اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

العيد مسار الفرح

العيد مسار الفرح

klyoum.com

أخر اخبار السعودية:

البيت الأبيض أمام خصم عنيد

د. عبدالعزيز اليوسف

العيد موسم لحصاد الخيرات، وقطف الثمرات التي زرعتها النفوس في أيام العبادة، إنه موعد تتجدد فيه روح التفاؤل، وتتعزز فيه معاني التعاون والتآلف بين المسلمين، فإذا أقبل العيد فافتحوا له قلوبكم قبل بيوتكم، واجعلوا من أيامه جسوراً للمودة، ومن لحظاته بذوراً للخير..

العيد ليس مجرد يوم يمر في تقويم الزمن، بل هو بمنة الله عتبةُ الفرح التي تطؤها القلوب قبل الأقدام، ومساحةُ السرور التي تتنفس فيها الأرواح بعد مواسم الجدّ والعبادة. إنه لحظة إنسانية مشرقة تتلاقى فيها معاني العقيدة مع أخلاق الأمة، وتنعكس فيها معاني الحياة الطيبة التي يعيشها المسلم وتوازن بين الطاعة والبهجة، وبين السمو الروحي والصفاء الإنساني، ففي العيد تتجدد القيم، ويستعيد الناس إحساسهم بالمعنى الجميل للحياة، حيث تُغمر النفوس بنفحات النقاء، وتُسقى الأرواح من معين المودة والرحمة.

وفي أجواء العيد يستريح المتعبون من أعباء الأيام، ويجد المنهكون فسحةً من السكينة والطمأنينة، إنه مناخٌ من الإيجابية تتخفف فيه القلوب من أثقالها، وتتسع فيه الصدور لما ضاق بها في غيره من الأيام. العيد فرصةٌ ليخرج الإنسان من زحام همومه إلى فضاءٍ أرحب من الأمل، حيث تتذوق النفوس طيبات النعم، وتستعيد العائلات دفء الاجتماع، وتعود العلاقات إلى مسارها الطبيعي من الصفاء والوفاء، في تلك اللحظات تصبح القلوب أكثر ليناً، والمشاعر أكثر شفافية، كأن العيد يعيد ترتيب الداخل الإنساني ليجعله أقرب إلى الفطرة وأصفى في الوجدان.

ولعل أجمل ما في العيد أنه يوقظ في الإنسان حسّ الألفة، فهو يذكّرنا بأن الحياة لا تزدهر إلا بالمحبة، وأن العلاقات الإنسانية هي الزينة الحقيقية للأيام، تدفقوا إذن بأحاسيس المودة، وابتعدوا عن تراكم الجفاء، ولا تتركوا الوحشة تنمو بينكم، فالعيد بالاجتماع، والفرح لا يكتمل إلا حين يتقاسمه الناس، إن اجتماع القلوب أعظم من اجتماع الأجساد، والكلمة الطيبة قد تعيد جسوراً كادت أن تنهار تحت ثقل الصمت.

ولهذا فلتكن المعايدة في العيد نابضة بالصدق، مفعمة بالدفء الإنساني، لا تجعلوا التهاني مجرد عبارات عابرة تُلقى في الرسائل الجماعية بلا روح، خاطبوا من تحبون بأسمائهم، واستحضروا وجوههم في قلوبكم قبل أن تكتبوا كلماتكم، فلكل إنسان مكانته الخاصة، ولكل علاقة مذاقها الذي لا يشبه غيره، إن ذكر الاسم في التهنئة ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو إشارة احترام، ولمسة وفاء تُشعر الآخر بأنه حاضر في الذاكرة لا مجرد رقمٍ في قائمة.

والعيد كذلك ميدانٌ للخير الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج، هنيئاً لمن بحث بعين الرحمة عن صاحب حاجة بين أقاربه أو أصدقائه أو جيرانه، هنيئاً لمن مشى في حاجة ضعيف، أو سدّ جوع فقير، أو أغاث ملهوفاً كادت الحاجة أن تطفئ صوته، كم من قلبٍ ينتظر كسوة العيد ليشعر أنه جزء من هذا الفرح العام، وكم من يتيمٍ يكفيه أن تمتد إليه يد حانية تمسح على رأسه ليشعر أن الدنيا لم تخلُ من الرحمة، إن جبر الخواطر في أيام العيد عبادة خفية، وثوابها أوسع من أن يُحاط به.

اجبروا كسور الآخرين ولا تتجابروا عليهم، وعظّموا حقوق الناس ولا تتعاظموا فوقهم، فالتواضع في أيام الفرح يزيدها جمالاً، والكرم في لحظات العطاء يرفع قدر صاحبه قبل أن يرفع حاجة المحتاج، العيد ليس مظاهر فقط، بل هو اختبار صامت لعمق القيم التي نحملها في داخلنا.

ومن أجمل ما يمنحه العيد أيضاً أنه يفتح نافذة لمراجعة الذات، إنه فرصة هادئة للتأمل في أخطائنا، وتصحيح مساراتنا مع الآخرين، قد يكون بيننا وبين قريبٍ شيء من الجفاء، أو مع صديقٍ قديم شيء من البعد، أو في القلب بقايا من عتابٍ طال أمده، والعيد لحظة مناسبة لإطفاء تلك الشرارات الصغيرة قبل أن تتحول إلى نار، كلمة صادقة قد تعيد علاقة انقطعت، وابتسامة صافية قد تزيل أثراً من سوء الفهم.

إن العيد موسم لترطيب الضمائر، وإعادة تنشيط العواطف اللينة بين المختلفين والمتخاصمين والمتباعدين، فالحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصومات الطويلة، والقلوب أوسع من أن تُغلق أبوابها أمام التسامح. حين يتصافح الناس في العيد فإنهم لا يتبادلون التهاني فحسب، بل يعلنون انتصار الصفح على القطيعة، وانتشار الرحمة على مساحات الحياة.

ويبقى القول: العيد موسم لحصاد الخيرات، وقطف الثمرات التي زرعتها النفوس في أيام العبادة، إنه موعد تتجدد فيه روح التفاؤل، وتتعزز فيه معاني التعاون والتآلف بين المسلمين، فإذا أقبل العيد فافتحوا له قلوبكم قبل بيوتكم، واجعلوا من أيامه جسوراً للمودة، ومن لحظاته بذوراً للخير تمتد آثارها إلى ما بعد العيد، فالعيد الحقيقي ليس في اليوم نفسه، بل في الأثر الجميل الذي يتركه في النفوس، وداوموا على فعل الخيرات كما كنتم في رمضان.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة