اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

آداب الأماكن العامة

آداب الأماكن العامة

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

هناك مصالح عامة تقتضي طبيعتها بذْل الانتفاع بها لعامة أفراد المجتمع حسب ‏المصلحة، وذلك كالطرق والأماكن العامة والمساجد، لكن لا يعني عمومها وإطلاق الانتفاع ‏بها أن يُتعامل معها بعشوائية وعلى مزاج كل مَن ارتادها، بل هناك قواعد شرعية وأنظمة ‏متقررة تنظم الاستفادة منها، وتلزم مرتاديها أن يتصرفوا بما يصب في مصلحة الجميع..

من فضل الله تعالى على الناس أن هيأ لهم في هذه الأرض ما يرتفقون به، من جميع ‏أصناف المخلوقات، ولكن هذه التهيئة مضبوطة بضوابط ‏كثيرة، تضمن لمن التزموا بها أن يقف كل منهم عند حدوده المشروعة، على مبدأ: (‌لا ‏‏‌تظلمون ‌ولا تُظلمون)، فشرعت أسباب للملكية الخاصة المعصومة بنصوص الشرع، والمحمية ‏بموجب النظام، بحيث لا يحق لفرد أن ينتهك أملاك غيره، كما شرعت وقننت الأملاك ‏العامة، وجعلت حمايتها والتصرف فيها مقصورةً على ولاة الأمر، فلا يسوغ منها إلا ما بذلوه ‏لمستحقه، وهناك مصالح عامة تقتضي طبيعتها بذْل الانتفاع بها لعامة أفراد المجتمع حسب ‏المصلحة، وذلك كالطرق والأماكن العامة والمساجد، لكن لا يعني عمومها وإطلاق الانتفاع ‏بها أن يُتعامل معها بعشوائية وعلى مزاج كل مَن ارتادها، بل هناك قواعد شرعية وأنظمة ‏متقررة تنظم الاستفادة منها، وتلزم مرتاديها أن يتصرفوا بما يصب في مصلحة الجميع، وبحمد ‏الله تعالى جاءت أنظمة بلادنا المباركة المملكة كفيلةً بما تجتلب به ‏المصالح، وتندفع به المفاسد، وتتحقق به الآداب المطلوبة في الأماكن العامة، فمن اللائق ‏بالجميع مراعاتها واحترامها، ولي مع آداب الأماكن العامة وقفات:‏

الأولى: للطريق حق شرعي كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي ‏مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق ‏الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر»، ‏متفق عليه، وهذا الحق مطلوب في كل زمان ومكان، وفي قوله عليه السلام: (وكف الأذى) ‏تعميم يشمل كل ما يتأذى منه سالك الطريق من دقيق وجليل، ويدخل فيه -من باب ‏الأولى- جميع المخالفات المرورية، لأن الإخلال بقواعد المرور يفضي إلى وقوع الخسائر في ‏النفوس والممتلكات العامة والخاصة، والخطوة الأولى في احترام حقوق الطريق التقيد بأنظمة ‏المرور؛ فإنها -بإذن الله- تحول دون الإضرار بالنفس وبالغير، ثم تأتي بعد ذلك حقوق ‏أخرى واردة في هذا الحديث أو مفهومة منه، منها غض البصر ورد السلام، ويستفاد منها ‏أهمية معاملة المارة بالأخلاق الفاضلة، فلا يقصر عليهم في المعاملة الحسنة كرد السلام ‏والتلقي ببشاشة الوجه، ولا ينتهك شيء من حقوقهم، فلا يتطفل عليهم وعلى ‏خصوصياتهم، وهذا أدب عظيم من تمسك به استبرأ لدينه وعرضه، ومن أخل به كان عرضةً ‏لتحمل تبعات لا يسهل التحلل منها؛ لأنه لا يعرف المارة فضلاً عن أن يستسمحهم، ‏وأخطر التبعات ما لا يتأتى التحلل من مستحقه.‏

الثانية: المساجد أليق الأماكن ‏بتطبيق الآداب والحقوق فيها؛ لأنها بيوت الله، وهي معمورة بأوليائه من الإنس ‏والملائكة، فالإخلال بآدابها فيه استهانة بها وبعامريها، وقد تضافرت النصوص الشرعية على ‏الأمر بمراعاة حقوقها، ومن الإخلال بآداب المساجد ما يقع فيه بعض الناس من حجز ‏مكان في المسجد -لا سيما يوم الجمعة- يضع فيه سجادةً أو نحوها؛ ليتحاشاه غيره حتى ‏يرجع إليه بعد حين، وفي هذا تعد على حقوق المصلين، وفاعله متشبع بما لم يعط؛ فإن ‏الصف الأول والقرب من الإمام إنما يستحقان بالمبادرة إلى الاستجابة للنداء، وقطع سائر ‏العلائق التي تؤخر عنه، فمن أراده فليحصله بهذه الطريقة الصحيحة، ومن تحايل عليه بالحجز ‏فقد حرص على المظاهر فقط، والله لا يخفى عليه باطن الأمر، وهو القائل: (ولقد علمنا ‏‏‌المستقدمين ‌منكم ولقد علمنا المستأخرين)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه ‏وسلم: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل ‏المهجر كمثل الذي يهدي بدنةً، ثم كالذي يهدي بقرةً، ثم كبشًا، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، ‏فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، ويستمعون الذكر»، متفق عليه.‏

الثالثة: الحرمان الشريفان أفضل المساجد والبقاع، ولهما حرمة خاصة وحرم محمي، وشيوع ‏الأمن والطمأنينة فيهما مطلب شرعي، وقد دعا لهما بذلك الخليلان أبو الأنبياء إبراهيم ‏وسيدهم نبينا محمد صلى الله عليهما وسلم، فعن عبدالله بن زيد رضي الله عنه، عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم: «أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم ‏مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة»، متفق عليه، ‏ويجتمع في الحرمين الشريفين في المواسم أعداد غفيرة -بارك الله فيهم-، وقد سخرت الدولة -‏أيدها الله- إمكانات استثنائيةً لتأمين تلك الحشود، وتيسير أداء العبادات لهم في أجواء ‏مريحة، وبصورة حضارية تلائم جلالة المكان والزمان والشعائر، ووضعت لذلك أنظمةً وقوانين ‏تضمن الانضباط والسلامة، فالالتزام بتلك القوانين من صميم مراعاة الآداب المطلوبة في ‏هذه البقاع الطاهرة، والإخلال بتلك القوانين إخلال بحرمة المكان وبالآداب اللائقة به.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة