وجهة نظر: الاستثمار الأجنبي في الكويت: من الأرقام إلى الأثر الاقتصادي
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
جيش الاحتلال يؤكد تعرض مدينة ديمونا حيث المفاعل النووي.. لضربة إيرانيةأرقام لا توازي طموح الاقتصاد الكويتي
على مدى السنوات العشر الماضية، لم يشكِّل الاستثمار الأجنبي المباشر في الكويت الرافعة الاقتصادية التي كان يُفترض أن يكون عليها. فرغم ما تمتلكه الدولة من فوائض مالية، وموقع جغرافي متميز، وبنية تحتية مقبولة، فإن حصيلة الاستثمار الأجنبي منذ عام 2015 لم تتجاوز مليارَي دينار، أي بمتوسط سنوي يقارب 200 مليون دينار، وهو رقم محدود قياساً بحجم الاقتصاد وطموحات التنويع. هذا الرقم يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المُحققة، ويطرح تساؤلات جدية حول كفاءة سياسات جذب الاستثمار الحالية.
المشكلة ليست في الكمية... بل في النوع
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الاستثمار فحسب، بل في طبيعته وأثره الاقتصادي، إذ تركز ما يقارب 50 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في القطاع النفطي والأنشطة الإنشائية المرتبطة به، وهي مجالات تعتمد على التنفيذ والعقود، وتحقق قيمة مضافة منخفضة. هذا النوع من الاستثمار لا يُسهم في نقل المعرفة، ولا يبني قُدرات محلية مستدامة، ولا يخلق سلاسل توريد محلية قادرة على دعم القطاع الخاص الكويتي.
أي استثمار نريد؟
الخلل يبدأ من تعريف الاستثمار الأجنبي نفسه، فليس كل تدفق رأسمالي استثماراً استراتيجياً. الاستثمار الذي تحتاجه الكويت هو ذاك القادر على إحداث تغييرٍ هيكلي في الاقتصاد، من خلال نقل التقنية، وتوطين الصناعة، وبناء سلاسل قيمة محلية، وتوفير وظائف نوعية للكويتيين، وتعزيز الصادرات غير النفطية على المديين المتوسط والطويل.
الخروج من سياسة الباب المفتوح
لقد أثبتت التجارب الدولية أن سياسة الباب المفتوح وحدها لا تكفي. المطلوب هو الانتقال إلى الاستهداف الذكي، عبر تحديد قطاعات بعينها تمثل أولوية وطنية، مثل: الصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة، والخدمات اللوجستية ذات القيمة المُضافة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة. هذا التوجه يضمن توجيه الاستثمار الأجنبي نحو مجالات قادرة على تحقيق أثرٍ اقتصادي مُضاعف.
الحوافز لا تُمنح بلا مقابل
من الضروري إعادة تصميم منظومة الحوافز الاستثمارية، بحيث لا تُمنح الإعفاءات والتسهيلات بشكلٍ تلقائي، بل تُربط بتحقيق مؤشرات أداء واضحة، مثل: حجم الصادرات، ونسبة المحتوى المحلي، ونقل المعرفة، وتوظيف الكفاءات الوطنية. بهذه الآلية، تتحوَّل الحوافز من عبء مالي إلى أداة تنموية فعَّالة.
ما لا يُقاس... لا يُدار
لا يمكن تقييم نجاح سياسات الاستثمار الأجنبي من خلال عدد التراخيص أو حجم رؤوس الأموال فقط. المعيار الحقيقي للنجاح يتمثل في الأثر الاقتصادي طويل الأمد، من حيث تنويع مصادر الدخل، ورفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
الاختيار الاستراتيجي: اقتصاد منتج أو أرقام شكلية
تقف الكويت اليوم أمام مفترق طُرق حاسم في مسارها الاقتصادي. فالتحوُّلات العالمية في سلاسل الإمداد، والتغيُّرات في أنماط التصنيع والطاقة، تفرض إعادة النظر في دور الاستثمار الأجنبي. إما أن يُستثمر كأداةٍ لبناء اقتصاد منتج وقادر على المنافسة، أو أن يظل مجرَّد أرقام تُسجل في التقارير من دون أثر حقيقي.
القرار اليوم ليس تقنياً أو إجرائياً، بل هو خيار استراتيجي يحدد شكل الاقتصاد الكويتي وموقعه في الخريطة الإقليمية خلال العقد القادم.