اخبار فلسطين

فلسطين أون لاين

سياسة

الولايات المتحدة: بين إعلان النصر وصناعة المأزق الإيراني

الولايات المتحدة: بين إعلان النصر وصناعة المأزق الإيراني

klyoum.com

في كل ظهور اعلامي تقريبا يكرر ترامب إعلان النصر بصياغات مختلفة، لكن المشكلة لا تكمن في تكرار العبارة بقدر الفراغ الذي تحاول تغطيته، فالنصر هنا لا يأتي كنتيجة لمسار عسكري واضح ولا كخاتمة منطقية لحرب وصلت الى اهدافها، بل يتحول الى اداة سياسية يومية تستخدم لتعويض غياب الرؤية وتغطية التبدل المستمر في تعريف الهدف نفسه، اذ لم يعد من السهل تحديد ما الذي تريده واشنطن فعلا من هذه المواجهة، هل هو ردع ايران ام اسقاط قدرتها النووية ام اعادة تشكيل توازنات المنطقة ام مجرد استعراض قوة يعيد ترميم صورة الردع الامريكي.

هذا التذبذب في تعريف الهدف ليس تفصيلا ثانويا بل هو في صلب الازمة، فالتاريخ العسكري الامريكي يظهر بوضوح ان الحروب التي تبدأ بلا هدف محدد تنتهي غالبا الى مأزق مفتوح، وهذا ما حدث في فيتنام حين دخلت الولايات المتحدة تحت شعار احتواء الشيوعية ثم وجدت نفسها بعد سنوات طويلة في حرب استنزاف بلا نهاية ، وتكرر في العراق بعد 2003 حين تم اعلان النصر العسكري السريع وسقوط بغداد خلال اسابيع، لكن غياب تصور لما بعد النصر حول الانتصار الى بداية فوضى طويلة استنزفتها سياسيا وعسكريا.

اليوم يتكرر النمط ولكن في بيئة اكثر تعقيدا، فالمؤشر الاول على دخول هذا المسار هو سلوك الحلفاء، الولايات المتحدة التي اعتادت ان تقود تحالفات واسعة في حروبها الكبرى، من حرب الخليج الى افغانستان، تجد نفسها هذه المرة امام فتور غير مسبوق من شركائها، فترفض الدول الاوروبية الانخراط البري المباشر او ارسال قوات لحماية مضيق هرمز رغم انه يمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية، وهذا الرفض لا يمكن تفسيره فقط بالخوف من التصعيد بل يعكس قراءة استراتيجية مختلفة ترى ان هذه الحرب لا يمكن التحكم بمسارها وان الدخول فيها قد يفتح ابوابا لا يمكن اغلاقها بسهولة.

اللافت هنا انه حتى الحلفاء الاقليميين الذين بنوا امنهم لعقود على المظلة الامريكية يظهرون ترددا واضحا، وهو تردد يعكس تحولا عميقا في الثقة بالقدرة الامريكية على ادارة الحروب الطويلة، خاصة بعد التجارب السابقة في العراق وافغانستان حيث تحولت القوة الساحقة الى عبء ثقيل مع مرور الوقت، وهذا ما يجعل واشنطن اليوم في وضع اقرب الى العزلة حتى وان بقيت القوة العسكرية الاكبر في الميدان.

في المقابل، وبينما يتراجع الحلفاء، تتقدم الولايات المتحدة خطوة اخرى نحو التورط البري، فاستقدام قوات المارينز الى الشرق الاوسط لا يمكن قراءته كاجراء احترازي محدود، بل هو مؤشر على ان الخيارات المطروحة تتجه نحو عمليات مباشرة على الارض، سواء للسيطرة على نقاط استراتيجية مثل جزيرة خارق، او لتنفيذ عمليات نوعية مرتبطة بالوصول الى اليورانيوم.

وهنا تظهر العقدة الاكثر تعقيدا في هذه الحرب، اذ ان تدمير منشات او قصف مواقع لا يكفي لانتاج رواية نصر مقنعة داخليا، فالتجربة العراقية ما زالت حاضرة حين تم تبرير الحرب باسلحة دمار شامل لم يتم العثور عليها، وهو ما خلق فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع، وبالتالي فان اي مواجهة مع ايران تحتاج الى دليل ملموس على تحقيق الهدف الاكبر وهو تعطيل البرنامج النووي، وهذا ما يجعل مسالة اليورانيوم او المواد المرتبطة به ليست مجرد تفصيل تقني بل عنصرا مركزيا في معركة الرواية السياسية داخل الولايات المتحدة.

لكن السعي وراء هذا الهدف يحمل في طياته مفارقة خطيرة، فكلما اقتربت واشنطن من محاولة اثبات النصر من خلال عمليات اكثر عمقا وتعقيدا، كلما ازدادت احتمالات الانزلاق الى مواجهة اوسع، وهو ما يعيد انتاج ما يمكن تسميته بدوامة التورط، حيث يصبح الخروج مكلفا سياسيا بينما يصبح الاستمرار اكثر كلفة استراتيجيا، وهي معادلة واجهتها الولايات المتحدة مرارا.

إيران من جهتها لا تبدو معنية بتحقيق انتصار تقليدي بالمعنى العسكري المباشر، بل تعتمد على استراتيجية تقوم على امتصاص الضربة وتحويلها الى مسار استنزاف طويل، وهي استراتيجية لها جذور في تجارب سابقة في المنطقة حيث نجحت قوى اقل تفوقا في جر الولايات المتحدة الى حروب طويلة تستنزفها تدريجيا، كما حدث في العراق بعد الاحتلال حين تحولت العمليات من مواجهة تقليدية الى حرب غير متماثلة انهكت القوات الامريكية على مدى سنوات.

في هذا السياق، يصبح الزمن عاملا حاسما، ليس لصالح الطرف الاقوى عسكريا بل لصالح الطرف القادر على الصمود اطول، فكل يوم اضافي في الحرب يعني كلفة اقتصادية اعلى، وضغطا سياسيا اكبر، وتآكلا تدريجيا في الدعم الداخلي والخارجي، خاصة مع تذبذب اسعار الطاقة التي ترتفع مع كل تصعيد، ما يضيف بعدا عالميا للازمة يتجاوز حدود المواجهة المباشرة.

*المصدر: فلسطين أون لاين | felesteen.ps
اخبار فلسطين على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com