سيف الحبيب.. ظاهرة إنسانيّة
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
..وجدته عليلاً في فراشه فجزعت، وتملكني الخوف من موته ففزعت...
واستنجدنا (أنا وابنته د.ابتهال وابنه د.علي) بالدكتورة نجاة عاشور والدكتورة وهاد التورة (طبيبتان استشاريتان عظيمتان في المستشفى الأميري).
وقد حظي سيف الحبيب بما يستحق من رعاية طبيّة وكان يعاني من هبوط مزمن في عضلة القلب!! فمرضه هو تخصصّي الدقيق! هنا أصبح سيف سيفاً يقطّع كل قدراتي المهنيّة. ولأوّل مرة في حياتي أميّز بين مرض القلب وروح القلب! فقد عالجت ألوفاً مثله باقتدار على مدى 43 عاماً من مزاولتي لمهنة الطّب. وقد سعدت كثيراً عندما يتحوّل أي مريض من المعطيات الطبيّة الراسخة في تحديد مصيره إلى مسار غير مفهوم علميّاً ولا موصوف في مجلاتنا الطبيّة التي نستقي منها مستجدّات الطب؛ فيعيش المريض أكثر مما نتوقع! بل ظواهر نادرة لم نقرأها حتى في كتب الميتافيزيقا!
وهذا ما تمنيته لأخي سيف الابن البكر المدلّل لوالديّ، الذي كنا نغبطه في طفولتنا على تمييزه المادّي والمعنوي عنّا. وكبرنا لنعرف أنّه كان يستحق هذا التمييز!
فقد كان شريف النفس لا يطمع، شريف القلب لا يحمل حقداً، شريف الحب، لا يكذب ولا يَنُم، وإذا هممت بنقد أحدهم يسكتني بلطف، فكان يعتبر آرائي في الناس في غيابهم نميمة!
كان يصّور لي ما لا أعرف من مشاهد الكون أو سرائر القلوب لينفّس عني كربة او ليوافي رغبتي في الإفصاح عمّا يعتلج صدري، بالرغم من انني لم أفهم فلسفته الذهنيّة، فهو لا يجيد الصناعة اللفظيّة، بل بصفاء قلبه وسلاسة وجدانه كنت أراه نجماً لامعاً في سماء آمالي ينير ظلمة بعض أيّامي...
كانت قدراته التقنية عالية، استرشد به شبه يوميّاً، كان يتابعني في تويتر ويجمع صوري ليحولّها إلى أفلام لا تخلو من صفير البلابل وخرير الجداول...
لم يترك المرض سهماً من سهامه إلا رماه في جسده، وكأن القدر ينتزع من حياته قطعة قطعة... ولكني شعرت بمرارة الحياة عندما وجدت آلام الحزام النّاري يعتصره ويبتسم! تلك الابتسامة التي حاول الكبير والصغير من أهله وأصدقائه انتزاعها منه حتى في لحظات الاحتضار... وقد استقطر الجميع ماء وجهه إلى القطرة الأخيرة ليأخذوا منه أكثر مما أعطى. ولولا ترحة الفراق ما كانت فرحة التلاق!
أمّا انا فقد عدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر المهزوم من ساحة الحرب. عطشى لا أشرب... فالنهر الأصفى من أديم السماء رحل إليها ليجرع الكوثر... وقد كان عوناً لي عندما وجدت الحياة سمجة من بعد وفاة والدي ووالدتي وأختي وزوجي... وها هو يفتلذ من كبدي فلذة لتصبح خرقاء مبعثرة في زوايا القبور.
د. فريدة الحبيب