الكويت بعد الحرب
klyoum.com
عنوان المقالة.. يعود بي بالذاكرة إلى ذكريات الغزو العراقي الغاشم عام 1990، حيث كان السؤال الذي يشغل عقول جميع الكويتيين الصامدين والمرابطين «ماذا عن الكويت بعد التحرير؟»، حيث الآمال والطموحات الكبيرة في ميلاد كويت جديد وطن النهار يأخذ العبر والدروس من الغزو ويرسم خريطة مصالحنا وحقوقنا وعلاقتنا كدولة وشعب وفق تلك الدورس والعبر، ولكن للأسف الشديد ذهبت تلك الآمال سُدّى ولم نستفد من عبّر ودروس الغزو وعدنا أدراجنا بنفس الأخطاء في حقب زمنية وأحداث متعاقبة تعرضنا للغزو وكنا بوابة لتحرير العراق في عام 2003 من نظام صدام، والآن نتعرض للاعتداء الإيراني الآثم هل تغير فينا شيء؟ هل تغيرت استراتيجيتنا في التعامل مع الدول المحيطة والبعيدة في إطارنا الخليجي أو العربي أو الدولي؟!
وعليه فإن السؤال المطروح: هل سنتغير الآن وتحديداً بعد أن تضع هذه الحرب التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل أوزارها، هل سنغير رؤيتنا أو إستراتيجياتنا ونظرتنا وعلاقاتنا الدولية أم سننتظر حرباً أخرى أو أزمة جديدة لنعيد النظر في كل شيء لنا وحولنا؟!
هذه المقالة ما هي إلا محاولة متواضعة لعرض أهم الملفات التي يجب أن تكون على طاولة الاهتمام الرسمي والشعبي في نفس الوقت، فدور أهل الكويت في تقديم الرأي والنصح لقيادتهم السياسية لم يرتبط يوماً بوجود برلمان وتمثيل شعبي.
الملف الأول: العلاقة مع الحليف والصديق الأمريكي
كلنا نعرف أن الكويت ترتبط باتفاقيات دفاعية مع أمريكا، ولكن لا أحد يعرف مضمون التزامات هذه الاتفاقية وإطار واجباتها وحقوقها على الطرفين، ولكن بمرور الوقت وبعد هذه الحرب صار الحديث عن هذه الاتفاقية وتطوير التزاماتها وفوائدها للطرفين نقاشاً وطنياً مستحقاً وموقفاً حكومياً مطلوباً، الكويت لا غنى لها عن وجود اتفاقيات دفاعية مع الدول الكبرى وعلى رأسها الحليف الأمريكي الصديق في هذا المحيط الإقليمي الهائج والذي لا يعرف أحد ما درجة هيجانه بعد انتهاء هذه الحرب، وبقاء النظام الإيراني أياً كانت قوته وتأثيره في الإقليم!
الملف الثاني: العلاقات مع المحيط العربي
لازلنا نتذكر نكسة مواقف غالبية الدول العربية من خارج المحيط الخليجي في فترة الغزو الغاشم ومواقف غالبية شعوبها وأحزابها التي تراقصت على جراحنا وآلامنا وصفت مصفقة للغزو والطاغية صدام، وها هي نفس الدول والشعوب تقريباً إن لم يكن زادت إن لم تدعم صراحة الاعتداء على دول الخليج فهي ساكتة عن عمد ودون استحياء وخجل عن إدانته وتكرر ذات الخطاب السمج المبرر للتآمر والاعتداء علينا.
بعد تحرير الكويت من الغزو الغاشم كان هناك رأيان في التعامل مع تلك الدول والشعوب، الأول ينادي بالمقاطعة الكاملة وحتى اعتزال المحيط العربي، والآخر أكثر حكمة رأى وبسبب وجود قضايا معلقة مع عراق صدام مثل الحدود والأسرى والتعويضات وحاجة الكويت لدعم أكثر الدول لقضاياها في الأمم المتحدة بإفساح المجال لتلك الدول للتراجع عن مواقفها المُدانة وتقديم الاعتذار للكويت وإعادة الدفء للعلاقات معها.
