اخبار الكويت

جريدة الجريدة الكويتية

سياسة

كيف يدير مجتبى خامنئي صراع الأجنحة من المخابئ؟

كيف يدير مجتبى خامنئي صراع الأجنحة من المخابئ؟

klyoum.com

لم تكن الحرب العراقية ـ الإيرانية بالنسبة إلى مجتبى حسيني خامنئي مجرّد فصل عابر في سيرة ابن رئيس الجمهورية آنذاك، بل اللحظة التي صنعت نظرته إلى السلطة، وإلى الحرس الثوري، وحتى إلى خصومه وحلفائه داخل النظام الإيراني نفسه.في سن السابعة عشرة، التحق نجل علي خامنئي بجبهات القتال، لكن ليس باسمه الحقيقي الكامل، حيث تعمّد أن يخفي لقب خامنئي، واستخدم اسم مجتبى حسيني فقط، كي لا يعرف أحد أنه ابن رئيس الجمهورية. ففي إيران، لا يكفي اسم حسيني أو موسوي أو محمدي لتحديد هوية صاحبه، لأن هذه الأسماء شائعة للغاية، بينما يشير اللقب الأخير عادة إلى المدينة أو الأصل العائلي. واسم خامنئي يعود إلى مدينة خمين في أذربيجان الشرقية، ذات الأغلبية الآذرية التركية.وهذا التقليد ليس جديداً في الجمهورية الإسلامية نفسها، فالخميني مثلاً كان اسمه الأصلي روح الله المصطفوي، وتنتمي عائلته إلى السلالة الموسوية، قبل أن تتشعب الألقاب داخل العائلة لأسباب سياسية وأمنية معقّدة.لكن إخفاء مجتبى لاسمه لم يكن مجرّد محاولة للابتعاد عن الامتيازات. فالحرس الثوري آنذاك كان خاضعاً إلى حد بعيد لهيمنة «اليسار الإسلامي» الموالي لرئيس الوزراء مير حسين موسوي، بينما كان والده علي خامنئي محسوباً على التيار اليميني المحافظ داخل المؤسسة الدينية. لم تكن العلاقة بين الرجلين جيدة أصلاً، بل إن خامنئي الأب دخل في صدامات متكررة مع قادة الحرس، بسبب خلافاته مع موسوي، وكان قائد الحرس الثوري حينها محسن رضائي من أبرز الداعمين لرئيس الوزراء. انضم مجتبى إلى «كتيبة حبيب» التابعة لفيلق «رسول الله 27»، وهي واحدة من أكثر تشكيلات الحرس شهرة خلال الحرب، وتحمل اسم حبيب بن مظاهر، أحد أنصار الإمام الحسين في كربلاء. اكتسبت الكتيبة سمعة أسطورية داخل إيران بسبب شراسة مقاتليها واستعدادهم للقتال حتى الموت.وهناك، في شلمجة العراقية، قرب البصرة، تشكّلت شخصية مجتبى السياسية والأمنية. حوصرت الكتيبة شهراً كاملاً تقريباً من قبل القوات العراقية، فيما كانت قيادة الحرس الثوري ترفض إرسال دعم لوجستي كافٍ بحجّة شح الإمكانات وضرورة الحفاظ عليها لجبهات أخرى.وبالنسبة إلى المقاتل الشاب، لم يكن ذلك مجرد قرار عسكري، بل خيانة من قيادة يسيطر عليها «اليسار الإسلامي»، مستعدة للتضحية برجالها في سبيل حسابات سياسية وتنظيمية.خرج مجتبى من الحصار بصورة مختلفة تماماً. هناك تشكّلت روابطه العميقة مع المقاتلين الذين عاشوا معه تحت النار، وهي علاقات استمرت حتى اليوم. والمفارقة أن بعض عناصر الكتيبة، بسبب ميولهم اليسارية، كانوا ينتقدون علي خامنئي ويهينونه أحياناً أمام مجتبى نفسه، من دون أن يعرفوا هويته الحقيقية، بينما كان يلتزم الصمت الكامل، من دون أي ردّ أو تعليق.بعد فك الحصار، نُقل بتدخُّل من والده إلى «لواء سيد الشهداء العاشر» في كرج، وكانت مهمته أمنية أكثر منها قتالية. وهناك بدأ مجتبى يتحول تدريجياً من مقاتل شاب إلى رجل شبكات ونفوذ داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.ومع وصول علي خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى، استثمر مجتبى تلك العلاقات القديمة لتشكيل نواة خاصة به داخل النظام، عُرفت لاحقاً باسم «مجموعة حبيب»، نسبة إلى الكتيبة التي قاتل فيها. ضمت المجموعة عناصر من اللواءين 27 و10، وتحولت مع الوقت إلى الذراع غير الرسمية التي استخدمها خامنئي الأب لمواجهة خصومه داخل الدولة، سواء من اليساريين الذين تحولوا لاحقاً إلى «الإصلاحيين»، أو من شبكات هاشمي رفسنجاني البراغماتية.ومن هنا تحديداً يمكن فهم موقع مجتبى الحالي: فهو لم يغفر يوماً لليسار الإسلامي تجربته خلال الحرب، ولا يزال ينظر بريبة عميقة إلى التيار الإصلاحي الذي خرج من رحم ذلك اليسار، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالكامل أيضاً بالأصوليين المتشددين الذين حاولوا لاحقاً منعه من الوصول إلى موقع الخلافة.

لم تكن الحرب العراقية ـ الإيرانية بالنسبة إلى مجتبى حسيني خامنئي مجرّد فصل عابر في سيرة ابن رئيس الجمهورية آنذاك، بل اللحظة التي صنعت نظرته إلى السلطة، وإلى الحرس الثوري، وحتى إلى خصومه وحلفائه داخل النظام الإيراني نفسه.

في سن السابعة عشرة، التحق نجل علي خامنئي بجبهات القتال، لكن ليس باسمه الحقيقي الكامل، حيث تعمّد أن يخفي لقب خامنئي، واستخدم اسم مجتبى حسيني فقط، كي لا يعرف أحد أنه ابن رئيس الجمهورية. ففي إيران، لا يكفي اسم حسيني أو موسوي أو محمدي لتحديد هوية صاحبه، لأن هذه الأسماء شائعة للغاية، بينما يشير اللقب الأخير عادة إلى المدينة أو الأصل العائلي. واسم خامنئي يعود إلى مدينة خمين في أذربيجان الشرقية، ذات الأغلبية الآذرية التركية.

وهذا التقليد ليس جديداً في الجمهورية الإسلامية نفسها، فالخميني مثلاً كان اسمه الأصلي روح الله المصطفوي، وتنتمي عائلته إلى السلالة الموسوية، قبل أن تتشعب الألقاب داخل العائلة لأسباب سياسية وأمنية معقّدة.

لكن إخفاء مجتبى لاسمه لم يكن مجرّد محاولة للابتعاد عن الامتيازات. فالحرس الثوري آنذاك كان خاضعاً إلى حد بعيد لهيمنة «اليسار الإسلامي» الموالي لرئيس الوزراء مير حسين موسوي، بينما كان والده علي خامنئي محسوباً على التيار اليميني المحافظ داخل المؤسسة الدينية. لم تكن العلاقة بين الرجلين جيدة أصلاً، بل إن خامنئي الأب دخل في صدامات متكررة مع قادة الحرس، بسبب خلافاته مع موسوي، وكان قائد الحرس الثوري حينها محسن رضائي من أبرز الداعمين لرئيس الوزراء.

انضم مجتبى إلى «كتيبة حبيب» التابعة لفيلق «رسول الله 27»، وهي واحدة من أكثر تشكيلات الحرس شهرة خلال الحرب، وتحمل اسم حبيب بن مظاهر، أحد أنصار الإمام الحسين في كربلاء. اكتسبت الكتيبة سمعة أسطورية داخل إيران بسبب شراسة مقاتليها واستعدادهم للقتال حتى الموت.

وهناك، في شلمجة العراقية، قرب البصرة، تشكّلت شخصية مجتبى السياسية والأمنية. حوصرت الكتيبة شهراً كاملاً تقريباً من قبل القوات العراقية، فيما كانت قيادة الحرس الثوري ترفض إرسال دعم لوجستي كافٍ بحجّة شح الإمكانات وضرورة الحفاظ عليها لجبهات أخرى.

وبالنسبة إلى المقاتل الشاب، لم يكن ذلك مجرد قرار عسكري، بل خيانة من قيادة يسيطر عليها «اليسار الإسلامي»، مستعدة للتضحية برجالها في سبيل حسابات سياسية وتنظيمية.

خرج مجتبى من الحصار بصورة مختلفة تماماً. هناك تشكّلت روابطه العميقة مع المقاتلين الذين عاشوا معه تحت النار، وهي علاقات استمرت حتى اليوم. والمفارقة أن بعض عناصر الكتيبة، بسبب ميولهم اليسارية، كانوا ينتقدون علي خامنئي ويهينونه أحياناً أمام مجتبى نفسه، من دون أن يعرفوا هويته الحقيقية، بينما كان يلتزم الصمت الكامل، من دون أي ردّ أو تعليق.

بعد فك الحصار، نُقل بتدخُّل من والده إلى «لواء سيد الشهداء العاشر» في كرج، وكانت مهمته أمنية أكثر منها قتالية. وهناك بدأ مجتبى يتحول تدريجياً من مقاتل شاب إلى رجل شبكات ونفوذ داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.

ومع وصول علي خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى، استثمر مجتبى تلك العلاقات القديمة لتشكيل نواة خاصة به داخل النظام، عُرفت لاحقاً باسم «مجموعة حبيب»، نسبة إلى الكتيبة التي قاتل فيها. ضمت المجموعة عناصر من اللواءين 27 و10، وتحولت مع الوقت إلى الذراع غير الرسمية التي استخدمها خامنئي الأب لمواجهة خصومه داخل الدولة، سواء من اليساريين الذين تحولوا لاحقاً إلى «الإصلاحيين»، أو من شبكات هاشمي رفسنجاني البراغماتية.

ومن هنا تحديداً يمكن فهم موقع مجتبى الحالي: فهو لم يغفر يوماً لليسار الإسلامي تجربته خلال الحرب، ولا يزال ينظر بريبة عميقة إلى التيار الإصلاحي الذي خرج من رحم ذلك اليسار، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالكامل أيضاً بالأصوليين المتشددين الذين حاولوا لاحقاً منعه من الوصول إلى موقع الخلافة.

ففي عهد إبراهيم رئيسي، انفجر الصراع المكتوم بين معسكر مجتبى ومعسكر الرئيس الراحل، لأن المعركة الحقيقية كانت تدور حول مَن سيخلف علي خامنئي. وقف خلف رئيسي الذي قُتل لاحقاً بظروف غامضة في تحطُّم مروحيته، تحالف من الأصوليين المتشددين، بينهم أحمد علم الهدى، والد زوجته، وسعيد جليلي، إضافة إلى شخصيات نافذة داخل الحرس، مثل حسين سلامي قائد الحرس الذي قتل في الحرب الأخيرة، رافضين فكرة «توريث» السلطة داخل الجمهورية الإسلامية. واضطر علي خامنئي حينها إلى إبعاد عدد من المقربين من نجله عن مواقع حساسة لتخفيف الاحتقان، لا سيما رئيس استخبارات الحرس حسين طائب.

لهذا يبدو مجتبى اليوم على مسافة واحدة تقريباً من الإصلاحيين والأصوليين المتشددين معاً: الأولون يمثّلون بالنسبة إليه ذاكرة الحصار والخذلان داخل الحرب، والآخرون يمثّلون التيار الذي حاول منعه من وراثة النفوذ داخل النظام.

لكن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الأخيرة التي تعرّضت لها إيران، والهجمات والاغتيالات التي استهدفت قادة الحرس والأجهزة الأمنية، قلبت التوازنات مجدداً. فمع غياب عدد كبير من القيادات، عادت «مجموعة حبيب» إلى الواجهة بقوة، وباتت شخصيات مقرّبة من مجتبى تسيطر على مفاصل حساسة داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

وتضم الحلقة الأبرز المحيطة به أسماء مثل الأخوين حسين ومهدي طائب، والقائد الحالي للحرس، أحمد وحيدي، وعلي فضلي، وإبراهيم جباري، وحسين نجات، ومحمد باقر ذو القدر، ويحيى صفوي، ومحمد رضا نقدي، إلى جانب شخصيات دينية وإعلامية وتنظيمية، مثل علي رضا بناهيان وحميد رسائي وسعيد حداديان وغيرهم.

في المقابل، تشكّل داخل النظام تيار آخر يقوده عملياً تحالف بين الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني اجآئي. ورغم أن قاليباف واجآئي يُعدان أيضاً من الدائرة القريبة من مجتبى، فإنهما ينتميان إلى جناح مختلف عن جناح وحيدي وطائب والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، أي إلى ما يشبه «الحرس القديم» داخل المنظومة.

بزشكيان، الذي يفتقر إلى قاعدة شعبية قوية، وجد نفسه مضطراً للاعتماد على قاليباف واجآئي لخلق توازن مع تمدُّد مجموعة حبيب داخل الدولة. حتى إن الإصلاحيين حاولوا الأسبوع الماضي إقصاء اجآئي من السلطة القضائية بسبب خلافاتهم الحادة معه، لكنهم فشلوا، قبل أن يعيد مجتبى تثبيته في موقعه.

وهكذا لم يعد الصراع الحقيقي في طهران يدور بين «إصلاحيين» و«أصوليين» بالمعنى التقليدي، بل بين جيلين داخل الحرس الثوري نفسه: جيل جديد يمتلك القوة الأمنية والعسكرية المباشرة على الأرض، تقوده الشبكات المرتبطة بـ «مجموعة حبيب»، وجيل أقدم يملك الغطاء السياسي والمؤسساتي، ويتمركز حول قاليباف وبزشكيان وبعض قُدامى الحرس.

وفي قلب هذا الصراع يقف المرشد الجديد مجتبى خامنئي نفسه، الذي لا يريد حالياً انتصار أي طرف بشكل كامل فيما هو متوارٍ عن الانظار.

فالرجل الذي صنعته الحرب والعمل الأمني اكتسب مع الوقت هوساً بالسريّة. كان معروفاً عنه أنه يغادر منزل المرشد بملابس عادية، ويتجول أحياناً بسيارة أجرة اشتراها بنفسه ليستمع إلى أحاديث الناس في الشوارع، بل ويشارك أحياناً في انتقاد النظام ووالده كي يفهم مزاج الشارع الحقيقي، قبل أن ينقل كل ما يسمعه إلى المرشد.وبعد استهداف منزل المرشد خلال الحرب الأخيرة، عاد مجتبى إلى نمط حياته القديمة: الاختفاء الكامل. يتحرك بسريّة شبه مطلقة، ولا يعرف مكان وجوده إلا عدد محدود جداً من المقربين، بينهم أحمد وحيدي، وحسين طائب، ومحمد باقر قاليباف. وحتى هؤلاء لا يتواصلون معه مباشرة دائماً، بل عبر وسطاء معتمدين ورسائل تحمل إشارات سريّة خاصة للتأكد من مصدرها.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن مجتبى لا يثق حتى بأجهزة الحماية الرسمية التابعة لفيلق «ولي الأمر» المكلف حماية المرشد، ويعتمد على دائرة أمنية خاصة به، بناها على مدى سنوات، ويعتبر أن أفضل وسيلة لحمايته هي أن يبقى مجهول المكان حتى بالنسبة إلى أقرب حلفائه.

لهذا كله، يبدو أن المرشد الجديد يفضّل حالياً إدارة التوازن لا حسمه. فهو يدرك أن غيابه العلني عن المشهد يجعل أي انتصار ساحق لأحد التيارين خطراً مباشراً عليه شخصياً. فإذا تمددت مجموعة الحرس الجديدة أكثر من اللازم، قد تتحول إلى مركز قوة مستقل عنه. وإذا تمكّن تحالف قاليباف ـ بزشكيان ـ الحرس القديم من الإمساك الكامل بالمؤسسات، فقد يجد نفسه خارج المعادلة التي ساهم بنفسه في بنائها طوال عقود.

في إيران اليوم، لم يعد السؤال مَن يحكم فقط، بل من يملك القدرة على منع الآخر من الحكم منفرداً. ومجتبى خامنئي، الذي خرج من حصار شلمجة قبل عقود، لا يزال يتصرف بعقلية الرجل المحاصر نفسه: لا يثق بأحد بالكامل، ولا يسمح بانتصار كامل لأي أحد.

*المصدر: جريدة الجريدة الكويتية | aljarida.com
اخبار الكويت على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com