«ورقة وقلم»... سلاح سعاد المعجل في زمن الصمت
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
سي آي إي تحذر من هجمات روسية محتملة بمسيرات على جنوب أوروباالسياسة... والوجوه من لندن إلى الكويت *
حين استقالت السيدة مارغريت تاتشر من منصبها رئيسة للوزراء، إيماناً منها بأن ذلك هو الأسلوب الوحيد لتحافظ على وحدة وتماسك حزب المحافظين البريطاني، كان ذلك في قمة مخاض المسألة الكويتية. حين أعلنت عزمها ترك المنصب والسلطة دب الذعر في قلوب الكثيرين من أبناء هذا الوطن وهم في انتظار السياسة التي سيأتي بها رئيس الوزراء الجديد، والأهم من ذلك موقف تلك السياسة من قضية الكويت. كان لذلك الإحساس بالخوف من رحيل المرأة الحديدية والتي ساندت الكويت قولاً وفعلاً واستخدمت أسلوباً صارماً في تعرية النظام العراقي، ولغة لا تقل عنفاً عن اللغة التي استخدمها النظام العراقي في مهاجمة (القوات الأطلسية)، كان لذلك الخوف والذعر الذي انتاب أبناء الوطن ما يبرره، فلقد اعتدنا في تاريخ وطننا العربي على المفاجآت التي يأتي بها أي تغيير في الوجوه المألوفة والمتربعة على سياسة لا تمت بأدنى صلة لما سبقها، لمجرد أن تغييراً حدث واستبدل معه أحد الوجوه المألوفة. اعتدنا في الوطن العربي على دول تنام وهي في قمة الصدام مع القوى الإمبريالية، والبرجوازية... إلخ إلخ... وتصحو وهي في أحضانهم وبيدها قرارات تحوّل ذلك الصدام إلى وئام وانسجام.
ظاهرة السياسة (الترمومتر)، والقرار (اليو يو) واقع تعيشه الأنظمة العربية بمؤسساتها السياسية، والإدارية، والأمنية. واقع مرير يجعل التكهن بالمستقبل أشبه بضرب الرمل، ويصبح معه التخطيط للمستقبل كقراءة الطالع، نظراً لعمليات القطع والتأجيل لكثير من المحاولات الإصلاحية والمسيرات التصحيحية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
وإذا كانت كل النظريات السياسية قد اتفقت على خطورة التفرد بالقرار، وإذا كانت المجتمعات الديموقراطية قد أدركت حقيقة وفاعلية تلك النظريات، فإن المواطن العادي قد لا يدرك جيداً تلك الحقيقة إلا إذا كانت ملتصقة بتفاصيل حياته اليومية. ليدرك بذلك أن العراقيل التي يجابهها في يوم عمله... هي نتاج للعراقيل التي يجابهها وطنه كله، ففي مجتمعاتنا العربية انعكس أسلوب الفردية في القرار السياسي على سائر الجوانب الحياتية. وجميعنا في هذا الوطن نعاني ونتذمر دوماً من التسيب الإداري والتجاوزات الإدارية، وفشل كل خطط التطوير والتغيير، وعدم ضمان أدنى قدر من التنافس في مجال الإنتاج والعمل. لا لشيء إلا لأن الوزير أصبح حاكماً في وزارته، والمسؤول هو صاحب القرار الأوحد في إدارته، وأصبحت وزارات ومؤسسات الدولة تسمى بأسماء رؤسائها.
كلنا يعاني في هذا الوطن من عملية الارتجال الممارسة في توزيع المسؤوليات، وكلنا يدرك جيداً نتيجة عملية التوسع والنمو غير المتوازنة لأجهزة الدولة الإدارية، وجميعنا يعي الخطورة والعرقلة اللتين يسببهما التضخم الوظيفي في مؤسسات الدولة، لا لشيء إلا لأن عمليات التعيين في وزارات وإدارات الدولة أصبحت تحكمها (الشكلية)، فالمسؤول ينتقل من وزارة إلى أخرى مصطحباً (الجوقة)، والوزير عليه أن يراعي نقل أولئك الذين هم (محسوبون عليه) بحسب مفهوم التطوير الإداري الكويتي.
إن عملية نقل موظف من إدارة إلى إدارة أخرى لها أسس لابد أن تكون وثيقة الصلة بإنجازه وتدرجه الوظيفي لا أن تتم عملية النقل والتغيير لأسباب متصلة بمكانة الموظف لدى ذلك المسؤول أو ذاك الوزير.
أسلوب الفردية في الإدارة تعكسه بوضوح حركة التنقلات اللامدروسة تلك، والتي غالباً ما تؤدي إلى فوضى في الهيكل الوظيفي لكثير من الأحداث الإنتاجية والإدارية، لأنها تتم دون دراسة كافية، ودون احتياج حقيقي، ومن ثم فإننا نجد أن تلك التنقلات غالباً ما تزاحم وظائف قائمة فعلاً أو أنها تعمل على تكرار أداء موجود أصلاً، وما قد يؤدي إليه ذلك من تضخم وتكدس وظيفي، وما يتبعه من تمييع للمسؤولية وزيادة في فرص الإهمال والتسيب.
مؤسساتنا أصبحت تسمى بأسماء الأفراد المسيطرين عليها، والوظائف أصبحت تُورَّثُ، والإنفاق أصبح رهيباً لتغطية ظاهرة الخلل في الأداء الوظيفي، وبالرغم من كل ذلك فإننا مازلنا نتساءل عن أسباب التدهور في كفاءة العمل!! واللغز وراء قلة الإنتاج!
إن المسؤول أو الوزير الذي يصطحب موظفيه معه أينما انتقل إنما يعني واحداً من اثنين: إما أن يكون أداء أولئك الموظفين سيئاً لدرجة أن غيابهم لم يحدث شغراً في أماكنهم السابقة، أو أن يكون عطاؤهم مجدباً لدرجة أنهم لم يضيفوا الكثير في سبيل تحسين أو تطوير المناصب الجديدة.
كل عمل لابد أن تكون له بداية سابقة، وأي مسؤول أو وزير يفترض فيه أن يتم ما أنجزه غيره، بحيث يكون مشرفاً على سياسة الوزارة الشاملة كي يتم التطوير في إطار متابعة ما تم إنجازه مسبقاً. التطوير لا يعني أن على كل وزير أو مسؤول أن يسن قوانينه وقواعد العمل الخاصة به والممهورة باسمه، فذلك هو أساساً كل ما تمارسه مؤسسات الدولة من تخبط إداري، وهو العائق الأول أمام محاولات بعض المخلصين الجادة لتطوير الأداء والإنتاج.
وفي الختام، أود أن ألفت نظر القارئ للعلاقة بين ما أوردته في بداية حديثي من استمرار السياسة البريطانية في مساندة القضية الكويتية، بالرغم من تغير الوجوه الذي حدث ونحن في فوهة البركان، وبين عدم الاستمرار على سياسة إدارية واحدة ولو في أصغر مؤسساتنا، وبالرغم من عملية تغير الوجوه هنا أيضاً.
العلاقة بسيطة ومتناقضة في آن واحد، فالسياسة في بريطانيا ليست سياسة مارغريت تاتشر أو جون ميجور، بينما الوزارة في الكويت هي إرث للوزير وسلالته، والمنصب الإداري قصر على المسؤول وجرأته، أما التطوير الإداري فهو صعود سريع ومستقيم لسلم السلطة.
* مقال في الديموقراطية والعمل السياسي نُشِر في القبس بتاريخ 1992/4/22
صوت نسائي كويتي وشهادة أمام التاريخ
● بقلم: محمد جاسم الصقر
وأنت متأهب لقراءة هذا السِّفر القَيّم، بما يمثله من إضافة غنية إلى المكتبة الكويتية والعربية، والذي شاءت الأقدار أن أكون في باكورة قارئيه مُجَمَّعاً، بعدما كنت ضمن ثلة قرأت كثيراً من مقالاته فرادى قبل غيرها، حينما كنت رئيساً لتحرير «القبس»، والتي نشرت فيها الكاتبة – ولا تزال – أغلب مقالاتها... أقول: وأنت مقبل على كتاب بهذا الحجم وتلك القيمة بما يحويه من كنوز التجارب وكبرى المعارك، أعدك ألا تخرج بعد قراءته بذات الحال التي دخلت بها إليه.
أعدك أيها القارئ أن تجد بين دَفَّتي هذا الكتاب متعة فكرية، ورحلة إنسانية نادرة وجرأة قَلَّ نظيرها، لكاتبة أشهرت مقالاتها سلاحاً في وجه كل مظاهر التردي في هذا المحيط العربي الكبير، انتصاراً لمبادئها وقناعاتها، ووفاءً برسالة الكاتب الإنسان الذي يحمل بإحدى يديه مشعل التنوير وفي الأخرى جرس الإنذار ليوقظ الضمائر قبل إيقاظ الوعي، في وقت بُحَّت أصوات كثير من الكُتَّاب حَمَلة المباخر وماسحي الأعتاب في التبرير والدعاية السياسية الفجة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
بتلك المقالات التي وضعت فيها رحيق حياتها على مدى خمسة وثلاثين عامًا، تلقي بنا أ. سعاد المعجل إلى أتون بانوراما فكرية وثقافية تعكس فيها قضايا المجتمع العربي، وتحولاته السياسية والثقافية والاجتماعية، لا سيما في المرحلة الحرجة التي أعقبت كارثة الغزو البغيض، مع تركيز خاص على أهمية الثقافة والفن والأدب في مواجهة التحديات وصياغة الوعي الجمعي العربي الذي ناله من التشويه ما ناله خلال العقود الأخيرة، لا سيما مع صمت كثير من المثقفين الذين استمرؤوا مقاعد المشاهدين، ووأدوا في نفوسهم - خائفين أو طامعين أو قانطين - نبتة الضمير القادر على فضح الزيف وتوجيه المجتمع نحو الحقيقة.
كما تعالج أ. سعاد المعجل مسألة الهوية الثقافية، مبينة أن الثقافة العربية المشتركة - عبر اللغة والأدب والفن - هي الرابط الأقوى الذي يوحد الشعوب العربية، أقوى حتى من الجغرافيا والسياسة، كما تصوب سهامها إلى الأصوات التي تحتقر المسرح أو الغناء لتؤكد أن الإبداع الفني جزء أساسي من نهضة المجتمعات، وأن محاربته تهميش للجانب الخلاق في الحضارة، وترى أن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا بإحياء روح الإبداع والتجديد والحوار والتفكير النقدي الخلاق، بعيداً عن التكرار والتقليد.
تلك المقالات تمثل - في رأيي - شهادة أمام التاريخ، على صوت نسائي كويتي عربي، أطل على واقع أمته المضطرب بعين ناقدة ووجدان مشغوف بالإنسان، أينما كان وكيفما عاش. ليست كلماتها مجرد مواقف آنية أو ردود فعل على أحداث عابرة، بل محاولة متواصلة لالتقاط الخيط الناظم بين السياسة والدين والمجتمع والثقافة، بين خوف المواطن البسيط وهموم المثقف الواعي وطموحات القوى الكبرى، بين ما يحدث في شوارع الكويت والقاهرة والجزائر وبغداد، وما يُدبَّر في عواصم الغرب.
