستقلال وحتى نهاية السبعينيات ميدان نقاش يأخذ مرات بعداً سياسياً وتارة أيديولوجيا وتارة لغوياً ومرات قليلة تربوياً، ومثل هذا حدث في كثير من الدول الأخرى في الجنوب كما في الشمال.
لقد شاركت في هذا النقاش أطراف مختلفة من النخب السياسية والفكرية من سياسيين ووزراء وسفراء ورجال دين ومفكرين جامعيين في علم الاجتماع والتربية والفلسفة، فحتى مطلع الثمانينيات كان النقاش يدور بصورة خاصة حول مسألة الازدواجية اللغوية في التعليم، أي اعتماد العربية والفرنسية، ومن ذلك نذكر النقاشات التي دارت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما بين مصطفى الأشرف وأحمد طالب الإبراهيمي وعبدالله شريط ومحمد سعيدي وعبدالله ركيبي وبشير حاج علي وتركي رابح وغيرهم، وقد تميز هذا النقاش بأخلاق عالية من دون تكفير أو تخوين بين النخب المشاركة فيه التي كانت غالبيتها في مناصب سامية في الدولة أو في قيادة الحزب الوحيد آنذاك، كان الغرض من هذا الحوار في ظل دولة مركزية قوية هو التفكير المتعدد في رسم مصير لمدرسة الغد.
كانت نخب هذا الجيل تناقش الازدواجية اللغوية في المدرسة الجزائرية وفي غالبيتهم كانوا مزدوجي اللغة بمستويات متفاوتة، بعضهم من خريجي المدرسة الفرانكو - إسلامية، وآخرون من جمعية العلماء المسلمين، وقد تميز النقاش بخطاب عالم ومحترم على رغم الهوة الفكرية والأيديولوجية التي كانت موجودة بين أطرافه. وأعتقد أن هذا الهدوء في النقاش على رغم الاختلاف كان سببه أولاً وقبل كل شيء الشعور بالانتماء إلى المدرسة الوطنية بكل أطيافها، وثانياً أن الجميع كانوا مرتبطين بقيم الثورة الجزائرية ويملكون ذاكرة حية ومستيقظة حيال الاستعمار.
ولكن هذا الحوار بدأ يتشنج أكثر فأكثر ويخرج عن الرصانة وعن العقل، وبدأت لغة العنف والإقصاء والتكفير والتخوين تدخل خطاب النخب، بالتزامن مع عودة بعض خريجي المدارس المشرقية والمشبعين بالفكر القومي الذي أصبح لاحقاً في الشرق من خبر كان، ففي الوقت الذي عادت فيه بلدان المشرق العربي التي كثيراً ما دافعت عن القومية إلى خندق الدفاع عن مصالحها الوطنية ومخططاتها التنموية الخاصة بكل بلد على حدة، ها نحن اليوم في الجزائر نعود لمثل هذا النقاش الأيديولوجي الذي أصبح متجاوزاً، بل أصبح في مرات كثيرة عائقاً في وجه التنمية والتقدم في بلدان كثيرة (سوريا، السعودية، مصر، بلدان الخليج)، لقد أصبحت نخب هذه البلدان تدافع عن وطنها بمقوماته الخصوصية في ظل خطة تنموية خاصة بكل بلد.
كما أن صعود تيار الإسلام السياسي بطبعاته المختلفة (من السلفية الجهادية إلى الداعشية مروراً بالإخوان المسلمين)، الذي غزا الجزائر قادماً من بلدان المشرق العربي سواء عن طريق البعثات الطلابية، أو عن طريق جيوش المعلمين والأساتذة المشارقة الذين جاؤوا الجزائر كمتعاونين تقنيين في التربية والتعليم، ولاحقاً في الجامعة، والذين كونوا الأجيال التي تتناقش اليوم حول المدرسة الجزائرية، أو عن طريق كثير من المنشورات والكتب التي كانت توزع مجاناً في الجزائر من دون حسيب ولا رقيب، وكذلك تلك التي أغرقت معرض الجزائر الدولي للكتاب لسنوات وبأسعار بخسة، وقبل وصول ظاهرة الإسلام السياسي العنيف كان إسلام الجزائريين إسلاماً معتدلاً لا يتوقف عند توافه الأمور كلباس المرأة القصير أو الطويل أو لحية الرجل أو تنظيف الأسنان بعود عرق السوس أو بمعجون الأسنان. لم يكن الفقيه الجزائري خياط ألبسة النساء ولا حلاق ذقون الرجال، كان إسلام الجزائريين هو إسلام جمعية المسلمين الجزائيين وإسلام الزوايا والطرق الصوفية الممتدة في قلب المجتمع، من الأمير عبدالقادر الجزائري، مروراً بالشيخ عبدالحميد بن باديس، وصولاً إلى الشيخ عبدالرحمن الجيلالي والشيخ أحمد حماني وعلي شنتير والشيخ عبدالقادر الزبير والشيخ المهدي البوعبدلي.
