الاقتصادات تُبنى قبل الأزمات
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
رينارد يستعين بـ محمد العويس في مواجهة صربياتهاني بنت عبدالله الخيال
قبل تسع سنوات، عندما أُعلنت رؤية 2030، لم يكن التحدي في صياغة طموح كبير، بل في نقطة الانطلاق نفسها. اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط، حيث شكّلت الإيرادات النفطية آنذاك ما يقارب 80% إلى 90% من إيرادات الدولة، وكان القطاع النفطي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي. في ذلك النموذج، كان الاقتصاد قويًا عندما ترتفع أسعار النفط، لكنه يصبح أكثر عرضة للتأثر عندما تنخفض.
وهذا ما حدث بالفعل بين عامي 2014 و2016، حين تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل. في تلك الفترة، تباطأ النمو الاقتصادي بشكل واضح، وسجلت المالية العامة عجزًا تجاوز 13% من الناتج المحلي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الاقتصاد الحديث للمملكة. لم تكن المشكلة في الأزمة نفسها، بل في محدودية الخيارات أمام اقتصاد يرتكز على مصدر واحد.
اليوم، وبعد مرور هذه السنوات، نجد أنفسنا أمام عالم لا يقل تعقيدًا. توترات جيوسياسية، تقلبات في أسواق الطاقة، وضغوط اقتصادية عالمية. ومع ذلك، فإن قراءة المشهد السعودي اليوم تختلف جذريًا. فالتقديرات تشير إلى نمو اقتصادي يقارب 4% إلى 4.5%، مدعومًا بشكل متزايد من القطاع غير النفطي الذي أصبح يمثل أكثر من 50% من الناتج المحلي. لم يعد النفط هو العامل الوحيد الذي يحدد اتجاه الاقتصاد، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع.
هذا التحول لا يظهر فقط في الأرقام، بل في الواقع اليومي. في السابق، كان أي انخفاض في أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على الإنفاق والمشاريع وفرص العمل. أما اليوم، فإن النشاط الاقتصادي يستمر، والمشاريع الكبرى تمضي بوتيرتها، والقطاعات الجديدة تخلق فرصًا لم تكن موجودة قبل سنوات. لم يعد التأثير مباشرًا كما كان، لأن الاقتصاد نفسه لم يعد كما كان.
ولو افترضنا أن التحديات الحالية "بما تحمله من توترات وتقلبات" حدثت قبل إطلاق الرؤية، فمن المرجح أن يكون المشهد مختلفًا بشكل كبير. عجز مالي قد يتجاوز 15%، تباطؤ اقتصادي حاد، وتأجيل في المشاريع الكبرى، مع اعتماد كامل على تعافي أسعار النفط. أما اليوم، فإن نفس التحديات تُقابل باقتصاد أكثر مرونة، قادر على امتصاص الصدمات بدلًا من التأثر بها بشكل مباشر.
ما تغير فعليًا لم يكن فقط تنوع مصادر الدخل، بل إعادة توزيع المخاطر داخل الاقتصاد. في السابق، كان الاستقرار مرتبطًا بعامل واحد، أما اليوم، فقد أصبح مرتبطًا بعدة قطاعات تتحرك في وقت واحد، وهو ما ينعكس على استقرار النمو واستمراريته.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. ما يميز هذه المرحلة هو أن التحول لم يكن بطيئًا أو تقليديًا، بل كان سريعًا، واسع النطاق، ومبنيًا على رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد، لا لما هو عليه فقط.
وهنا يظهر دور سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليس فقط كقائد لمرحلة، بل كمهندس لتحول كامل. ما حدث خلال هذه السنوات لم يكن مجرد تنفيذ برامج، بل إعادة صياغة لطريقة التفكير الاقتصادي. لم يكن القرار في انتظار التغيرات العالمية، بل في استباقها، ولم يكن الهدف التعامل مع الأزمات عند وقوعها، بل بناء اقتصاد لا تُربكه الأزمات من الأساس.
قوة هذا التحول لا تكمن فقط في المشاريع الكبرى أو الأرقام، بل في القدرة على اتخاذ قرارات كان من الصعب اتخاذها في سياقات تقليدية. تسريع الإصلاحات، فتح قطاعات جديدة، إعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء بيئة استثمارية مختلفة… كلها خطوات لم تكن سهلة، لكنها كانت حاسمة. ولهذا، فإن ما نراه اليوم ليس نتيجة ظرف مؤقت، بل نتيجة رؤية قررت أن تتغير قبل أن تُفرض عليها الظروف.
اليوم، لا نحتاج أن نسأل ماذا تغير، لأن الإجابة أمامنا. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح فعلًا: هل كان هذا الواقع سيتشكل لو لم يبدأ التغيير في الوقت المناسب؟ الفرق بين الأمس واليوم لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بتوقيت القرار. هناك اقتصادات تتحرك بعد أن تتغير الظروف، وهناك اقتصادات تتغير قبل أن تُجبر على ذلك.
وما نراه اليوم ليس نتيجة ما يحدث الآن، بل نتيجة ما تم اتخاذه قبل سنوات. ولهذا، فإن التحول الحقيقي لا يُقاس بما تحقق فقط، بل بما تم تجنبه.
وإذا كان الحاضر يعكس نتيجة هذا التحول، فإن المستقبل يعكس اتجاهه. فالمؤشرات الحالية لا تشير إلى تحسن مؤقت، بل إلى مسار مستمر؛ اقتصاد ينمو بمعدلات تقارب 4% إلى 5%، وقطاع غير نفطي يتوسع، واستثمارات مستمرة رغم التحديات العالمية. هذا لا يعني غياب التحديات، لكن الفرق اليوم أن الاقتصاد يدخلها وهو أكثر استعدادًا، وأكثر قدرة على التكيف.
المستقبل لم يعد احتمالًا مفتوحًا كما كان قبل سنوات، بل أصبح امتدادًا لمسار بدأ بالفعل.
الاقتصادات لا تُبنى وقت الأزمات، بل قبلها…
وما نعيشه اليوم هو نتيجة قرار اتُخذ في الوقت الصحيح.