التفاوض تحت النار في غزة.. حين تتحول المقترحات غير القانونية إلى جزء من المشكلة
klyoum.com
حين تُدار المفاوضات خارج حدود القانون، لا تُحل الأزمات… بل يُعاد إنتاجها بصيغ أكثر قسوة.
لم تعد المشكلة في غياب الحلول، بل في طبيعة ما يُطرح منها؛ فبعض المقترحات التي تُقدَّم اليوم تحت عنوان “التسوية” تفتقر إلى الحد الأدنى من المشروعية القانونية، وتكاد تتحول من أدوات للحل إلى أدوات لإدامة الأزمة.
في لحظات التفاوض الأكثر تعقيدًا، حين تتقاطع المعاناة الإنسانية مع الحسابات السياسية، يصبح التمسك بالقانون الدولي ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة عملية لضمان أن أي تسوية قادمة لن تكون مجرد هدنة مؤقتة، بل أساسًا لاستقرار مستدام.
إن ما تشهده المرحلة الراهنة من طرح مقترحات تفاوضية متسارعة، بالتوازي مع واقع إنساني بالغ القسوة، يفرض إعادة التأكيد على مبدأ جوهري:
لا يمكن لأي اتفاق أن يكتسب مشروعيته تحت ضغط أو إرهاق أو اختلال في موازين القوة، بل من مدى اتساقه مع قواعد القانون الدولي، وخاصة القواعد الآمرة (Jus Cogens) التي لا يجوز تجاوزها، وفقًا لما تقرره اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (المادتان 53 و64).
إن القيادة التفاوضية التي تعمل تحت ضغط غير مسبوق، وفي ظل واقع ميداني وإنساني معقد، لا تُقاس قراراتها بمدى سرعتها في الوصول إلى اتفاق، بل بقدرتها على صون الحقوق الأساسية، وضمان أن أي التزام يتم قبوله هو التزام متوازن، متبادل، وقابل للتنفيذ.
وفي هذا السياق، فإن المقترحات التي تُبنى على فرض التزامات أحادية، أو التي تفتقر إلى ضمانات واضحة وملزمة لجميع الأطراف، تظل مقترحات غير مكتملة من حيث الأساس القانوني، مهما بدت قابلة للتداول السياسي.
فالتوازن في الالتزامات ليس خيارًا تفاوضيًا، بل شرطًا لصحة أي اتفاق واستمراريته.
كما أن مبدأ حسن النية في التفاوض يُعد مبدأً مستقرًا في القانون الدولي (المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات)، ويقتضي الامتناع عن طرح مبادرات يعلم مقدموها أنها لا تستوفي الحد الأدنى من معايير العدالة القانونية، أو أنها تنقل عبء الالتزامات إلى طرف واحد دون مقابل مكافئ.
ومن زاوية أخرى، فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه تحت الإكراه، أو نتيجة التهديد باستخدام القوة، يُعد باطلًا وفقًا لنص المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، وهو ما يعزز ضرورة أن تتم المفاوضات في بيئة خالية من الضغوط غير المشروعة.
أما فيما يتعلق بالوضع الإنساني، فإن القواعد الأساسية في اتفاقيات جنيف، وخاصة الاتفاقية الرابعة:
- المادة 27: تفرض حماية الأشخاص المدنيين وضمان احترام كرامتهم؛
- المادة 33: تحظر العقوبات الجماعية؛
- المادة 49: تحظر النقل القسري للسكان؛
كما تؤكد القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني على حظر استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.
وفي السياق ذاته، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 11) يكرّس الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما في ذلك الغذاء والمأوى، بينما تؤكد (المادة 13) الحق في التعليم، وهي حقوق لا يجوز تعطيلها حتى في ظل النزاعات.
إلى أبناء الشعب الذين يواجهون يوميًا ظروفًا استثنائية من النزوح والحرمان، فإن صبركم ليس مجرد تحمّل، بل هو جزء من حماية الحق نفسه. إن القبول بأي حل لا يستند إلى الحد الأدنى من العدالة قد يخفف الألم مؤقتًا، لكنه يفتح الباب لمعاناة أطول وأعمق. لذلك، فإن التمسك باتفاق متوازن ومشروع ليس رفاهية، بل ضمانة لعدم تكرار المأساة.
وفي الوقت ذاته، فإن الخطاب الذي يُصوّر العملية التفاوضية وكأنها منفصلة عن معاناة الناس، أو يُشكك في جدوى التمسك بالمبادئ القانونية، لا يخدم الوصول إلى حل عادل، بل يُضعف الموقف التفاوضي ويُعزز منطق فرض الوقائع بدل معالجتها.
أما المجتمع الدولي، فإن مسؤوليته لا تقتصر على رعاية المفاوضات، بل تمتد إلى ضمان إطارها القانوني.
فالتسويات التي تُبنى على أسس غير متوازنة قد تُنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تُنتج سلامًا مستدامًا.
ومن هنا، فإن دعم مسار تفاوضي قائم على التوازن، والوضوح، والالتزام بالقانون الدولي، هو استثمار في الاستقرار.
وفي هذا الإطار، فإن مراجعة المقترحات المطروحة يجب أن تتم وفق معايير واضحة:
- التوازن في الالتزامات بين الأطراف.
- وجود ضمانات تنفيذية حقيقية وقابلة للتحقق.
- عدم المساس بالحقوق الأساسية للسكان المدنيين.
- توافق أي اتفاق مع القواعد الآمرة في القانون الدولي.
إن السلام العادل لا يُبنى على إنهاك الأطراف أو استنزافها، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق، والالتزام بقواعد تحكم الجميع دون استثناء.
وفي النهاية، فإن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، تُمثل فرصة لإعادة التأكيد على أن القانون الدولي ليس مجرد إطار نظري، بل هو الضامن الوحيد لأن لا تتحول التسويات إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
إن الاتفاق الذي يصمد هو الاتفاق الذي يكون عادلًا.
وكل ما دونه، وإن بدا حلًا قريبًا، يحمل في داخله بذور أزمة قادمة.