فوضى الجوع بأدوات الاحتلال.. سرقات منظمة تضرب ما تبقى من مقومات الصمود بغزة
klyoum.com
تقرير - شهاب
في خضم الأوضاع الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، ومع استمرار حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي والحصار الخانق الذي يفتك بكل مظاهر الحياة، بدأت تطفو على السطح مظاهر خطيرة، تمثلت في تصاعد أعمال السطو والنهب والسرقة، التي لم تعد تقتصر على الممتلكات الخاصة، بل امتدت لتطال الممتلكات العامة ومستودعات الإغاثة الإنسانية، وحتى المساعدات التي بالكاد تصل للقطاع بعد عناء طويل.
الأخطر من ذلك، بحسب ما أفادت به مصادر ميدانية وشهود عيان، هو أن بعض هذه الأعمال تتم بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع الاحتلال، سواء من خلال تسهيل عبور مجموعات معينة أو التغاضي عن تحركات مشبوهة في مناطق خاضعة للمراقبة الجوية والبرية، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول أهداف هذا التواطؤ.
كما شهدت بعض الأسواق عمليات سرقة من جماعات، في وقت تسلحت هذه المجموعات بأسلحة تقدر بآلاف الدولارات، لتنفيذ عمليات السرقة تحت تهديدها، وهو ما يؤكد أنها تعمل لصالح الاحتلال الإسرائيلي، بدعوى الجوع.
وتُعد هذه التطورات مؤشرًا خطيرًا على تحول الأزمة من مجرد كارثة إنسانية إلى أزمة قيم وسلوك ومصير، ما يفرض على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التحرك بشكل عاجل لحماية تدفق المساعدات، وضمان وصولها إلى مستحقيها، ومنع تحوّل غزة إلى ساحة للفوضى المدفوعة بالجوع والتواطؤ.
ولطالما سعت أجهزة أمن الاحتلال، بدعم من جهات متنفذة، إلى زعزعة استقرار النسيج الاجتماعي في قطاع غزة، عبر تنفيذ مخططات ممنهجة تستغل الأزمات المتتالية التي يعاني منها السكان، فوسط الجوع الخانق، والحصار القاتل، ووطأة الحرب المتواصلة، لم تتردد تلك الأطراف في إشعال شرارات الفتنة، وتأجيج الفوضى بين أبناء الشعب الواحد، أملاً في تفكيك وحدة المجتمع وضرب تماسكه من الداخل.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن هذه المحاولات لم تكن عشوائية، بل مدروسة بعناية، تستثمر حالة الانهيار الإنساني لتزرع الشك بين الناس، وتدفعهم إلى الصراع على الفتات، في ظل غياب الغذاء، وشح الموارد، وضعف المؤسسات المحلية المنهكة أصلاً من القصف والاستنزاف المستمر.
وفي أبرز تواطؤ مع الاحتلال، علق رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان، رامي عبده، بالقول: "حتى نفهم مشهد غزة اليوم بشكل أوضح.. بالأمس حاول بعض اللصوص سرقة تكية تتبع جمعية تدعى قوافل الخير، حاولت الجمعية اليوم بتأمينها من خلال العاملين فيها وبعض المتطوعين فقامت طائرات الاحتلال باستهدافهم اليوم".
وبدورها، حذّرت الجبهة الداخلية في قطاع غزة من تكرار حوادث السطو على المخازن والشاحنات، مشددة على أن "أمن المجتمع خط أحمر" ولن يُسمح بالعبث به أو التهاون في محاسبة المتورطين.
وأكدت الجبهة في بيان صحفي، أنها لن تتساهل مع أي محاولة لزعزعة الاستقرار أو المساس بقوت المواطنين، مشيرة إلى أن هذه الأعمال "تشكل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي".
وأشارت إلى أن إجراءات صارمة وفورية ستُتخذ بحق كل من يثبت تورطه في هذه الاعتداءات، وذلك بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية المختصة.
كما وجّهت الجبهة تحذيرًا شديد اللهجة لكل من يشارك أو يتستر على مثل هذه الأعمال، مؤكدة أن "يد العدالة ستطال كل من تسوّل له نفسه التعدي على أمن وأمان شعبنا".
هذا الواقع دفع العديد من العائلات الغزية إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة ترفض فيها بشدة هذه الانتهاكات، وتؤكد على تمسكها بقيم الأخلاق والدين والوحدة المجتمعية.
وأكدت البيانات الجماعية أن ما يحدث في غزة ليس انعكاساً لحالة الجوع وحدها، بل هو استغلال منظم للفوضى من قبل جهات تسعى لتدمير المجتمع من الداخل.
وتصر عائلات غزة، رغم الألم والمعاناة، على الوقوف في وجه كل من يحاول زعزعة السلم المجتمعي، وتطالب الجهات المختصة، وأبناء المجتمع كافة، بتحمل مسؤولياتهم في هذه المرحلة الحرجة.
ودعت العائلات المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لإدخال المساعدات الإنسانية، فالفوضى لا تُبرر، والمعاناة لا تبرر التخلي عن القيم، وغزة تستحق أن يُصان كرامتها في وجه الظلم والخراب.
ومن جانبها، حذرت الهيئة العليا لشؤون العشائر، من دخول غزة مرحلة "بغاية الخطورة" من التجويع الجماعي، نتيجة الحصار الإسرائيلي الخانق والصمت الدولي المطبق، مشيرة إلى أن "حياة مئات الآلاف من الأبرياء، وعلى رأسهم الأطفال، باتت مهددة بالموت جوعًا في أي لحظة".
وقالت الهيئة، إن مشاهد الأطفال الهزلى، والمرضى الذين يموتون بصمت، والأسر التي تبحث عن ما يسد رمقها وسط الركام، أصبحت "جزءًا من الواقع اليومي المؤلم في غزة"، مؤكدة أن القطاع يقترب من لحظة مأساوية "قد يُضطر فيها الأهالي إلى تكفين أطفالهم الذين يموتون جوعًا"، في مشهد وصفته بـ"وصمة العار على جبين الإنسانية".
وفي السياق، دعت إلى تشكيل لجان حماية شعبية في مختلف مناطق قطاع غزة، لمواجهة تفشي الفوضى وازدياد محاولات النهب والسرقة، التي تهدد أمن الناس وممتلكاتهم في ظل تراجع أدوات الحماية الرسمية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه التحديات الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، في ظل الحصار المستمر وتدهور الأوضاع المعيشية، وهو ما يضع الجهات المختصة أمام ضرورة الموازنة بين الحفاظ على النظام العام وضمان العدالة الاجتماعية.
يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تدمير مختلف سبل تسيير شؤون الحياة في قطاع غزة، ويكرر استهداف الآليات والمعدات الثقيلة كي يحرم البلديات من تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين.
وبحسب مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فإن "الاحتلال يستهدف بشكل ممنهج كافة مقومات الحياة، ويقصف مرافق البلديات، وقد ألحق ضرراً كبيراً بعمل البلديات من خلال تدمير العديد من الآليات والجرافات بأنواعها المختلفة، وتدمير المكاتب الإدارية، وخدمات البنية التحتية، ما أدى إلى توقف بعض الخدمات الأساسية".
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي منذ نحو شهرين منع دخول جميع المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إذ أوقفت في 2 مارس/ آذار الماضي، عبور المساعدات من معابر قطاع غزة، ما أدى إلى توقف دخول المواد الإغاثية والوقود بشكل كامل.
وبدعم أمريكي مطلق ترتكب حكومة الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك التاريخ جرائم إبادة جماعية في غزة خلّفت أكثر من 170 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود.