بين قسوة الأرقام وطغيان الحكاية.. حين تسرق "سُمح بالنشر" إنسانيتنا
klyoum.com
أخر اخبار فلسطين:
جندي إسرائيلي يخنق مصور CNN ويطرحه أرضا ويقول: أرض الضفة كلها لناتوقفتُ طويلاً عند تلك العبارة التي يُصدّر بها الاحتلال الصهيوني أخبار قتلاه: "سُمح بالنشر". خلف هاتين الكلمتين تكمنُ ماكينة إعلامية خبيثة، لا تنشر مجرد خبر، بل تصيغُ أسطورة؛ فهم يختارون بعناية قصة "فياتشيسلاف فيدمانت"، ذلك الحارس الخمسيني الذي بقي يحرس الشقق المهجورة حتى نالت منه الشظايا. هم لا يحدثوننا عن جندي مدجج بالسلاح، بل عن إنسان وأب أنهى نوبته ولم يجد مأواً يحميه. إنهم بكل أسف يتقنون فن صناعة البطل، عبر تحويل قتلاهم إلى قصصٍ إنسانية تُجبر القارئ على التعاطف معها، وفي المقابل يتجافون الوقوع في فخ الإحصائيات والأرقام.
وعلى الضفة الأخرى من الوجع: نغرقُ نحن في لغة الأرقام الجوفاء.
يصعدُ شهداؤنا إلى السماء، فنعدّهم: سبعون ألفاً … اثنان وسبعون ألفاً… نصف مليون جريح… أرقامٌ تتراكم حتى تفقد الإنسانية معناها، وتصبح الفجيعة مجرد إحصائية في نشرة الأخبار.
يا وجع القلب! أليس لكل شهيدٍ اسم؟ أليس لكل جريحٍ حكاية لم تكتمل؟ إننا ببراعتنا في سرد الأرقام، نغتالُ الشهيد مرتين: مرةً برصاص المحتل، ومرةً حين نحوّل سيرته وحياته وأحلامه إلى مجرد رقمٍ أصمّ يسهل على العالم نسيانه وتجاوزه.
إن حقُّ أهل الشهيد علينا ليس فقط في رثائه، بل في جعل العالم يراه كما كان؛ بشراً من لحمٍ ودم، له ضحكةٌ مميزة، وهوايةٌ لم يمارسها، وأمٌّ خبأت له ثياب العيد. إن لم يسمع العالم قصصنا الإنسانية، فسيظل يظن أن دماءنا رخيصة، وأن أرواحنا ليست سوى أرقامٍ زائدة في سجلات الوفيات.
انظروا إلى بشاعة ما يحدث حين يصمت الحرف وتتكلم الجريمة.
في شرق مخيم المغازي، ثمة حكايةٌ تُقطّع نياط القلب، بطلها طفل رضيع تجاوز العام بقليل، والده رجل بسيط كسرته الحرب حين نفق حصانه -مصدر رزقه الوحيد- فتاهت منه السبل في دروب الصدمة النفسية. وفي لحظة ذُهانٍ ووجع، سار نحو منطقة الخط الأصفر حاملاً طفله الرضيع.
هناك، تجلت وحشية "المحتل الإنساني"! الذي يتباكى على حراسه! لم تكتفِ طائراتهم الكواد كابتر بإذلال الأب وتعرية كرامته، بل امتدت يد الغدر إلى الرضيع. هل يتخيل عقلٌ بشري أن يُعذب طفلٌ ملائكي بالسجائر المشتعلة؟ أيُّ ساديةٍ تلك التي تغرزُ الآلات الحادة في ساقي طفلٍ صغير لإجبار والده على الاعتراف بذنب لم تقترفه يداه!
وفي النهاية اعتقلوا والده، وسلموا الرضيع عبر الصليب الأحمر وآثار الحقد الأسود مازالت مغروسة في جسده؛ لتوثق غابةً من التوحش يختبئ خلفها هذا الجيش.
يا قومنا ارووا قصصنا!
إنّ الحرب ليست مجرد تبادل للنار، بل هي صراعٌ على المعنى. إذا سمحنا لسرديتهم أنْ تنتصر، فسنبدو كقتلة في صورة ضحايا، وسيبدون كأبطال في صورة غزاة.
نحن أصحاب الحق، نحن الأبطال الحقيقيون الذين يتجرعون الألم صبراً، وهم المتوحشون الذين يدارون عورتهم الأخلاقية بقصصٍ منسوجة بعناية.
لا تتركوا الشهداء يرحلون صامتين. لا تتركوا الأسرى يذوبون في عتمة السجون دون أن يعرف العالم أسماءهم ومعاناتهم وألمهم.
تحدثوا عنا وعن جراحنا وعن أطفالنا الذين أُطفئت السجائر في جلودهم الطرية، وعن قصص وآمال وأحلام آلالاف الأطفال الشهداء، ولا تنسوا تسليط الضوء على برائتهم التي قتلت بسبب ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا فلسطيينين.
اكتبوا بمداد الدموع لا ببرود الأرقام، ليعلم العالم أجمع أننا لسنا أرقامًا، بل نحن الحكاية التي لن تنتهي إلا بالنصر.