هذا الإسلام السياسي الذي جاءنا من بلدان المشرق، والذي تتم محاربته اليوم بشدة في هذه البلدان التي أغرقتنا فيه، مثل السعودية ومصر وسوريا، يشكل مرجعاً في كل نقاش جاد فيفرغه من بعده التربوي واللغوي ويدخله في باب التحليل والتحريم، والخيانة والتكفير.
هذه البلدان التي صدرت لنا ذات يوم هذه الأيديولوجيا القومية الشوفينية أو هذا الإسلام السياسي، والتي حولت بلداً كالجزائر كان بالإمكان أن يكون 'ألمانيا أفريقيا' لما يحتويه من إمكانات اقتصادية وطبيعية وبشرية وتجربة تاريخية فريدة وتنوع ثقافي منتج، - حولته - إلى ساحة لتجربة سياسية دموية ولنقاشات عنيفة ومتطرفة حول موضوعات مصيرية وجادة، هذه البلدان التي كانت مصدر الفتنة في بيتنا أصبحت اليوم مفتوحة ومنفتحة على الغرب، وتعتبره حليفاً استراتيجياً لها، فتفتح جامعة السوربون ملحقات لها في كثير من البلدان، ومثلها تفتح الجامعات الأميركية من دون خوف على هويتهم ولا على لغتهم أو دينهم.
في سنوات الستينيات وحتى منتصف السبعينيات، كان المواطن المشرقي (المصري أو السوري أو الخليجي) يقول كلما التقى الجزائري: أنتم مثل أوروبا، ويقصد بذلك ثقافتنا وسلوكنا الحضاري، ويعتبر ذلك حالة إيجابية، واليوم يصبح الجزائري أكثر مشرقية من المشرقي الذي كان ذات يوم يصنفنا من البلدان الأوروبية، ويصبح هذا المشرقي اليوم في جلد الأوروبي في السلوك وفي الفضاء وفي التعامل مع المرأة ومع الآخر.
لكن من أشعل الفتنة أيضاً في الجزائر مباشرة أو وبالوكالة؟ أما المهمة المباشرة فتقوم بها مجموعة من نخب اليمين المتطرف في فرنسا، المهيمنة على الإعلام والمال والسياسة، وهي نخب مريضة بالتاريخ، نخب تعيش في نوسطالجيا نيوكولونيالية، وتعاني عقدة سيكولوجية سياسية هي عدم قدرتها على تقبل فكرة استقلال الجزائر حتى اليوم، فهي لا تستطيع أن تتجرع هذه الحقيقة التاريخية، وأما من يشعل الفتنة بالنيابة فهي مجموعة من الأقلام التي تباع وتشترى في سوق نخاسة الإعلام والنشر الفرنسيين.
لكن علينا ألا نكون عدميين، ففي فرنسا هذه أيضاً لنا دياسبورا جزائرية كبيرة ونظيفة وتعد بالملايين (8 ملايين، إحصاءات غير رسمية)، ولنا من النخب الفرنسية من الصف الأول من السياسيين والمثقفين والسينمائيين والأدباء أصدقاء يعرفون ويقدرون تاريخ الجزائر ومكانتها ويسهمون في تطويرها ثقافياً وسياسياً واقتصادياً.
كما أن لنا في الدول العربية الشقيقة التي صدرت لنا الإرهاب والفكر الإخواني وحتى الفكر الداعشي في فترة معينة، لنا فيها أصدقاء كثر من النخب الوازنة في السياسة والفكر والإعلام والثقافة، بل إن بعض هذه الدول أصبحت اليوم على رأس المقاومة الردعية ضد هذا التطرف والتعصب، وعلى رأسها المملكة العرية السعودية التي تعمل اليوم بحكمة على إصلاح منظومتها التربوية وبصورة جذرية وعقلية تتماشى مع سلم القيم الإنسانية في العالم، لأنها أدركت بأن أية خطة تنموية في الاقتصاد والمال لا يمكنها أن تحقق أبعادها المرجوة إذا لم تكن محمية بمدرسة تضخ أجيالاً جديدة بعقلية نقدية صحيحة، كما أنه لا يمكن محاربة الإرهاب في الجبال والمدن وصناعته في المدارس.
إن الدرس الذي يجب أن يعرفه الجميع هو: يمكن لأعداء الجزائر مغالطة وتغليط جزء من الشعب، لكنهم لن يتمكنوا من تعميم وبائهم على الشعب كله، ويمكنهم حتى مغالطة وتغليط الشعب كله لفترة قصيرة لكنهم لن يقدروا على ترويضه على الدوام.




















