اخبار فلسطين

فلسطين أون لاين

سياسة

حين يتقاطع القرار الأمريكي مع ذكرى التقسيم لإعادة هندسة القضية الفلسطينية

حين يتقاطع القرار الأمريكي مع ذكرى التقسيم لإعادة هندسة القضية الفلسطينية

klyoum.com

في الذكرى التي أرادت لها القوى الكبرى أن تكون لحظة «ميلاد كيان» وانطفاء وطن، يعود 29 نوفمبر هذا العام محمّلاً بقرارٍ أمريكيّ في مجلس الأمن يسعى بوضوح إلى إعادة هندسة القضية الفلسطينية من خارج إرادة شعبها، وكأنّ الزمن يدور دورة كاملة ليعيد إنتاج لحظة التقسيم، ولكن هذه المرّة بأدوات أممية وبخطاب يبدو إنسانياً بينما يشرعن وصاية سياسية وأمنية على غزة، ويوجّه مسار القضية باتجاه يخدم الاحتلال.

إنّ تقاطع القرار الأمريكي مع ذكرى التقسيم هو مؤشر على مشروع سياسي متكامل يستهدف تفكيك عناصر القوة الفلسطينية، ونزع شرعية المقاومة، وفرض ترتيبات أمنية تعيد إنتاج الاحتلال في صيغة دولية جديدة، تحت راية السلام وإعادة الإعمار.

وبين ذاكرة التقسيم ومساعي الوصاية، يبقى السؤال المركزي: هل يمكن لمشروع لا يعترف بالشعب ولا بتضحياته ولا بحقوقه الثابتة أن يشكل مستقبلًا بديلاً للقضية؟ أم أنّ الوعي الوطني قادر، مرة أخرى، على إسقاط هندسة الخارج لصالح إرادة الداخل؟

التقسيم من 1947 إلى 2025

منذ اللحظة التي وُضع فيها قرار التقسيم على طاولة الأمم المتحدة عام 1947، تحوّل 29 نوفمبر إلى تاريخٍ يتجاوز كونه محطة زمنية؛ أصبح عتبة سياسية تُستدعى كلما أُريد إعادة رسم فلسطين بالقوة، ففي ذلك اليوم شُطِب الوجود الفلسطيني من معادلة القرار الدولي، وجرت هندسة جغرافيا ووطن وشعب خارج إرادته، تحت مظلّة خطابٍ شرّع اقتلاع الناس من جذورهم بدعوى تسوية تاريخية.

واليوم بعد مرور أكثر من سبعة عقود، يعود التاريخ بشكل صادم عبر القرار الأمريكي في مجلس الأمن الذي يعيد إنتاج المنطق ذاته، هندسة سياسية فوقية تُفرض من الخارج، دون تفويض وطني، ودون اعتراف بثمن الدمّ الذي يحمي هوية هذا الشعب، إنّ تشابه الأدوات بين اللحظتين من نصوص أممية غامضة إلى آليات ضغط تُدار خلف الأبواب المغلقة إنّما يكشف عن أنَّ فلسفة الإكراه الدولي لم تتغير، فقد تمت إعادة تغليفها بخطاب إنساني يهدف إلى تمرير ترتيبات لا علاقة لها بحماية البشر ولكن بإعادة تشكيل واقع سياسي وفق ميزان القوى.

ولم تكن الولايات المتحدة يوماً خارج هذه الهندسات الكبرى؛ فمنذ 1947 وحتى اللحظة الراهنة، لعبت دور المُهندس الأعلى للحظات التحوّل الحاسمة في فلسطين، سواء عبر صناعة القرار الدولي، أو عبر إعادة تعريف مفهوم الاستقرار بما يتناسب مع الرؤية الصهيونية، لقد تحوّلت واشنطن من وسيطٍ مزعوم إلى قوة ناظمة للمشهد الإقليمي، تستخدم الشرعية الدولية كأداة تعطيل أو تمرير حسب مصالحها، وتعيد إنتاج 29 نوفمبر في كل محطة تُفرض فيها حلول خارجية على الفلسطينيين.

القرار الأمريكي في مجلس الأمن؛ شرعية منقوصة

يأتي القرار الأمريكي في مجلس الأمن بوصفه نصاً فاقداً لشرط الشرعية الوطنية، إذ ينطلق من منطقٍ يعتبر فلسطين ملفاً قابلاً للإدارة، لا قضية شعبٍ يمتلك حق القرار وحق الإرادة، فالتفكيك الدقيق لبنود القرار يكشف عن بنية تُقصي الفلسطيني من معادلة الفعل، وتستبدله بنظام وصائي ناعم يراد له أن يتحكّم بمستقبل غزة من خارج أصحاب الحق.

فالقرار لا يعترف بمكانة الفلسطيني كصاحب الأرض، لكنّه يُقدّم ترتيبات انتقالية تُدار بأدوات دولية وإقليمية، لتصبح السلطة على غزة منفصلة عن الشعب ومرتبطة بالجهة المانحة للشرعية، في محاولة لتجريد القرار الوطني من وظيفته التاريخية.

وتظهر أخطر نقاط القرار في محاولته إعادة إنتاج الاحتلال بصيغة قوة دولية؛ قوة يجري تسويقها على أنها ضامن للأمن والاستقرار، بينما تُبنى عملياً لتكون ذراعاً تنفيذية لميزان القوى القائم، بمهام تتجاوز حماية المدنيين إلى ضبط الإقليم السياسي لفلسطين وإعادة تشكيل بنيته الداخلية، هذه الصيغة لا تُقدّم ضمانات حقيقية، إنّما تخلق طبقة جديدة من الإشراف الخارجي، تتحوّل فيها القبعة الأممية إلى غطاء قانوني يُمكّن الاحتلال من إدارة المشهد دون أن يرفع كلفة وجوده.

أما الفجوة بين النص الأممي والواقع الميداني، فهي فجوة وعي قبل أن تكون فجوة بنود، فاللغة التي يتحدث بها القرار عن تهدئة، وإعادة إعمار، وترتيبات أمنية مؤقتة هي لغة مُحايدة ظاهرياً لكنها منزوعة من سياق الحقيقة؛ إذ لا ينعكس من هذه الوعود شيء على الأرض، فالميدان يشهد استمراراً لمنطق القوة، بينما النصّ يعرض سردية مصقولة تُستخدم لتمرير إعادة هيكلة الوضع وفق الرؤية الأميركية–الصهيونية.

إنّ ما يُكتب في نيويورك لا يعكس ما يُنفّذ في غزة؛ فهناك نصٌّ للعرض ونصٌّ للتطبيق، وبينهما تُدار محاولة متقدمة لنزع القرار من يد الشعب وتسليمه لآليات إدارة دولية تتجاهل الكلفة الإنسانية والسياسية التي دفعها الفلسطينيون لحماية حقهم، وهكذا يتبدّى القرار الأميركي كجزء من هندسة وصائية عابرة للحدود، تحاول إعادة تعريف الفلسطيني وفق مقاسات جاهزة، وتمنح الاحتلال حق إدارة المستقبل من خلف ستار الأمم المتحدة.

سلاح المقاومة بين القانون الدولي ومحاولات النزع السياسي

يحتلّ سلاح المقاومة مكانة تأسيسية في الوعي الوطني الفلسطيني، كونه عنصر بنيوي في معادلة الوجود، فالقانون الدولي الإنساني، رغم محاولات القوى الكبرى تهميشه، ينصّ بوضوح على حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته بكل الوسائل المشروعة، وهذا النصّ هو اعتراف دولي بأنّ الاحتلال نفسه هو الفعل غير الشرعي، وأنّ مقاومته حقٌّ أصيل ينبثق من معادلة الدفاع عن الذات والأرض والهوية.

ومن هنا تتكثّف محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية لتدويل ملف السلاح وتحويله إلى أداة ابتزاز سياسي، فهذه القوى تدرك أنّ سلاح المقاومة هو مكوّن سيادي يحدّد قدرة الفلسطينيين على منع فرض هندسات خارجية على مستقبلهم، لذلك تُدفع الجهات المختلفة نحو فتح هذا الملف خارج سياقه الوطني، في محاولة لعزله عن جذره الحقيقي: وجود احتلال مستمر يمارس القوة بلا ضوابط.

لكن ما يغيب عن هندسات الخارج أنّ سلاح المقاومة هو معادل ردع يصون المشروع الوطني ويمنع تمدد الإرادة الصهيونية نحو إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق مقاساتها، فحين يُراد تحويل القوة الدولية إلى وكيل أمني، وحين تُطرح مشاريع إدارة انتقالية، يصبح السلاح الفلسطيني هو الضمانة الأخيرة لإفشال منطق الوصاية، إنه العامل الذي يكسر فكرة أن مستقبل غزة يمكن أن يُكتب في العواصم البعيدة.

