حين يصبح الزمن سلاحا
klyoum.com
أخر اخبار فلسطين:
إصابة شاب برصاص الاحتلال في الخليلالناظر الى المواجهة بين جيش الاحتلال وحزب الله بوصفها حربا تقليدية يفوته تفصيل جوهري مهم، فهي ليست مواجهة كلاسيكية بل صراع طويل بين عقلين استراتيجيين مختلفين تماما، الاول يعتقد ان القوة التدميرية يمكن ان تحسم الحرب والاخر يبني استراتيجيته على الزمن والاستنزاف والصبر.
خلال السنوات التي سبقت الهروب الكبير عام 2000 كان الحزب يقاتل بأسلوب مختلف، قوامه استنزاف الاحتلال عبر عمليات محدودة لكنها مستمرة، ما جعل بقاءه مكلفا سياسيا وبشريا حتى انتهت التجربة بهروب مفاجئ اعتبر حينها اول انسحاب له تحت ضغط المقاومة، وما لبث ان تكرر الامر مرة اخرى في غزة عام 2005.
في اعقاب حرب 2006 بدا وكأن المواجهة تحولت الى ما يشبه توازن ردع، تحول معها الحزب الى قوة عسكرية شبه نظامية تمتلك ترسانة صاروخية وبنية تنظيمية، بينما ركز الاحتلال على التفوق الجوي والتكنولوجي، لكن المواجهة الاخيرة توحي ان الحزب يعيد التفكير في طبيعة الحرب نفسها ويعود تدريجيا الى فلسفة الاستنزاف ولكن بقدرات وخبرات اكبر بكثير.
منذ وقف اطلاق النار نهاية 2024 لم يتوقف العدوان على لبنان وسلوك الحزب بدا للكثيرين غريبا، استمرت الضربات الجوية واستهداف البنية التحتية ومواقع الحزب دون رد، والتفسير السطحي رأى في ذلك سدا للذرائع وتجنبا لحرب شاملة، لكن القراءة الاستراتيجية كان تقدم احتمالا مختلفا وهو ان الحزب كان يمتص الضربات في مرحلة تحضير طويلة للجولة التالية.
هذا التفكير ليس جديدا في التاريخ العسكري، فخلال حرب فيتنام مثلا كانت الولايات المتحدة تملك تفوقا عسكريا ساحقا لكن المقاومة الفيتنامية اعتمدت استراتيجية الصبر الطويل والاستنزاف التدريجي حتى اصبحت كلفة الحرب داخل الولايات المتحدة اكبر من قدرتها على التحمل، والامر تكرر في افغانستان وغيرها، والدرس الذي تعلمته حركات المقاومة بسيط لكنه قاس، وهو ان الجيوش المتفوقة تكنولوجيا تخسر غالبا عندما تتحول الحرب الى معركة زمن.
خلال حرب 2006 وما بعدها طور الاحتلال ما يعرف بعقيدة الضاحية، اي استخدام قوة تدميرية هائلة ضد البنية التحتية والمناطق المدنية المرتبطة بالمقاومة بهدف دفع المجتمع المحلي الى الضغط على المقاومة نفسها، والفكرة بسيطة وقاسية، فحين يكون من الصعب تدمير المقاومة مباشرة فيمكن ضرب البيئة التي تحتضنها حتى تصبح كلفة وجودها مرتفعة على المجتمع ككل، لذلك استهدف الطرق والجسور والبنية التحتية والاحياء السكنية بكثافة كبيرة، هذه السياسة لم تنجح في تحقيق هدفها الرئيس رغم تسببها بدمار واسع وضغط هائل على الدولة، كما لم تؤد الى انهيار الحزب او تراجع حضوره العسكري، بل على العكس تماما، وفي كثير من الحالات عززت سردية المقاومة.
الحسابات الاسرائيلية تصبح اكثر تعقيدا عندما يتعلق الامر بالحرب البرية، التفوق الجوي يمنحها قدرة كبيرة على التدمير لكنه لا يحسم حربا، التجربة اللبنانية منذ سبعينات القرن الماضي حتى يومنا هذا اظهرت ان السيطرة على الارض مسألة مختلفة تماما، فالاحتلال وجد نفسه حينها في حرب استنزاف طويلة داخل قرى ووديان جنوب لبنان والتي انتهت بخسائر كبيرة ومستمرة وضغط داخلي دفع بقرار الفرار الى الواجهة، الامر تكرر عام 2006 عندما حاول الاحتلال التوغل بريا فكانت مجزرة الدبابات في وادي الحجير حين تمكنت المقاومة من تدمير عدد غير مسبوق من الدبابات وتغير مسار الحرب.
من هنا يظهر احتمال ان الحزب قد يكون مستعدا بل وربما راغبا في توغل اسرائيلي بري في لبنان، بالنسبة لحرب العصابات فان وجود قوات معادية على الارض يوفر اهدافا واضحة يمكن استنزافها يوميا، فالجنود والاليات العسكرية يتحولون الى اهداف مباشرة.
السيناريو الاكثر خطورة بالنسبة للاحتلال هو ان يتحول جنوب لبنان مرة اخرى الى مستنقع عسكري، حين تجد القوات نفسها في بيئة معادية جغرافيا واجتماعيا ويمكن استهدافها بالصواريخ الموجهة والعبوات والكمائن، ما يجعل كل خسارة بشرية قضية سياسية داخل مجتمع شديد الحساسية تجاه الخسائر البشرية.
والامر لا يقف عند لبنان، فهناك احتمال ان تتوسع الجبهات ودخول مجموعات مسلحة او فصائل محلية على خط المواجهة من سوريا او الاردن ما قد يحول العدوان على لبنان الى حرب واسعة، وبالتالي فان فتح جبهات اضافية حتى لو كانت محدودة، فانه سيغير الحسابات العسكرية، فتعدد الجبهات يشتت الموارد ويزيد الضغط العملياتي.
في ضوء كل هذه المعطيات قد يكون التحول الحقيقي في استراتيجية حزب الله هو العودة الى فلسفة الحرب الطويلة، ليس بهدف تحقيق انتصار سريع بل بتحويل المعركة الى سلسلة من المواجهات المتواصلة والتي تحرك قوى الامة من جهة وتجعل كلفة الحرب على الاحتلال مرتفعة بمرور الوقت، فالحروب الحديثة غالبا لا يحسمها حجم القوة العسكرية فقط، بل قدرة كل طرف على التحمل، فالدول المتقدمة تكنولوجيا تمتلك تفوقا هائلا في بداية الحروب لكنها غالبا تعاني في الحروب الطويلة التي تستنزف الاقتصاد والمجتمع والسياسة، لذلك قد يكون السؤال الحقيقي ليس من يمتلك القوة النارية الاكبر بل من يستطيع الصمود لفترة أطول، وفي الشرق الاوسط تحديدا، اثبت التاريخ اكثر من مرة ان العامل الحاسم في الحروب ليس السلاح الاكثر تطورا، بل الارادة الاكثر صبرا.