اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

آثار المساعي الجادة

آثار المساعي الجادة

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

على الإنسان أن يسعى جادًا في جلب مصالح معاده ومعاشه، وأن يكون ذلك ‏السعي محكومًا بالشرع والنظام، وهذا بحد ذاته إنجاز، يخرجه من دائرة الخمول والكسل.. وللسعي الحثيث ثمرات عظيمة؛ وإن كان لا يلتفت إليها كثير من الناس، ‏فالسعي نفسه إذا كان في تحصيل مصلحة الإنسان ومصلحة أسرته فهو في سبيل الله تعالى، ‏وهو عبادة بغض النظر عن نتائجه ومردوده المادي..

كثير من الناس إذا وضع نصب عينيه أهدافاً معينة يرجو إسفار مساعيه عنها، ربط ‏حصولها بما يلمسه ويلمسه غيره من الإنجاز الذي تكون آثاره محسوسة، فإن حصل له منه ما ‏يستطيع استعراضه رأى ذلك نجاحاً لسعيه، وفوزاً ببغيته، وإن لم يتحقق له حسب معياره ‏السابق رأى أنه غير محظوظ، وربما استعجل بعضهم النتيجة، فحكم على نفسه بالفشل قبل ‏أن يحين وقت الحكم بذلك، ويضخم سلبية عدم ظهور أثر الجهد باكراً، فيجعله ذريعة إلى ‏الكف عن المحاولات، والوقوف في منتصف الطريق، وقد يتحول إلى جلد الذات والتأسف ‏على الماضي، فشغله ذلك عن الانخراط فيما ينفعه، وهذا عجز نفسي لا يسوغ للعاقل أن ‏يتسبب فيه لنفسه، وقد نهي عنه في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ‏ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا ‏وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، وقد تكون لمساعيه ‏آثار أخرى محمودة لم يلتفت إليها، ولم يعبأ بها، مع أنها قد تكون أثمن وأغلى معنوياً من التي ‏جعلها معيار النجاح.. ولي مع آثار المساعي الجادة وقفات:‏

الأولى: على الإنسان أن يسعى جاداً في جلب مصالح معاده ومعاشه، وأن يكون ذلك ‏السعي محكوماً بالشرع والنظام، وهذا بحد ذاته إنجاز، يخرجه من دائرة الخمول والكسل، وقد ‏صدق من قال:‏ ‏"وعليّ أن أسعى وليــْ .. سَ عليّ إدراك النجاح".‏

وللسعي الحثيث -بحد ذاته- ثمرات عظيمة وإن كان لا يلتفت إليها كثير من الناس، ‏فالسعي نفسه إذا كان في تحصيل مصلحة الإنسان ومصلحة أسرته فهو في سبيل الله تعالى، ‏فهو عبادة بغض النظر عن نتائجه ومردوده المادي، فعن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: ‏‏"مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ‏جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى ‏على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في ‏سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان"، رواه الطبراني، ‏وصححه الألباني.. وكذلك يقدر عقلاء الناس من يسعى في طلب مصالحه، ويكفيه نبلاً ‏عندهم أنه مرتبط بمسعًى معين يحاول أن ينتفع به، كما أن عدم الانشغال بشيء يزهدهم ‏من الإنسان وإن كان مظهره يوحي بأن له شأناً، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ‏الله تعالى عنه يقول: "إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا سقط من عيني".‏

الثانية: من ضعف الرأي أن يزهد الإنسان في الأعمال التي يمتد أثرها عبر الزمن، وتقبل ‏البقاء والتناقل بين الأجيال، وأن يهملها بذريعة أنه لم يرَ أثرها أو لا يعتقد أنه يراه، فكثير ‏من الجهود المثمرة أسسها فلان، وقطف ثمرتها آخرون، وهذا مقصد شرعي، فعن أنس بن ‏مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم ‏فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، أخرجه الإمام أحمد، وصححه ‏الألباني.. قال بعض أهل العلم: "أراد بقيام الساعة أماراتها، ومقصوده الأمر بالغرس لمن يجيء ‏بعد، وإن ظهرت الأشراط ولم يبق من الدنيا إلا القليل"، والعمل القابل للاستمرار مكسب ‏لمن أسسه، وإذا كان قد أخلص النية فهنيئاً له بالأجر ما دام الناس ينتفعون به، وهو على ‏كل حال لا يعدم حسن الذكر عند المنتفعين بثمرة جهوده، وقد صدق من قال:‏

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

الثالثة: أولى الجهود بألا تظن فيه الخسارة.. الجهود التي أمر بها الشرع الحنيف، وهي مع ‏ذلك مما تدعو إليه فطرة البشر، ولا يستغنون عنه في علاقاتهم وشؤونهم، كصلة الرحم ونحو ‏ذلك، فبعض الناس يرى أنه إذا لم تقابل صلته بما يسره فقد تحققت خسارته، وليس الأمر ‏كذلك فالصلة عبادة -ولا يتعارض ذلك مع كونها تلبيةً لعاطفة النسب والقرابة- فإن روعي ‏فيها وجه الله تعالى، فلا خسران لسعي الواصل، وهناك ثمرات عظيمة ينالها، منها إرضاء ربه، ‏ومنها البر بوالديه أو أجداده الذين يربطونه بهذا القريب، ومنها بركة وعافية في نفسه وماله، ‏فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏يقول: "من سرّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه"، متفق عليه.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة