اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

«حي الجرادية».. دراما الانتقام في قلب الحي

«حي الجرادية».. دراما الانتقام في قلب الحي

klyoum.com

عمرو محمد الغزالي

يولد الحي الشعبي أحياناً مثل رواية مفتوحة على الزمن، حكاية لا يكتبها مؤلف واحد، إنما يخطها الناس في طرقاتهم الضيقة وفي نظراتهم المتبادلة خلف الأبواب نصف المفتوحة. هناك في قلب تلك الأزقة التي تعرف أسماء سكانها كما يعرف الأب أسماء أبنائه، تبدأ قصة حي الجرادية، حكاية تبدو في ظاهرها دراما انتقام، بينما تنفتح في باطنها على سؤال أقدم من الحكاية نفسها، سؤال العدالة حين تضيع في زحام الاتهامات والهمسات.

في هذا الحي الذي يشبه آلاف الأحياء العربية، يعود شاب يحمل اسماً يوحي بالقوة والانقضاض، اسمه صقر. يعود بعد سنوات طويلة من الغياب، يحمل في ذاكرته مشهداً واحداً لم يذبل رغم مرور الزمن. كان طفلاً حين رأى والده سليمان يُقاد إلى السجن أمام أعين الجيران، بتهمة سرقة لم تثبت حقيقتها يوماً. لحظة قصيرة في الزمن، تحولت في ذاكرة الطفل إلى قدر كامل، قدر يسكنه مثل ظل لا يفارقه.

كبر الطفل، وكبر معه الجرح. الأزقة التي شهدت طفولته صارت في ذاكرته كأنها صفحات من كتاب لم يُغلق بعد. كل باب في الحي يعرف شيئاً من القصة، وكل وجه مرّ أمامه في تلك اللحظة القديمة صار جزءاً من اللغز الكبير الذي يسكن رأسه.

لهذا يعود صقر إلى حي الجرادية. عودة لا تشبه عودة المغتربين حين يشتاقون إلى خبز الأمهات ورائحة البيوت القديمة. عودة تشبه عودة سؤال قديم يبحث عن إجابته. الشاب الذي كان يوماً طفلاً مذهولاً صار رجلاً يفتش عن العدالة بطريقته الخاصة، عدالة قد تمر عبر طريق شائك اسمه الانتقام.

غير أن الحي الشعبي لا يمنح أسراره بسهولة. الناس هنا يعرفون بعضهم أكثر مما ينبغي. الحكايات تنتقل من باب إلى باب مثل نسيم المساء، والوجوه تخفي خلف هدوئها تاريخاً طويلاً من الظنون والذكريات. في هذا العالم الضيق يبدأ صقر خطواته الأولى، يراقب، يصغي، يعيد قراءة الوجوه التي ظلت في ذاكرته سنوات طويلة.

الدراما هنا لا تكتفي برواية قصة ثأر شخصي، إنما تحاول أن تلتقط صورة مجتمع كامل داخل مساحة صغيرة. حي الجرادية يتحول إلى مرآة اجتماعية تعكس مزيجاً معقداً من العلاقات الإنسانية، حيث تختلط المودة القديمة بالخصومات الصامتة، وتتحول الجيرة أحياناً إلى قدر لا فكاك منه.

الكاتب فاروق الشعيبي ينسج الحكاية بخيوط هادئة، كأن القصة تُروى في جلسة طويلة أمام بيت قديم. الكلمات تتقدم ببطء، والأحداث تنكشف مثل أبواب تُفتح واحدة تلو الأخرى. أما المخرج منير الزعبي فيترك الكاميرا تتجول في الأزقة الضيقة، تلتقط وجوه الناس وهم يعيشون تفاصيل حياتهم اليومية، حيث يبدو الحي كأنه شخصية حية تشارك في صنع الأحداث.

وسط هذا النسيج تظهر شبكة واسعة من الشخصيات، لكل منها حكايتها الخاصة. رجال يثقلهم العمر وتراكم التجارب، نساء يحملن في قلوبهن قلق البيوت، شباب يبحثون عن فرصة للهروب من حدود الحي الضيقة. هؤلاء جميعاً ينسجون معاً صورة مجتمع صغير، مجتمع يشبه في ملامحه كثيراً من المجتمعات العربية التي تختزن حكاياتها خلف الجدران.

طاقم العمل يمنح هذه الشخصيات حضوراً واضحاً. إبراهيم الحساوي يضفي على المشهد ثقل الخبرة وهدوء السنين، بينما يقدم محمد القس أداءً يحمل توتراً داخلياً يليق بعالم الحكاية. وتضيف نيرمين محسن حضوراً إنسانياً يذكر بأن القلوب، حتى في أكثر الحكايات قسوة، قادرة على أن تبحث عن دفء بسيط وسط العاصفة.

مع تصاعد الأحداث تتكشف المفارقة الكبرى. الانتقام الذي جاء صقر من أجله لا يبقى فكرة صافية كما تصورها في البداية. الحياة في الحي تبدأ في تعقيد حساباته. العلاقات الإنسانية تتدخل في مسار الخطة، والمشاعر التي لم يتوقعها تبدأ في الظهور مثل ضوء خافت في نهاية نفق طويل.

هنا تتحول الحكاية إلى سؤال أكبر من مجرد ثأر. ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أن الحقيقة أكثر تعقيداً مما رسمه خياله؟ كيف يستطيع أن يوازن بين غضب الماضي وإمكانات المستقبل؟ وهل يستطيع الانتقام أن يعيد الزمن إلى الوراء، أم أنه يفتح جرحاً جديداً في قلب الحكاية؟

تلك الأسئلة هي ما يمنح حي الجرادية نبرته الخاصة. العمل لا يصرخ بالإجابات، إنما يتركها تتردد بين الأزقة مثل صدى بعيد. الحي الذي شهد لحظة الانكسار الأولى قد يصبح أيضاً المكان الذي يبدأ فيه فهم جديد للحياة، فهم يقول: إن العدالة ليست دائماً الطريق الأقصر، وإن الإنسان حين يواجه ماضيه قد يكتشف في النهاية أنه كان يواجه نفسه.

وهكذا تمضي الحكاية مثل همسة طويلة في ليل المدينة. دراما تبدأ من جرح صغير في ذاكرة طفل، وتمتد لتصير تأملاً في علاقة الإنسان بماضيه، في عالم يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً، ويظن كل واحد أنه يعرف الحقيقة كاملة، قبل أن يكتشف أن الحقيقة نفسها، مثل الحي الشعبي، مليئة بالأزقة الخفية.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة