المشهد الثالث من ملحمةٍ لم تنتهِ
klyoum.com
أخر اخبار فلسطين:
الشاعر الرشيدي يشكر الطبيب منتصر الرواشدة﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾
كان زلزالًا تتوالى هزّاته، ونارًا لا تكاد تخبو في ناحية حتى تشتعل في أخرى. غزة، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، غارقةٌ في أحزمةٍ نارية، والسماء تمطر نارًا، والأرض ترتجف تحت أقدام أهلها.
وسط هذا المشهد، كانت أمّنا العجوز تحاول أن تلتقط بأذنيها الواهنتين ما يجري. تجاوزت الثمانين، لكنها ظلت يقظةَ العقل، حاضرةَ الذاكرة، تتابع نشرات الأخبار، وتربط أحداث اليوم بحكايات الأمس، وتقرأ السياسة كما يقرأ آخرون صفحات كتابٍ مفتوح. طالما أدهشتني قدرتها على استيعاب تحولات القضية، وطالما حيّرني ذلك التناقض الجميل بين جسدٍ أنهكته السنوات وروحٍ وثّابةٍ لم تعرف الاستسلام؛ روح امرأةٍ خرجت من زمن النكبة، لكنها لم تخرج يومًا من حكاية فلسطين.
كانت تتابع المشهد منذ الفجر، وحين بدأت تتكشف بعض ملامح ما جرى، قالت بصوتٍ اختلط فيه اليقين بالخوف:
— هذا نتنياهو... بدأ يفهم ما حدث!
ثم سكتت قليلًا، كأنها تستشرف ما وراء الصورة، وأضافت:
— والله يا يمّا، اللي جاي صعب كثير... أصعب من كل اللي مرّ علينا وعليكم في خمس وسبعين سنة. لطفك يا رب!
لم يكن في كلامها تهويلُ عابر، بل ذاكرةُ شعبٍ جرّب النكبة والتهجير والمجازر، وعرف أن الأيام الثقيلة لا تأتي دائمًا معلنةً عن نفسها.
تسمّرنا أمام التلفاز. أردنا أن نرى أكبر قدرٍ ممكن من الصورة قبل أن تنقطع الكهرباء، فنفقد نافذتنا على العالم، ولا يبقى لنا إلا ما نسمعه عبر الهواتف وما تتناقله مجموعات التواصل. كانت الأخبار تتدفق من كل حدبٍ وصوب، والصور تتلاحق، والأسماء تتكرر، والقلوب تتعلق بأملٍ صغير: لعل القادم أقلُّ قسوةً مما توحي به البدايات.
لكن النار كانت قد بدأت تكتب حكايتها.
النار ذات الوقود.
عاد في الذاكرة مشهدٌ قديم، كأن التاريخ يستدعي بعض أكثر صفحاته ظلمةً. وترددت أسماء العصابات التي ارتبطت في الذاكرة الفلسطينية بتاريخ التهجير والمجازر، فيما كانت غزة تدخل أيامًا ستعيد إلى الوعي صورًا من النكبة، ولكن على امتدادٍ أوسع، وبأدوات تدميرٍ أشد فتكًا.
لم يكن الزلزال في الأرض وحدها؛ كان في النفوس أيضًا. بلغت القلوب الحناجر، وتزاحمت الأسئلة في الصدور، ومع ذلك ظل في أعماقنا خيطٌ لا ينقطع من حسن الظن بالله.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
قلوبٌ ترتجف، وبيوتٌ تهتز، وعائلاتٌ تتفقد بعضها بعضًا، لكن الرجاء لا يغادر المكان.
في زاوية الغرفة، كان فتية الجيل الثالث من أبناء العائلة يتابعون خريطة النار التي أخذت تتسع. انطلقت الأسماء من ألسنتهم متتابعةً؛ الرمال، والكرامة، والأبراج، والمقوسي، والفيروز، وتل الهوى... أسماءٌ لم تكن مجرد أحياء على شاشة، بل فصولًا من أعمارهم وذكرياتهم.
قال أحدهم، وهو يشير إلى الشاشة:
— هذه الرمال... يا الله، هذه منطقتنا التي نعرفها! هنا كانت جامعتنا، وهناك شوارعنا ومقاهينا وبيوت أصدقائنا. كم من مرة مشينا في هذه الطرقات دون أن يخطر ببالنا أنها ستصبح يومًا صورًا في نشرات الأخبار!
كان حي الرمال قلبًا نابضًا بالحياة؛ عنوانًا للرقي والحركة، ومكانًا تتجاور فيه الجامعات والمؤسسات والأسواق والبيوت، وتختلط فيه ضوضاء المدينة بأحلام طلابها، وضحكات العائلات بأحاديث المساء. لم يكن الحي مجرد أبنيةٍ مرتفعة، بل ذاكرة مدينةٍ كاملة.
والآن، كانت صور الدمار تتوالى.
بيتٌ يعرفونه، وشارعٌ عبروا منه مئات المرات، ومبنى يحمل حكاية صديقٍ أو قريب. وكلما ظهرت صورةٌ جديدة، انفتح في الذاكرة بابٌ آخر.
لم تعد أسماء الأحياء أسماءً فحسب؛ صارت أسماءَ أناس، ووجوهًا غائبة، وبيوتًا تنتظر أهلها، وعائلاتٍ تحاول أن تعرف من بقي ومن فُقد ومن لم يصل عنه خبر.
وفجأةً، جاء صوتٌ خافت عبر مجموعة العائلة الممتدة:
— هل قرأتم ما وصل عن بيوت أقاربنا في الشمال؟ هناك أخبار عن استهداف عدة منازل... دار أكرم، ودار صدقي، ودار هاني، وبيوت أخرى...
ثم انقطعت الرسالة.
ساد صمتٌ ثقيل.
وبعد دقائق، جاء صوتٌ آخر يحمل رقمًا جديدًا، ثم خبرًا عن مفقودين، ثم أسماءً إضافية.
كان عدّاد الخسائر يتغير أسرع مما تستطيع الذاكرة استيعابه. وكلما ظننا أننا بلغنا نهاية الخبر، انفتح خبرٌ آخر.
قال أحد الأحفاد:
— في الكرامة، ارتفع عدد شهداء العائلة... وما زال هناك مفقودون لا نعرف مصيرهم.
رفعت أمّنا رأسها عند سماع اسم الحي.
— الكرامة؟!
أجابها أحد أبنائها سريعًا:
— مش الكرامة يا أمّي، حي الكرامة... الحي الذي تعرفينه. لقد طال الدمار المنطقة، وهناك عائلات كثيرة ننتظر أخبارها. ربنا يسلّم الجميع.
هزّت رأسها، كأنها تحاول أن تستوعب الفارق بين الاسم الذي تعرفه والواقع الذي تسمعه.
ثم تمتمت:
— الله يستر... الله يستر.
وعادت الأسماء تتوالى: أبراجٌ كانت تملأ الأفق، ومبانٍ كانت تعج بالحياة، وشوارعٌ اختفت معالمها تحت الركام. المقوسي، والفيروز، وتل الهوى، ومناطق واسعة من المدينة؛ أماكن كانت لها في ذاكرة الناس ألوانٌ وروائح وأصوات، فإذا بها تتحول إلى مشاهد من الغبار والخراب.
قال أحد الأحفاد، وهو يستعيد صورةً قديمةً في هاتفه:
— هنا كانت شقة حفيدك يا جدتي... انظري، هذا المبنى الذي زرناه معًا.
حدقت العجوز في الصورة طويلًا، ثم رفعت عينيها إلى الشاشة.
لم تقل شيئًا.
فبعض الأخبار لا تحتاج إلى تعليق؛ يكفي أن يمرّ أمامك المكان الذي أحببته، لتدرك أن ما فقدته أكبر من جدرانٍ وأبواب.
ثم انتقل الحديث إلى غزة القديمة، إلى المسجد العمري، وقصر الباشا، وكنيسة القديس برفيريوس، وإلى المساجد والمباني التاريخية التي أصابها الدمار. لم تكن تلك المواقع حجارةً صامتة؛ كانت شواهد على قرونٍ من التاريخ، وطبقاتٍ من الحضارة، وذاكرة مدينةٍ تعاقبت عليها الأمم وبقيت فلسطينية الروح.
قال أحدهم:
— حتى الأماكن التي كانت تحكي تاريخنا لم تسلم. كلما ظننا أن الدمار بلغ حدَّه، ظهر خبرٌ عن مكانٍ آخر.
وتابع آخر، بصوتٍ خافت:
— أحياءٌ كاملة تغيّرت ملامحها. طرقٌ لم نعد نعرفها، وبيوتٌ لم يبقَ منها ما يدل على أصحابها.
كان المشهد أكبر من قدرة الكلمات على الإحاطة به. لم يعد الأمر متعلقًا بمبنى هنا أو شارع هناك؛ كان السؤال عن مدينةٍ كاملة، وعن نسيجها الاجتماعي، وعن الذاكرة التي تسكن حجارتها، وعن أجيالٍ ستعود يومًا لتبحث عن أماكن طفولتها.
وفي تلك اللحظة، فهمتُ لماذا كانت أمّنا تتابع الأخبار بكل ذلك القلق. لم تكن ترى الدمار كما نراه نحن؛ كانت تقرأ فيه طبقاتٍ من التاريخ، وتستعيد من خلاله صورًا عاشت بعضها وسمعت عن بعضها الآخر، وتخشى أن تعود النكبة في هيئةٍ جديدة.
أما نحن، فقد كنا نعيش النكبة وهي تتشكل أمام أعيننا.
على شاشة الهاتف، ظهر وصفٌ عسكري لما عُرف بالقصف السجادي، وهو مصطلح يُستخدم لوصف القصف الكثيف والمتواصل على مساحة واسعة. نظر الحفيد إلى الشاشة وقال بمرارة:
— كأنها لعبة إلكترونية... لكن هؤلاء ليسوا شخصياتٍ على شاشة. هؤلاء بشرٌ لهم أسماء وبيوت وأمهات وأطفال. كيف يمكن للعالم أن يرى كل هذا، ثم يواصل يومه كأن شيئًا لم يحدث؟
لم يجبه أحد.
فالصورة التي يراها المرء من بعيد قد تبدو أرقامًا متتابعة؛ أما حين يكون بين تلك الأرقام اسمُ قريب، وبيتُ جار، ووجهُ صديق، فإن الأرقام تستعيد فجأةً أسماءها وملامحها.
كانت النار تترك وراءها ركامًا ظاهرًا، وغيابًا لا يُرى. أجسادٌ انتُشلت من تحت الأنقاض، وأخرى ظل مصيرها مجهولًا، وعائلاتٌ لم تجد ما يكفي لتعرف كيف تودّع أحبتها. وكان وراء كل خبرٍ بيتٌ ينتظر، ووراء كل اسمٍ حكايةٌ لم تكتمل.
هكذا كانت النار ذات الوقود: لا تحرق المكان وحده، بل تمتد إلى الذاكرة، وإلى الإحساس بالأمان، وإلى التفاصيل الصغيرة التي تجعل البيت بيتًا والمدينة مدينة.
ثم جاء خبرٌ آخر.
هذه المرة عن حجم الحشد العسكري والاستعداد لاجتياح بري محتمل. تناقلت الشاشات الأرقام والتقديرات، فيما أخذ القلق يتسلل إلى الوجوه. كان الحديث عن قواتٍ كبيرة جرى استدعاؤها، وعن استعداداتٍ عسكريةٍ واسعة، وعن تهديداتٍ بمحو غزة وتغيير وجهها.
التفت أحد الأحفاد إلى أمّنا وقال:
— يا جدتي، يحشدون قواتٍ كبيرة، ويتحدثون عن دخولٍ بري. وما زالوا يهددون بمحو غزة بكل ما فيها.
لم تجب فورًا.
ظلت تنظر إلى الشاشة، ثم قالت بصوتٍ خفيض:
— الله يستر... والله إننا لم ننسَ مجازر سنة 1948. ما زالت حكاياتها في ذاكرتنا، كأنها حدثت بالأمس.
كان في صوتها شيءٌ من الخوف، وشيءٌ من استدعاء الماضي، وشيءٌ من الحكمة التي يهبها العمر لمن رأى من تقلّبات التاريخ ما يكفي لئلا يطمئن إلى الوعود الكاذبة.
اقترب منها الحفيد، محاولًا أن يخفف عنها ثقل اللحظة:
— جدتي، أتذكرين قصة أصحاب الأخدود؟
نظرت إليه.
— نعم يا حبيبي، أذكرها.
قال:
— لقد كانوا مؤمنين، وواجهوا محنةً عظيمة. بقيت قصتهم في القرآن، وبقي ذكرهم شاهدًا على أن الظلم لا يمحو الحق من الذاكرة، وأن النهاية ليست دائمًا كما يريدها أصحاب القوة.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
— ربما نحتاج اليوم إلى أن نقرأ قصتهم من جديد، لا لننسى النار، بل لنتذكر أن الإنسان يستطيع أن يحفظ إيمانه وكرامته وسط المحنة.
أطرقت أمّنا رأسها، ورددت:
— يا رب، سلّم... يا رب، سلّم.
وفي تلك اللحظة، استقرت في ذهني صورةٌ لم أستطع نسيانها: جدةٌ عاشت النكبة، وأبناءٌ أدركوا النكسة وما تلاها، وأحفادٌ يشهدون فصلًا جديدًا من المأساة؛ ثلاثة أجيالٍ تجلس أمام شاشةٍ واحدة، يجمعها الخوف على غزة، وتربطها ذاكرةٌ واحدة، ويحاول كلٌّ منها أن يمنح الآخر شيئًا من القوة.
في الخارج، كانت النار تواصل اشتعالها.
وفي الداخل، كانت العائلة تحاول أن تحمي ما بقي من طمأنينتها، وأن تجمع أخبار الغائبين، وأن تحفظ أسماء الذين سقطوا من ذاكرة النسيان، وأن تتمسك بخيط الرجاء وسط هذا الليل الطويل.
لم يكن الكهف الذي اجتمعت فيه العائلة جدارًا من الصخر، ولا مكانًا معزولًا عن العالم؛ كان بيتًا صغيرًا تحاول فيه ثلاثة أجيال أن تفهم ما يحدث، وأن تستمد من إيمانها وذاكرتها قدرةً على مواصلة الحياة.
وعند آخر الليل، حين خفتت الأصوات وبقيت الأخبار تتدفق، عاد صوت أمّنا يتردد في المكان:
— الله يستر... الله يلطف بأهل غزة.
ثم رفعت يديها بالدعاء.
كانت النار ذات الوقود تلتهم ما حولها، لكن في ذلك البيت ظلّت شعلةٌ أخرى تقاوم الانطفاء: شعلة الذاكرة، والإيمان، والتمسك بالحياة.
ففي غزة، لا تُقاس الحكاية بما تهدم وحده، بل أيضًا بما يبقى في قلوب الناس حين يتداعى كل شيء من حولهم.