استراتيجية الإغلاق.. كيف يستهدف الاحتلال البنية النفسية والاجتماعية في القدس
klyoum.com
أخر اخبار فلسطين:
ترامب يطالب إيران بالتعامل بجدية في المفاوضات قبل فوات الأوانتسعى سلطات الاحتلال إلى تحقيق جملة من الأهداف من إغلاق المقدسات في القدس، وأولها أن تحقق "السيادة" الإسرائيلية على هذه الأماكن، وتفرض نفسها المتحكم الكامل بهذه المعالم المركزية. وإضافةً إلى قضية "السيادة"، يشكل تكرار إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وخاصةً خلال المواسم الدينيّة والعباديّة، استراتيجية تسعى إلى تجاوز "الإغلاق" كإجراء أمني في سياقات التصعيد الإقليمي، وما يرتبط به من تضييقٍ ممنهج على حرية العبادة، لتصل إلى مستوى "الهندسة النفسية والديمغرافية"، والرامية إلى تفكيك علاقة المقدسي بالمكان، ابتداءً بمركزية المقدسات في البنية الاجتماعية للفلسطينيين، مرورًا بعلاقة الفلسطيني بالمدينة، والتحولات التي تطرأ على هذه العلاقة، على أثر هذه الاعتداءات التي تفرضها سلطات الاحتلال.
مركزية المقدسات: "الحيز العام" والقلب النابض للمجتمع
من المهم الإشارة إلى عمق مركزية المقدسات في التكوين الفلسطيني عامة، والفلسطينيين في القدس المحتلة على وجه الخصوص، فإضافةً إلى أهميتها الدينيّة، وما تضمه في رحابها من أداء للشعائر، تشكل أحد أبرز الحواضن الكبرى للهوية الفلسطينية، ومركزًا يستوعب جملةً من المظاهر الحياتية على الصعد الاجتماعية والثقافية للمدينة. ويُمكننا وصفها -ولو تجاوزًا- بأنها تشكل "الحيز العام" للفلسطينيين في مدينة القدس، وأنها أصبحت مع عزل القدس عن محيطها الفلسطيني عبر جدار الفصل، وتقليل قدرة الفلسطينيين على التنقل من القدس وإليها، القلب النابض للمجتمع الفلسطيني في المدينة المحتلة، في سياق بنية اجتماعية يشكل المسجد الأقصى حجر الأساس فيه للسكان. وأمام هذه المكانة، فعندما يعمد الاحتلال إلى إغلاقها -أي هذه المقدسات- وتقييد الوصول إليها، فإنه يستهدف البنية النفسية والاجتماعية للفلسطينيين، من خلال عددٍ من المسارات، ويُمكن تسليط الضوء على أبرزها:
- المسار الأول: ضرب "الأمن الوجودي" وإحداث الاغتراب المكاني إغلاق أبواب المساجد والكنائس في القدس المحتلة، يوجد حالة من الصدمة، ولكنها صدمة متكررة في إطار الهجمات التهويدية التي تشنها سلطات الاحتلال، حيث تتكرر بشكلٍ جزئي أو كليّ عدة مرات في العام الواحد، في سياق الإجراءات والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال. ويهدف هذا المنع المتكرر إلى كيّ وعي الفلسطينيين، وزرع شعور دائم بالعجز، عجزهم عن الدفاع عن مقدساتهم في وجه آلة العنف الإسرائيلية، وما يتصل بعزلهم عن ركيزة من ركائز الحياة والمواجهة، وهو ما يعمّق حالة الاغتراب داخل المدينة المحتلة.
- المسار الثاني: الرسالة النفسية التي يسعى الاحتلال لتكريسها تسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه الممارسات، إلى إرسال رسالة ضمنية مفادها "أنتم هنا سكان مؤقتون، لا أصحاب الأرض"، وهو ما يغذي القلق الجماعي المتمثل في الخوف المستمر من فقدان الحيز المكاني المتبقي، وهو في هذه الحالة المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
- المسار الثالث: عسكرة الزمن وتشويه الذاكرة الجمعية الأعياد والمواسم الدينيّة، على غرار شهر رمضان المبارك وسبت النور وعيد الفصح، تُعدّ محطاتٍ يُرمم فيها المجتمع نسيجه وتكاتفه، وإلى جانب أهميتها الدينية، تسمح للمجتمع بإعادة اختبار العديد من "ميكانيزمات" التكافل الاجتماعي والتواد والتراحم، إلى جانب تكثيف الحضور الهوياتي من خلال العادات والتقاليد وما يرافق هذه الأعياد من مظاهر عامة للفرح والسرور. إلا أن الاحتلال يعمل على تحويل هذه المواسم إلى محطات للقمع وتقطيع أوصال المدينة بالحواجز العسكرية، في سياق كسر هذه الرمزية الزمنية، وتحويل لحظات الفرح والتلاحم إلى محطات للألم والفقد والترقب، ما يُصيب الذاكرة الجمعية، بصدمات متتالية تُضعف المناعة النفسية للمجتمع بمرور الوقت.
- المسار الرابع: تفتيت النسيج الاجتماعي المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، الذين يمثلا "بوصلة" المجتمع الفلسطيني، والتي تستطيع توحيد هذا المجتمع ودفعه للمواجهة، إضافةً إلى أن منع الفلسطيني من الوصول إليهما، يعني عمليًا عزل الأحياء عن بعضها، وحرمان العائلات من مساحات التلاقي الطبيعية، كما تعزل الفلسطينيين خارج البلدة القديمة عن بعضهم، لما لهذه الأماكن من دور في التلاقي، على الصعد الفردية أو الجماعية، وإلى جانب ما سبق، تضرب هذه الإغلاقات الدورة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه المواسم. وهذا العزل يخلق مجتمعًا مفرغًا من مراكز ثقله، ومفككًا إلى وحدات متباعدة يسهل الاستفراد بها.
أخيرًا، إغلاق المسجد الأقصى وباقي المقدسات جزءًا من هجمة الاحتلال على "حق الوجود" في القدس المحتلة، فما يجري في المدينة منذ 28 شباط/فبراير الماضي، محاولة ممنهجة لقطع "الحبل السري" الذي يربط ما بين المقدسي ومدينته، وهو ارتباط له أبعاد -كما ذكرنا- روحية واجتماعية واقتصادية، ولا شك بأن الاحتلال يُدرك بأن بقاء هذه المقدسات مفتوحة ومكتظة يعني بقاء الهوية الفلسطينية (الإسلامية والمسيحية) حيّة، ومتماسكة، وفاعلة)، أي أنّ المعركة في ظل هذه الإغلاقات، لم تعد على "حق الصلاة" فقط، والحقوق الأصيلة المرتبطة بالمكان وقدساته ومكانته، ولكنها انتقلت إلى مرحلة أخطر فهي معركة على "حق الوجود"، ومحاولة لكسر الإرادة الجماعية التي تستمد صلابتها واستمراريتها من هذه المقدسات.