اليوم الوضع مختلف ونحتاج له تعاملا مختلفا.. الوضع مختلف حيث لا توجد لنا مصالح معلقة مع أحد، والتعامل يجب أن يكون مختلفاً من جهة أن التعامل مع هذه الدول يجب أن يكون خليجياً موحداً لا لدولة واحدة على حدة، والمطلوب من السفارات الخليجية تقييم مواقف هذه الدول العربية وشعوبها أثناء الاعتداء الإيراني على الدول الخليجية حتى تتخذ المواقف على أساس موضوعي رزين لا كردة فعل على بعض النابحين حقداً وكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي وهم شرزمة لا تمثل دولهم وشعوبهم.
الملف الثالث: العلاقات الخليجية ــ الخليجية
وهو الملف الأهم والأكثر حيوية وإلحاحاً فلم يعد الوضع يحتمل أي مجاملات وتأجيل واستمرار مجلس التعاون الخليجي بهذا الشكل عبء على شعوب الخليج ولا فائدة من استمراره، قادة الخليج بحاجة لجلسة واضحة لتحديد مصير هذا المجلس هل للاستمرار أو الحل، وإذا كان القرار للاستمرار استشعاراً للخطر الوجودي الذي سيتسمر بعد انتهاء الحرب الدائرة إذا ما خرج النظام الإيراني منها سالماً، فإن السؤال الكبير ينهض كيف ستتعامل دول الخليج مجتمعة وهذا المفروض مع واقع انتهاء الحرب غداً بقرار مفاجئ من أمريكا واسرائيل وخروج النظام الإيراني منها سالماً أياً كانت كما قلنا درجة قوته ونفوذه وتأثيره في الإقليم؟! فكما كان استهداف النظام الإيراني بالاعتداء على كل دولة خليجية على حدة مؤلماً وبائساً فإن التعاملات الفردية لكل دولة على حدة مع هذا الواقع السياسي والإقليمي ستكون أكثر ضرراً وبؤساً، لابد من استراتيجية دفاع مشتركة تليها سياسة خارجية موحدة لتأتي بعد ذلك السياسات الموحدة في الاقتصاد والنفط مع إعادة الحياة بجدية كاملة لمشروع الاتحاد الكونفدرالي، فقد حان وقت الوحدة الدفاعية الكاملة بعد الحرب الأخيرة.
داخلياً: أهم ملف هو الوحدة الوطنية، لنكن صريحين، سيكون لهذه الحرب آثارها وتداعياتها على الدولة والمجتمع فحملات المزايدة والتشكيك بالولاء والوطنية ستنطلق من شذاذ الآفاق والطائفية حتماً، فهذه الأجواء سوقهم الرئيسي الذي يتاجرون فيه وعلى الدولة التي خطت خطوات راسخة في ملف الهوية الوطنية ولازالت تلعب دورها في محاربة مزوري الجنسية والمزدوجين أن تكون يقظة وواعية لمخططات تجار الطائفية وأصحاب بيوت توزيع صكوك الوطنية، وكما استطاع الكويتيون مواجهة خطاب العنصرية والانتباه إلى مخاطره أثناء حملة الدولة على المزورين للجنسية والمزدوجين حتماً هم قادرون بوعيهم وتجربتهم على مواجهة الخطاب الطائفي البغيض، ان كل مواطن شريف ووطني وليس مطلوباً من أحد تقديم الدليل على وطنيته بمقالة أو تغريدة إلى أن يثبت العكس بحكم قضائي بات عن جريمة من جرائم أمن الدولة الخاصة بالخيانة العظمى.
ومن مسك الختام أن نشير إلى خطاب صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد حفظه الله ورعاه، حيث قدم الوصفة الوطنية للصمود والخطة الوطنية لمواجهة أخطار الحرب ورد الفضل لأبطالنا المدافعين عن حياض الوطن، كل في موقعه، ولكن الجوهرة الكبرى التي ميزت هذا الخطاب هي تأكيد سموه على قيمة الثقة في الدولة والشعب فهي الرائد والبوصلة للنصر القادم بإذن الله.
حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها من كل مكروه وتقبل شهداءها الأبرار في الفردوس الأعلى.
بقلم: عماد السيف