«المواد الحافظة».. تزيد فرص الإصابة بالسكري
klyoum.com
د.ولاء حافظ -
قبل ظهور تقنيات التبريد الحديثة، اعتمد الإنسان على وسائل تقليدية لمنع فساد الطعام، بدءًا من تدخين اللحوم والأسماك وتمليحها، وصولًا إلى تخليل الخضار وتخميرها. غير أن هذا الواقع تغيّر جذريًا مع القرن العشرين، حين جرى تطوير مجموعة واسعة من المواد الحافظة الصناعية القادرة على إبقاء الأغذية صالحة للاستهلاك لأشهر، بل لسنوات أحيانًا.
وتنقسم هذه المواد عادة إلى فئتين رئيسيتين:
● مضادات الميكروبات، التي تمنع نمو البكتيريا والفطريات والخمائر أو تقضي عليها.
● مضادات الأكسدة، التي تحول دون تفاعل الدهون والزيوت مع الأكسجين وما يرافق ذلك من تزنّخ.
وبنظرة سريعة إلى الأطعمة فائقة المعالجة في المتاجر الكبرى، تظهر قوائم طويلة من هذه الإضافات، غالبًا تحت مسميات تقنية تُعرف بـ «رموز E». ورغم دورها في إطالة عمر الغذاء نفسه، تشير أدلة علمية متزايدة إلى أن بعض هذه المواد قد تحمل آثارًا صحية سلبية تتجاوز مجرد مكافحة الجراثيم.
◄ دراسة فرنسية حديثة
في هذا السياق، كشف بحثان جديدان ضمن دراسة فرنسية واسعة النطاق تُعرف باسم «NutriNet-Santé»، المعنية بالتغذية والصحة، عن وجود صلة بين ارتفاع استهلاك بعض المواد الحافظة وزيادة خطر الإصابة بالسكري والسرطان. واعتمدت الدراسة على بيانات غذائية جُمعت من أكثر من 100 ألف شخص، معظمهم في الأربعينات والخمسينات من العمر.
وقالت البروفيسورة ماتيلد توفييه، الأستاذة في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية وقائدة الدراسة، إن النتائج تمثل «دليلًا إضافيًا على المشكلات الناجمة عن التعرض المزمن لمزيج من الإضافات الغذائية في نظامنا اليومي».
وخلص الباحثون إلى أنه على مدى سبع سنوات ونصف، كان الأشخاص الذين استهلكوا كميات أكبر من «سوربات البوتاسيوم» - المستخدمة في بعض أنواع الزبادي وعصائر الفاكهة والمربى - أكثر عرضة للإصابة بسرطان الثدي بنسبة %26. كما أظهر من تناولوا كميات أكبر من نتريت الصوديوم - الموجودة في اللحوم المصنعة، مثل النقانق والسلامي واللحم المقدد - خطرًا أعلى للإصابة بسرطان البروستاتا بنسبة %32.
كذلك ارتبط ارتفاع استهلاك 12 مادة حافظة، شائعة في منتجات مثل المربى، واللحوم المصنعة، والكعك المُحلّى، وتتبيلات السلطة، ورقائق البطاطس، والأجبان المصنعة، بزيادة خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني.
◄ هل تُسبِّب المواد الحافظة السرطان؟
تشير البروفيسورة ماتيلد توفييه إلى أن دراسات أُجريت على الحيوانات أو على خلايا بشرية في المختبر أظهرت أن العديد من المواد الحافظة الغذائية قد تُسهم في إحداث التهاب مزمن داخل الجسم، وهو عامل معروف في تحفيز الانقسام غير الطبيعي للخلايا الذي قد يقود إلى الإصابة بالسرطان. وفي ما يخص مرض السكري، قد تؤثر هذه المواد في الشبكات البيولوجية المرتبطة بإنتاج هرمون الأنسولين.
من جهتها، ترى أورلا فلانيري، المحاضِرة الأولى في التغذية بجامعة مانشستر متروبوليتان، أن بعض هذه المواد قد تُشكّل ضغطًا إضافيًا على خلايا الجسم، ما يزيد الضرر اللاحق بالحمض النووي (DNA). وتوضح أن هذا الضرر قد يتفاقم عند الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة، إلى جانب عوامل بيئية أخرى مثل تلوث الهواء. وتقول: «الضرر الذي يلحق بالحمض النووي قد يُفعّل أو يُعطّل جينات مهمة، وهو ما قد يقود إلى مشكلات صحية خطيرة».
◄ الميكروبيوم المعوي في دائرة الخطر
ويعتقد خبراء آخرون أن خطورة بعض المواد الحافظة عند استهلاكها بكميات كبيرة تعود إلى فعاليتها العالية في قتل البكتيريا. ويشير ريتشارد هوفمان، خبير الأغذية فائقة المعالجة في جامعة هيرتفوردشاير، إلى أن معظم المواد المرتبطة بالسرطان تنتمي إلى فئة مضادات الميكروبات، موضحًا أنها قد تُلحق ضررًا بصحة الأمعاء. ويقول: «الإضرار بالميكروبيوم المعوي يؤثر في جهاز المناعة، ما قد يرفع خطر الإصابة بالسرطان».
بدائل غذائية للحد من المخاطر
وفق نتائج الدراسة الفرنسية NutriNet-Santé، كما أوردتها صحيفة التلغراف، يُنصح باتباع الخيارات التالية لتقليل التعرض للمواد الحافظة:
1 - استبدال البروتين الطازج باللحوم المصنعة
تُعد اللحوم المصنعة من أبرز مصادر النيتريت والنيترات، التي قد تتحول داخل الجسم إلى مركبات مسرطنة تُعرف بـ«النيتروزامينات». وتشير اختصاصية التغذية ريان لامبرت إلى أن منظمة الصحة العالمية صنّفت الاستهلاك المنتظم للحوم المصنعة ضمن المجموعة الأولى من المواد المسرطنة. وتنصح بالاعتماد على اللحوم الطازجة، أو الأسماك، أو البيض، أو البروتينات النباتية.
2 - تجنب المشروبات المُحلاة
بدلاً من ذلك، يُنصح بتنكّه الماء بشرائح الليمون أو الخيار أو الفراولة الطازجة، مع التخلص منها في نهاية اليوم لتجنّب التخمر. وتوجد بعض المواد الحافظة المرتبطة بالدراسة في مشروبات مُحلاة شائعة.
3 - تجنب التتبيلات الجاهزة المصنوعة بالخل
توضح فيديريكا أماتي، كبيرة اختصاصيي التغذية في شركة ZOE، أن الخل يُعد أحد المصادر الغذائية لـحمض الخليك، وهو مركّب يُستخدم أيضاً كمادة حافظة في بعض المنتجات الغذائية الصناعية. وتشير إلى أن الإفراط في استهلاك الأغذية المصنّعة المحتوية على حمض الخليك كمادة حافظة ارتبط، في بعض الدراسات، بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان ومرض السكري.
وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في الاستخدام المعتدل للخل الطبيعي في المنزل، بل في الاعتماد المتكرر على التتبيلات الجاهزة والمخللات الصناعية التي تحتوي على حمض الخليك ضمن قائمة إضافاتها الغذائية.
ولتقليل التعرض لهذه المواد، تنصح باستبدال التتبيلات الجاهزة المصنوعة بالخل عبر استخدام عصير الليمون أو الحمضيات الطازجة، أو تحضير صلصات منزلية بسيطة تعتمد على الزبادي أو زيت الزيتون والأعشاب.
4 - تقليل الحلويات
تحتوي الحلويات الملونة غالباً على مواد حافظة، مثل حمض الخليك، وحمض الستريك، وأحياناً الكبريتات. وتؤكد فلانيري أن الخيار الأبسط والأصح هو استبدال الفاكهة الطازجة بها.
5 - تجنب الخبز الجاهز الطويل الصلاحية
قد تحتوي بعض أنواع الخبز واللفائف الجاهزة على مواد حافظة لإبطاء نمو العفن. وتنصح لامبرت باختيار الخبز الطازج أو خبز العجين المخمّر، أو المنتجات الخارجة مباشرة من المخبز دون إضافات صناعية.