إنّ سلاح المقاومة، بهذا المعنى، يُمثل جزء من البنية التاريخية التي حمت الفلسطيني من التلاشي، وحفظت للقضية روحها في زمن كانت فيه الخيارات السياسية كلها مائلة لصالح الاحتلال، وهكذا يصبح الدفاع عن سلاح المقاومة دفاعاً عن الشرعية الوطنية ذاتها؛ لأنه السدّ الذي يمنع إعادة كتابة فلسطين بقرارات فوقية، كما حدث في 1947 وكما يُراد له أن يحدث اليوم بغطاء أممي مُعاد تدويره.

القوة الدولية؛ من حفظ السلام إلى ذراع أمنية للاحتلال

تتحرّك فكرة القوة الدولية في الخطاب الأممي كأنها أداة حيادية تُستدعى عند الحاجة، لكن التجربة تُثبت أنها تتحوّل سريعاً إلى مكوّن سياسي مُعاد تعريفه وفق ميزان القوى، وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن قراءة أي مقترح لقوة دولية باعتباره مبادرة لحماية المدنيين، بل بوصفه آلية مزوّقة لإعادة إنتاج السيطرة الصهيونية عبر وسيط أممي، يقدّم نفسه كطرف ثالث بينما ينفّذ أجندة الطرف الأقوى.

إنّ أخطر ما يحمله هذا المقترح هو تحويل القوة الدولية إلى طرف منحاز، يُفترض به مراقبة الأمن في غزة بينما تُصاغ مهماته الفعلية بما ينسجم مع الاحتياجات الصهيونية من ضبط السلاح، وتقييد الحركة، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية الداخلية، وخلق منظومة رقابة مستدامة تضع الفلسطيني تحت عين خارجية لا تختلف في وظيفتها عن عين الاحتلال.

وهكذا تنتقل القوة الدولية من حفظ السلام إلى حراسة هندسة سياسية جديدة، تُدار من فوق رأس الفلسطيني، وتمنح الاحتلال مساحة إضافية لإعادة ترتيب المشهد دون أن يتحمل تبعات وجوده المباشر.

وحين ننظر إلى تجارب سابقة حول العالم، يتضح سريعاً أن المسار الأممي يفشل كلما تحوّل إلى ذراع سياسية للأقوى؛ ففي مناطق عدّة -من البلقان إلى أفريقيا الوسطى- تحوّلت القوات الدولية إلى أجهزة مراقبة بلا قدرة على حماية المدنيين أو منع الانتهاكات، لقد أثبتت تلك التجارب أن القوة الدولية، حين تُسحب منها الحيادية، تصبح أداة تأبيد للوضع القائم وليست قناة للخروج منه، وتشارك -بقصد أو من دونه- في تكريس هندسات سياسية تُكتب في الخارج وتُفرض بالقوة الناعمة على الأرض.

أما في الحالة الفلسطينية، فالأخطر أن تُمنح هذه القوة تفويضاً داخل غزة تحت عنوان ضمان الاستقرار، فمثل هذا التفويض سيخلق أمناً مصطنعاً يقوم على نزع قدرة الفلسطيني على حماية نفسه، وعلى إحلال منظومة رقابة خارجية مكان الإرادة الوطنية، وهكذا تتحوّل القوة الدولية إلى يتيم سياسي يحمل هوية الاحتلال بقبعة أممية، يكرّس حالة مراقبة دائمة، ويمنح "إسرائيل" حرية الحركة دون أن تظهر بمظهر المتحكم، إنها ليست قوة لحفظ السلام، هي أداة لإعادة توزيع السيطرة تحت راية الأمم المتحدة.

وحدة الموقف الفلسطيني كخط دفاع أول

يستهدف القرار الأميركي الهوية الفلسطينية لأنه يدرك أن الهوية الموحدة أخطر من أي قوة مادية؛ فهي البنية التي تمنح الفلسطيني القدرة على إفشال المشاريع المفروضة من الخارج، فالقرار لا يتعامل مع الفلسطيني كصاحب إرادة، بل كحالة قابلة للإدارة، ولهذا يحاول ضرب القرار الوطني عبر خلق تباينات داخلية تُسهّل تمرير هندسات سياسية تتجاوز الشعب وتختزل مستقبله في ترتيبات أمنية وإدارية.

إنّ تفتيت الموقف الفلسطيني هو المدخل الحقيقي لأي مشروع وصاية، لأن الخارج لا يستطيع فرض معادلاته إلا إذا وجد داخلاً مشغولاً بالتجاذبات، ولهذا تصبح الجبهة السياسية والإعلامية الموحدة شرط حماية سيادي يُفشل أي محاولة لإنتاج قيادة بديلة، أو هندسة تمثيل جديد، أو فرض ترتيبات تتعامل مع غزة ككيان منزوع القرار، فالإعلام الموحد، والخطاب السياسي المنسجم، يقطع الطريق على الروايات التي تُسوّق فكرة أن الفلسطيني قابل للإزاحة من مشهده، أو أن الإرادة الوطنية تابعة لإرادة المانحين.

أما الوعي الشعبي، فهو القوة التي أسقطت قرارات أشد خطورة عبر التاريخ، الوعي هنا يُمثل منظومة مقاومة مجتمعية تقاوم هندسة الخارج عبر تثبيت الثوابت، ورفض أي مسار لا ينطلق من حق الشعب في تقرير مصيره، إنّ الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول في مواجهة مشروعٍ يسعى إلى إعادة هيكلة فلسطين من فوق، وتقديم بديل سياسي لا يمتّ للشرعية الوطنية بصلة، وحين يتوحّد الفلسطيني، يسقط جوهر المشروع الخارجي مهما بدا محكماً

ما بعد القرار؛ مسارات المستقبل وإعادة تعريف فلسطين

يحمل القرار الأميركي دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة؛ فهو يهدف إلى إعادة تعريف فلسطين بما يتوافق مع الرؤية الأميركية–الصهيونية طويلة المدى، وعلى المدى القريب، ستحاول القوى الكبرى استخدام القرار كمدخل لفرض ترتيبات أمنية في غزة، واستخدام القوة الدولية لضبط المشهد الداخلي، وخلق واقع إداري منفصل عن الإرادة الوطنية.

أما على المدى البعيد، فيسعى القرار إلى نقل مركز الثقل السياسي من الشعب إلى منظومة دولية تُدار من الخارج، بحيث يصبح الفلسطيني موضوعاً للقرارات لا شريكاً في صناعتها.

وتبرز أمام الفلسطينيين ثلاثة سيناريوهات أساسية:

1. سيناريو التمرير الهادئ: حيث يحاول الخارج فرض القرار تدريجياً عبر أدوات مالية وسياسية، مع خلق مساحات ضغط على القوى الفلسطينية.

2. سيناريو المُمانعة المنظمة: وهو الأكثر واقعية، حيث تتشكل جبهة فلسطينية موحدة تسحب الشرعية من أي ترتيبات خارجية وتعيد القرار إلى مرجعيته الوطنية.

3. سيناريو الكسر السياسي: حيث تفشل هندسة الخارج، فيتكرّس واقع جديد يعتمد على قدرة الفلسطينيين على تثبيت قواعد معادلة يحكمها الردع الشعبي والسياسي، ويجري فيها إعادة تعريف السلطة والسيادة من داخل المشهد الفلسطيني نفسه.

وفي كل هذه المسارات، تظل غزة بوصلة المستقبل؛ فهي المكان الذي حاولت القوى الكبرى إعادة هندسته مراراً، لكنها في كل مرة تعيد إنتاج ذات الحقيقة: أن هذه الأرض تصوغ مستقبلها من داخلها لا من خارجها.

إنّ ما بعد القرار الأميركي لن يكون إعادة ترتيب فلسطينية بعيون الخارج، إنّما إعادة تعريف فلسطين بعيون أصحابها؛ لأن الشعب الذي أسقط ذاكرة التقسيم من أن تكون قدراً محتوماً، قادر اليوم أيضاً على إسقاط هندسة جديدة تحاول أن تُكتب بالنيابة عنه.

في ذكرى التقسيم، يعود 29 نوفمبر ليذكّر العالم بأن فلسطين ليست مساحة قابلة لإعادة التشكيل في غرف القرار الدولي، وأن كل محاولة لفرض هندسة جديدة -كما في القرار الأميركي الأخير- ليست إلا نسخة محدثة من منطقٍ قديم سقط تحت أقدام الوعي الفلسطيني.

فالشعب الذي أفشل مشروع الاقتلاع الأول، وواجه النكبات المتتابعة بلا وصاية وبلا انكسار، هو نفسه القادر اليوم على إسقاط أي صيغة تُكتب فوق إرادته.

وهكذا، يصبح القرار الأميركي محطة أخرى في سجلٍ طويل من محاولات إعادة رسم فلسطين من الخارج، بينما يواصل الفلسطيني تثبيت الحقيقة الكبرى: أن مستقبل هذه الأرض يُكتب هنا، بوعي أبنائها، لا في أي عاصمة أخرى.

 

*المصدر: فلسطين أون لاين | felesteen.ps
اخبار فلسطين على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2025 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com