اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الطهارة القلبية والحسية

الطهارة القلبية والحسية

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من أنواع الطهارات التي تصلح بها الدنيا والآخرة طهارة الأعمال، فالإنسانُ مطالبٌ ‏بتطهير عباداته من أدران الشرك الأصغر الذي هو الرياء حتى لا تذهب هدراً، كما أنّه ‏مطالَبٌ بتطهير معاملته للخلقِ، فلا يشوبُها بالكذب والغشِّ والغدر..

للطهارة مفهومٌ واسعٌ يشملُ طهارة الباطن والظَّاهر المحسوس، وطهارة الأعمال من ‏الشوائب، ولكلٍّ منها أهميّةٌ بالغةٌ في صلاحِ المعاد واستقامة أحوال المعاشِ، أما الطهارة ‏الباطنة فهي تطهير القلب من الأدران التي تصيب القلوب، فمنها ما يمسُّ حقَّ الخالق ‏كالشركِ بالله تعالى، وما يمسُّ حقوق العبادِ كالحقد والحسد، وأما الطهارة الظاهرة المحسوسة ‏فهي طهارة البدن والملابس والمساكن مما يُستقذر، وأما طهارة الأعمال فسلامتها مما يشين ‏صاحبه شرعاً وعرفاً؛ ولأهمية الطهارة بنوعيْها كان الأمر بها من أوائل ما نزل على النبيِّ صلى ‏الله عليه وسلم، ففي بواكير الوحيِ قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ ‏فَطَهِّرْ"، كما ورد في حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، وهو متفقٌ ‏عليه، وقد فسَّر العلماء تطهير الثياب في هذه الآية بتفسيرات، منها ما هو الأظهر، وهو ‏تطهير الملابس وتنظيفها، ومن تفسيراتهم لها أن المراد بها تطهير القلب؛ لأن العرب تسمّي ‏القلب ثياباً، ومنها أن المراد تطهير العمل من المعاصي، فالآيةُ دالّةٌ على أهمية الطهارة، وأنّها ‏من الأولويّات في حياة المسلم، ولي مع أنواع الطهارات وقفاتٌ:‏

الأولى: القلب ملك الجوارح، وصلاحُه صلاحها، وفسادُه فسادها، كما يدلُّ عليه ‏حديثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (أَلاَ وَإِنَّ ‏فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ ‏القَلْبُ)، متَّفَقٌ عليه، فأولى الأولويَّاتِ تطهيره، وفي مقدمة الأدران التي يجب أن يُطهر منها: ‏الشركُ بالله تعالى ثم إنَّ الواجب استدامة هذه الطهارة وصيانتها ‏عن نواقضها دائماً، ولا يسوغُ للإنسان أن يتّكِل على تحصيل الطهارة من الشرك في نشأتِه، ‏فقد حكى الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ ‏هَدَيْتَنا)، ثمَّ على المسلم أن يطهر قلبه من الاعتقادات المنحرفة والأهواء المضلّة، والأفكار ‏الهدّامة، وأن لا يحمل في نفسِه غِلّاً وحقداً لوليِّ أمره ومجتمعه ولسائر الأمة، فالحقد على ‏السلطان وعلى المجتمع من الأدران القلبية التي إذا لم يتطهر منها الإنسان أدّت به إلى بدعٍ ‏كثيرةٍ، وبغيٍ وفسادٍ في الأرض، ومن الأدران القلبية الخطيرة الحسدُ؛ فهو آفةٌ كبيرةٌ تترتب ‏عليه مفاسدُ دينيةٌ ودنيويّةٌ، والحسدُ خصلةٌ سيئةٌ منهيٌّ عنها، والحسودُ لم يستطع أن يطهِّر ‏قلبه عن البغضاء وكراهية إنعامِ الله على غيرِه، فأولُ مخالفاته القلبية عدم التسليم لقضاء الله ‏تعالى بما منحه للمحسودُ، وصدق من قال:‏

أَلَا قُلْ لِمَنْ ظَلَّ لِي حَاسِدًا

أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الْأَدَبَ

أَسَأْتَ عَلَى اللَّه فِي فِعْلِهِ

لأَنَّك لم ترضَ لِي مَا وَهَبَ ‏

الثانية: الطهارة الحسّية الشاملة لطهارة البدن والثياب والسكن، ولا تخفى أهميّتُها في حياة ‏المسلم؛ لأن آكد العباداتِ البدنية الصلاة، ويشترط لها الطهارة من الحدث والخبث وطهارة ‏البقعة التي يصلّي فيها، وهذه الأنواع من الطهارة مما التزمه أهل المروءات تمسّكاً منهم ‏بمحاسن العادات، وجرياً على ما تُمليه مكارمُ القيَم، وقد أكّدها الإسلامُ ونظّمها وأوجب ‏بعض أنواعها كأنواع الطهارات الواجبة للصلاةِ، وأكّد استحبابَ أنواعٍ مكملةٍ لها كالسِّواك، ‏وقد روت عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «السِّوَاكُ ‏مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»، أخرجه البخاريُّ تعليقاً بصيغة الجزمِ، ثمَّ إنَّ ما زاد على الواجب ‏من الطهارة مستحبٌ مسنونٌ، فإذا أخلَّ به الإنسانُ فعليه بالبعد عن الآخرين، فلا يسوغ له ‏أن يؤذي الناس بالروائح الكريهة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ‏وَسَلَّمَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ»، ‏أخرجه مسلمٌ، فإذا كان صاحب الرائحة الكريهة منهيّاً عن إتيانِ المسجد حتى لا يؤذيَ ‏الآخرين، فما بالكم بما سوى المسجد من أماكن عامةٍ أو خاصّةٍ، ومن أغرب التصرفات أن ‏يخالف الإنسان هذا التوجيه النبويَّ الراقيَ، ويتمادى في ذلك إلى حدِّ السلامِ على غيره ‏بالمعانقة والخشم ونحو ذلك غيرَ مبالٍ بما تسببَ به لأخيه من الأذى البليغ.‏

الثالثة: من أنواع الطهارات التي تصلح بها الدنيا والآخرة طهارة الأعمال، فالإنسانُ مطالبٌ ‏بتطهير عباداته من أدران الشرك الأصغر الذي هو الرياء حتى لا تذهب هدراً، كما أنّه ‏مطالَبٌ بتطهير معاملته للخلقِ، فلا يشوبُها بالكذب والغشِّ والغدر، فإن المعاملة الملتوية ‏دنسٌ شرعاً وعرفا، أما الشرع فقد تحرّى نقاءَ التعامل في العقود والمعاملاتِ والآداب ‏الاجتماعية، وأكَّد تحريم الغشِّ والظلم فيها سواءٌ الحقوقُ العامّة والخاصة، وقد اجتمعا في ‏حديثِ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ ‏حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، أخرجه مسلمٌ، فحمل السلاحِ ‏على الأمة غدرٌ عامٌّ، والغشُّ المذكور بعده يشمل العامّ والخاصَّ كالحاصل بين متعامليْنِ، ‏وأمّا كون الغشِّ دنساً عرفاً، فلما ذكره العلماءُ من أنَّ العرب تصف الرجل بأنّه دَنِسُ ‏الثياب إذا نكَث ولم يفِ بعهده، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة