تقرير إغلاق الأقصى... ذرائع أمنية لفرض السيطرة وتكريس التقسيم
klyoum.com
للأسبوع الخامس على التوالي، يمنع الاحتلال إقامة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، ضمن الإغلاق المستمر للمسجد منذ 29 يومًا حتى الآن، وهو أطول إغلاق تفرضه قوة احتلال على الأقصى منذ تحريره من الصليبيين قبل ثمانية قرون.
وفي مشهدٍ يعكس حالة المواجهة، يواصل المرابطون والمقدسيون أداء صلواتهم على أبواب البلدة القديمة وفي الطرقات المؤدية إليها، إذ أدّوا الصلاة على عتبات المسجد الأقصى على الرغم من ملاحقة شرطة الاحتلال لهم، ومنعهم من الصلاة في شارع صلاح الدين شمال البلدة القديمة.
ويتخذ الاحتلال من الأوضاع الأمنية المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ذريعة للإغلاق، إلا أن عدم فرض هذه القيود على المستوطنين يكشف عن توجهات إسرائيلية خطيرة تجاه الأقصى، تمهّد لتقسيمه زمانيًا ومكانيًا وفرض السيطرة عليه.
ويتزامن ذلك مع استمرار عزل البلدة القديمة في القدس عن محيطها، عبر الحواجز العسكرية وانتشار قوات الاحتلال في أحيائها، ومنع المقدسيين من الدخول إليها باستثناء سكانها.
وتثير دعوات جماعات "الهيكل" المتطرفة في دولة الاحتلال لفرض ما يُسمى بـ"قربان الفصح" داخل المسجد الأقصى، بالتزامن مع اقتراب ما يُعرف بـ"عيد الفصح" اليهودي مطلع أبريل/نيسان المقبل، مخاوف واسعة من احتمال محاولة تنفيذ هذا الطقس التلمودي داخل الحرم القدسي.
وتقول مرابطة مقدسية إن المشهد في المسجد الأقصى ومحيطه بلغ مستوى غير مسبوق من الحزن والقهر، في ظل استمرار إغلاق المسجد ومنع المصلين من الوصول إليه، مؤكدة أن ما يجري "ليس وضعًا هيّنًا، بل حرب على الجميع".
وأضافت المرابطة، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها لصحيفة "فلسطين"، أن الاحتلال يفرض حصارًا مشددًا على البلدة القديمة، ويمنع أي شخص من الدخول إليها باستثناء سكانها، موضحة أن كثيرين يحاولون الوصول إلى المسجد الأقصى، لكن يتم منعهم عند الحواجز أو مداخل البلدة.
وتابعت: "للمرة الأولى في حياتي أرى الأقصى يحزن بهذا الشكل، الوضع سيئ جدًا، الأقصى لا يجب أن يُغلق ويجب أن نبقى في محيطه".
وأشارت إلى أن المصلين اضطروا خلال الأسابيع الماضية إلى أداء الصلوات في الشوارع والطرقات المؤدية إلى المسجد الأقصى، خاصة في منطقتي صلاح الدين وباب الأسباط، بعد منعهم من الوصول إلى داخل المسجد.
وقالت: "الشرطة تمنع المصلين من دخول البلدة القديمة، وكل إنسان يحاول الدخول يتم منعه، إلا سكان البلدة القديمة، الذين يصلّون في الشوارع".
وأضافت: "صلّينا جمعتين، وكنا نصلّي التراويح في البيوت وفي الشوارع، لأن الوصول إلى الأقصى كان شبه مستحيل".
ولفتت إلى أن المقدسيين يعيشون ظروفًا صعبة ومعقّدة، في ظل القيود المفروضة على أماكن العبادة والتجمعات العامة، موضحة أن الإجراءات تشمل إغلاق الجوامع والكنائس ومنع أي تجمع يزيد على خمسين شخصًا، قائلة: "إذا راح الأقصى، راح عزّ المسلمين".
تغييرات متسارعة
ويرى الباحث في مؤسسة القدس الدولية، علي إبراهيم، أن الاحتلال يسعى من خلال الإغلاق وتمديده إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها إحداث تغييرات مباشرة ومتسارعة في واقع السيطرة على المسجد الأقصى المبارك.
وقال إبراهيم، وهو متخصص في شؤون القدس، لصحيفة "فلسطين": "من خلال استمرار الإغلاق لفترات طويلة، وصلت إلى نحو شهر، يحاول الاحتلال فرض إجراءاته واعتداءاته كأمر واقع، بحيث تتحول القيود المفروضة إلى ما يشبه 'السيادة' على الأقصى".
ولفت إلى أنه في أحداث سابقة، وخلال تنفيذ أي عملية نوعية، أغلق الاحتلال المسجد، سواء بشكل جزئي أو كامل، عقب أي عملية، سواء كانت قريبة من الأقصى أو بعيدة عنه.
وحذر من أن الاحتلال يعمل منذ سنوات على تقليص الحضور الإسلامي في المسجد الأقصى وتضييق هذا الحضور، عبر فرض قيود عمرية، وإصدار قرارات إبعاد، وتشديد الإجراءات في البلدة القديمة، وصولًا إلى الإغلاق الكامل.
ورأى إبراهيم أن ما يجري اليوم يتقاطع مع أجندات المنظمات المتطرفة، ويجعل من الإغلاق أداة عقاب جماعي للفلسطينيين، خاصة أنه تزامن مع شهر رمضان وعيد الفطر، وهما من أهم المواسم الدينية.
كما حذر من أن الاحتلال يحاول تحويل الأقصى من محرك أساسي للجماهير وشرارة لإطلاق الهبّات، على غرار هبة باب الأسباط أو الهبات منذ بدء الاحتلال وصولًا إلى "طوفان الأقصى"، إلى قضية معزولة يتم التحكم فيها ضمن إطار جغرافي محدود هو مدينة القدس.
ويستغل الاحتلال الأحداث الإقليمية، مثل التصعيد مع إيران، لتبرير إجراءاته، مدعيًا أنها تأتي ضمن تعليمات "الجبهة الداخلية" لحماية السكان. لكن الواقع، وفق إبراهيم، يكشف عكس ذلك، إذ لم تُفرض قيود مماثلة على المستوطنين، الذين واصلوا نشاطاتهم واحتفالاتهم في البلدة القديمة دون قيود خلال ما يسمى "عيد المساخر"، حيث شاهد الجميع تلك الاحتفالات.
محاولات تقسيم
وحذر إبراهيم من محاولات واضحة للتمهيد لتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا، على غرار ما حدث في المسجد الإبراهيمي، عبر طرح خطاب "المساواة" لتبرير تقاسم الأوقات بين المسلمين والمستوطنين.
وأشار إلى أن منظمات متطرفة قدمت عرائض تطالب بتوسيع فترات اقتحام المستوطنين، لتشمل أوقاتًا جديدة بين العصر والمغرب، وكذلك بين المغرب والعشاء، مع مطالب بأن يكون الوقت مناصفة بين الطرفين بذريعة "المساواة"، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاعتداءات على الأقصى.
وأضاف أن هناك مطالب بتوسيع مناطق أداء الطقوس داخل المسجد، وعدم حصرها في أماكن محددة، كما جرى في الأعياد اليهودية نهاية عام 2025، مثل "عيد الغفران"، حيث أُقيمت طقوس علنية خارج الساحات الشرقية للأقصى.
وأوضح أن الاقتحامات تجري في الآونة الأخيرة على فترتين: الأولى صباحية حتى ما قبل أذان الظهر، والثانية بين صلاتي الظهر والعصر.
وعن الصلاة على أبواب الأقصى، أكد إبراهيم أن أي تحرك فلسطيني، سواء من الداخل أو من القدس، يُعد مهمًا في التصدي لهذه الإجراءات، مشيرًا إلى أن أبرز أدوات المواجهة تتمثل في الحضور الشعبي، خاصة من خلال الصلاة في محيط المسجد، والتي تعكس رفض الإغلاق والتمسك بالمكان.
وأضاف أن التجارب السابقة، مثل هبة باب الأسباط عام 2017، أثبتت أن الضغط الشعبي قادر على إجبار الاحتلال على التراجع، مؤكدًا أن الاحتلال لا يستطيع تجاهل هذا الضغط نظرًا لخصوصية التعامل مع المقدسيين.
وشدد على أن الرهان يجب ألا يبقى على الأعداد الحالية، بل يتطلب زيادة المشاركة في الصلوات لتشكيل حالة ضغط مستمرة، وأن تتحول الصلوات أمام الأقصى إلى محطات مواجهة، كما حدث في هبة باب الأسباط، مع ضرورة وجود دور عربي وإسلامي أكبر في ممارسة الضغط السياسي، لأن ما يجري في الأقصى يتطلب تحركًا على جميع المستويات.