العنف أم القانون في الدراما الرمضانية
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
الكويت تعلن إسقاط صاروخ باليستي و25 مسيرة معادية داخل مجالها الجويفي كل موسم رمضاني تعود الدراما العربية لتحتل موقعاً مركزياً في النقاش العام، لا بوصفها مادة ترفيهية تُستهلك على موائد الإفطار فحسب، بل باعتبارها خطاباً ثقافياً مؤثراً يعكس تحولات المجتمع ويسهم في تشكيل وعيه، ولذا جاءت ملاحظات لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر لتسلّط الضوء على عدد من الظواهر السلبية التي طبعت بعض مسلسلات هذا الموسم، وفي مقدمتها تراجع مستوى الكتابة الدرامية وانسياق بعض الأعمال خلف منطق "الترند" على حساب العمق الفني والبناء السردي المتماسك.
أثنت اللجنة على توجه ملحوظ في بعض الأعمال التي سعت إلى ترسيخ فكرة اللجوء إلى القانون بوصفه المسار المشروع لتحقيق العدالة، في محاولة لتجاوز ظاهرة أخذ الحق باليد التي هيمنت على مواسم درامية سابقة. ومن بين هذه الأعمال مسلسلات "علي كلاي، المتر سمير، عين سحرية، حد أقصى، الست موناليزا، كان ياما كان"، وهي تحاول – نظرياً على الأقل – إعادة الاعتبار لمنظومة العدالة القانونية، بعد أن كرّست مسلسلات جماهيرية واسعة الانتشار في مصر والوطن العربي مثل "جعفر العمدة، اللي ملوش كبير، نسل الأغراب، الأسطورة" وغيرهم الكثير، نموذج استرداد الحق بالقوة والعنف والبلطجة وتجاوز القانون أو التحايل عليه.
غير أن هذا التحول في الخطاب الدرامي لا يخلو من إشكاليات عميقة؛ فبينما تسعى بعض النصوص إلى تبني قيم إيجابية في ظاهرها، تأتي المعالجة في كثير من الأحيان سطحية أو متناقضة في نتائجها. إذ يتحول القانون داخل السرد الدرامي إلى أداة يستخدمها الظالم والمظلوم معاً للإنتقام أو لتبرير أفعالهما أو لحسم صراع النفوذ بينهما، وهكذا يبدو القانون في بعض المشاهد كياناً بيروقراطياً بارداً، مجرد آلية لتكديس الأوراق، بحيث لا ينتصر صاحب الحق بقدر ما ينتصر من يجيد التلاعب بالمستندات والأدلة المصطنعة.
وفي هذا السياق تتكرر في عدد من الأعمال مشاهد التلاعب بالأدلة وتزييف الوقائع واستيفاء المستندات الشكلية التي تمنح الشرعية الزائفة للباطل. وكأن القانون في هذه العوالم الدرامية لا يمتلك عقل القاضي ولا خبرته ولا حكمته، بل يُختزل في إجراءات صماء يمكن التحايل عليها بسهولة من محامٍ متلاعب كما في مسلسل "المتر سمير" أو خصم قوي كما في مسلسل "علي كلاي" وغيرهم من الاعمال، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يليق بالدراما أن تقدّم القانون بهذا القدر من السطحية، متجاهلة الخبرة القضائية وروح العدالة التي تتجاوز النصوص الجامدة؟.
وتتجلى هذه المفارقات في بعض الأعمال بوضوح لترسخ فكرة أن القانون أداة قابلة للتطويع وفق رغبات المتلاعبين، وكأن العدالة تقف عاجزة أمام ورقة ملفقة، وما ترتب على ذلك من صراعات لا تنتهي داخل العمل وانهيارات ومظالم لا تنتهي، ترسيخا لانطباع بأن القانون يمكن تعطيله درامياً متى اقتضت الحاجة رفع منسوب الإثارة.
هذا النمط من المعالجة يكشف ميل بعض الكتّاب إلى اختزال الصراع الدرامي في حيل قانونية سريعة بدلاً من بناء حبكات معقدة تتطلب معرفة حقيقية ببنية العدالة وإجراءاتها. وهكذا يصبح القانون مجرد أداة درامية قابلة للتفعيل أو التعطيل وفق رغبة صناع العمل، في منطق يمكن تلخيصه شعبياً بعبارة: " المؤلف عايز كده".
وإذا عدنا إلى بدايات الحركة الدرامية والسينمائية في القرن الماضي نجد المفارقة حيث أن صورة القضاء كانت تُقدَّم غالباً باعتبارها قيمة أخلاقية راسخة، لا مجرد عنصر تشويق. كانت النزاعات تنشأ خارج أسوار العدالة، لكن الوصول إلى باب المحكمة كان يعني دخول فضاء أخلاقي حاسم حيث لا تختلط القيم: الخير خير، والشر شر، والعدالة – وإن تأخرت – تبقى المرجع النهائي للفصل، أما مهنة المحاماة فكانت عملا مقدسا يحظى بتقدير وهيبة مجتمعية وأخلاقية لا تقل عن هيبة القضاء، وكأن النيل من هذه المهمة كان المدخل للنيل من صورة العدالة في المجتمع برمتها.
صحيح أن الواقع يعترف بوجود مظالم، وأن "ياما في السجن مظاليم" فهي ليست مجرد استعارة بل تجربة إنسانية مؤلمة. غير أن السؤال الذي تطرحه الدراما اليوم يتعلق بطبيعة الرسالة التي تقدمها: هل تسعى إلى تعزيز الثقة في القانون بوصفه أداة لتحقيق العدالة، أم أنها – من حيث لا تقصد – ترسخ فكرة أن الطريق إلى الحق قد يمر عبر التحايل والمناورة؟
إن الدراما، بحكم تأثيرها الواسع، لا تعكس الواقع فحسب بل تسهم في تشكيله. لذلك يظل التوازن بين التشويق واحترام ثوابت المجتمع، وفي مقدمتها هيبة العدالة وحكمة القضاء، مسؤولية فنية وأخلاقية في آن واحد، فحين ترفع الدراما شعار العدالة علناً بينما تترك تحت الطاولة أوراق التلاعب بالقانون، فإنها لا تكتفي بإثارة الجمهور، بل تقدّم العدالة داخل قفص الإتهام بوصفها حيلة سردية لا قيمة إنسانية راسخة.