أما عن جرأتها في اختيار موضوعاتها وطرح أسئلتها النارية التي تقتحم كثيراً من التابوهات المحنطة في خزائن الوهم والتخلف والخوف، فحدِّث ولا حرج، إذ ستقرأ في هذه المقالات أسئلة طالما تجنبها الكثيرون إيثاراً للسلامة، فهي تتساءل: لماذا يتكرر الديكتاتور في عالمنا الثالث وكأنه قدر محتوم؟ وهل سبب ذلك جهل الحكام بسنن التاريخ، أم فشل الشعوب في حماية حقوقها؟ وكيف تنسى الشعوب بسرعة بطش حكامها السابقين وتعيدهم أو ورثتهم إلى السلطة؟ وهل يمكن أن يوجد استقرار سياسي حقيقي في ظل أي حكم ديكتاتوري؟ ولماذا يُختزل الإصلاح في شخصيات معينة بدلاً من أن يكون مشروعاً مجتمعياً ديموقراطياً؟
وفي الثقافة، تلقي بعلامات استفهام من قبيل: ماذا يبقى من الأمة إذا مات علماؤها ولم يُحفظ أثرهم؟ وهل فقدنا الاعتدال والحكمة بترحيل مفكرين معتدلين مثل محمد الغزالي وخالد محمد خالد؟ وكيف يمكن للأمة أن تنهض إن لم تُكرم رموزها الفكرية وتستلهم منهم؟
وفي التعليم والجامعة تصوب بنادقها: من سيراقب بعض أساتذة الجامعة إذا كانوا هم أنفسهم مزورين؟ هل نريد جامعة تنتج العلم والبحث أم بورصة للمكاسب الشخصية والدورات المدفوعة؟ لماذا يتم التساهل مع التزوير الأكاديمي وكأنه خطأ عارض؟ كيف يمكن الحديث عن جودة التعليم في ظل غياب الكفاءة والنزاهة عن هيئة التدريس؟ هل أصبحت الواسطة والمال هما المعيار في التقييم الأكاديمي بدلاً من الجدارة؟
وعلى هذه الشاكلة، ستجد تساؤلات أ. سعاد المعجل ليست مجرد استفسارات بل أسئلة اتهامية واستنكارية تصوغها بحسها الإنساني ووعيها النقدي الذكي ومهنيتها العالية، لتحاكم السلطة عن شرعيتها، والشعوب عن مسؤوليتها، والجامعة عن نزاهتها، والمجتمع الثقافي عن وفائه لرموزه، مع محاصرة القارئ ودفعه إلى تنمية التفكير وتحريك الوعي الراكد في مستنقع الخوف والتعود... ليستنشق هواء المعرفة ويشعر بشمس الحرية.
بدون القلم تبقى الورقة صامتة
● بقلم: سعاد فهد المعجل
هذه السلسلة من المقالات التي تم تدوينها عبر جريدتي القبس والطليعة في الفترة من أغسطس عام 1991، وحتى ديسمبر عام 2024، هي سلسلة من الأحاديث كانت في جوهرها أقرب إلى ردة فعل مباشرة لحادثة الغزو في الثاني من أغسطس عام 1990.
الورقة والقلم حينها كانتا كل ما أملك لمقاومة وضع شاذ أفرزه صمت المواطن العربي في كل مكان تجاه ديكتاتورية السلطة، لذلك لم تكن محض صدفة حين نُشِرَت لي القبس أول مقال بعنوان «كفانا صمتاً».
الورقة والقلم ليسا مجرد أدوات مادية، بل يحملان في رمزيتهما حركة الحضارة البشرية بأكملها، ويجسدان نشاط العقل والذاكرة والوجدان البشري.
وبالرغم من أن الورقة، هذا الفضاء الأبيض، قد عبّرت بتحولات طرأت على شكلها وطريقة تصنيعها وإنتاجها من العصر الفرعوني، إلى السومري، والبابلي، والفينيقي واليوناني، والإسلامي، وعبر سائر الحضارات، إلا أنها بقيت الأرض والفضاء الذي يحتضن المعنى، ويحوّله من مفهوم إلى محسوس، ومن فكرة حبيسة في العقل والذاكرة، إلى معنى وتدوين يقف بصلابة في وجه النسيان أو الانزواء أو الموت الذي تُحدِثه تقلبات الزمن.
أما القلم، هذا الساحر، فهو هنا يشبه في دوره دور الإله هيرميس في الأساطير الإغريقية، والذي كان يقوم بدور ساعي البريد السماوي أو ساعي الإله، حيث كان ينقل الرسائل من زيوس وبقية الآلهة إلى البشر أو إلى آلهة آخرين، حتى أصبح أقرب إلى ساعي البريد أو الرسول الذي لا يتوقف عن الحركة.
القلم، أو الساحر الصغير، هو الأداة التي تحوّل ما هو في الباطن ليصبح في دائرة الضوء راسماً ومُرسِياً خطوطه فوق بياض الورقة، ومُشكّلاً بذلك امتداداً سلساً بين عالم الفكرة اللامرئي، وبين عالم محسوس تُبصره الورقة.
ثنائية الورقة والقلم بقيت خير شاهد على أن الفكرة لا تطيق الكتمان طويلاً، وأن أول مراتب حرية الإنسان تأتي مع أول بَوْح له، وأن مثل هذا البَوْح لا يكون خالداً ما لم يدوّنه قلم، وتحتضنه ورقة، فدون القلم تبقى الورقة صامتةً، ودون الورقة لا يبقى للقلم أثر، وتجرفه أرياح التاريخ نحو المنفى.
في كل حادثة وَحَدَث يمر بهما الإنسان، تنطلق في الجوف صرخة تعبير فرحاً كانت أم حزناً، غضباً كانت أم رضا، عطشاً كانت أم ارتواء، ومن قلب تلك الأحداث، يصرخ القلم، وتُنصت الورقة، فتلين معها الفكرة، لتخرج من عالم الصمت إلى فضاء النور، ولتكون أشبه بعلامات طريق لمن يريد أن يعيد النظر في أي مسار سواء كان سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا أو غيره.
سلسلة المقالات التي تحتويها هذه المجموعة خرجت بدافع مشابه، خطوط عريضة، ومحاولات لنفي النسيان ورفض هجرة التاريخ وتجاهله لمحطات استوقفتني بكونها محطات مهمة في الشأن العربي إجمالاً، والإقليمي والمحلي بشكل أكثر خصوصية، رأيت في تدوينها واجباً وفرضاً، يُمليه عليّ ما رأيته دوراً متواضعاً لمقاومة كل ما من شأنه تقزيم الإنسان، وسلب حريته وإرادته، والعبث بمقدراته وخيراته، وإفساد مجتمعه الذي يحتضنه، وعزله سياسياً وفكرياً واجتماعياً، وغير ذلك من أوبئة فكرية وسياسية واجتماعية تمارسها السلطات ضد شعوبها ومواطنيها.
«ورقة وقلم»، جاء كعنوان اخترته يقيناً مني بأهميتهما كسلاح عبر التاريخ البشري المدوّن، فالقلم يحفر في بياض الورقة فتصبح الفكرة ماثلة للعيان، وعصية على النسيان، وماضية في درب الخلود. فالتاريخ البشري كله كان عبر الورقة والقلم، منذ الكتابة المسمارية وإلى الهيروغليفية، حفظ من خلالها حمورابي قوانينه، وخُلّد من خلالها ملحمة جلجامش، ودوّن بها الفلاسفة والشعراء والكهنة ذاكرتهم، التي بقيت خالدة ما بقي مداد القلم، وبياض الورقة.
«ورقة وقلم» ما كان ليصدر لولا عائلة كاملة من الداعمين، قراء وجدوا قيمة في فكرة طُرِحَت، زملاء عارضوا أفكاراً جامحة، رواد كلمة ورأي قوّموا مساراً وأثروا برأي، تيارات سياسية هاجمت وانتقدت ما ورد في هذه السلسلة من المقالات، متابعين اختلفوا وتصالحوا حول كتابات بعينها، لهؤلاء جميعاً أقول شكراً، وأخص بالشكر والتقدير والمحبة والدي الكريم فهد عبدالرحمن المعجل على دعمه الدائم، والأخ الكبير والكاتب القدير الأستاذ سمير عطاالله على كلمة التقديم، ولا أنسى هنا معلمي وقدوتي الأخ العزيز محمد الصقر على كلماته الجميلة التي افتتحت هذه السلسلة من مقالات عمر تجاوز الخامسة والثلاثين.
لم تكن الصحافة مهنتها لكن الكتابة مهمتها
● بقلم: سميرعطاالله
عندما بدأت العمل في الصحافة الكويتية منتصف الستينيات كانت الكويت دولة حديثة الاستقلال، مثيرة للإعجاب والاحترام. من معالمها الأكثر بروزاً المرأة الكويتية التي خاضت حقولاً كثيرة أهمها الصحافة. كانت الدكتورة سعاد الصباح تكتب الشعر الغنائي، وتحضر لأطروحتها في عالم النفط والطاقة. وكانـت فاطمـة العيسى المؤرخة الشابة تعـرّف الكويتيين بتاريخهم ورجالاتهم.
وكانت باسمة سليمان الوجه التلفزيوني الذي يُجمّل أمسيات الكويت السياسية. وكانت غنيمة المرزوق تصدر وترأس تحرير مجلة «أضواء الكويت» الأسبوعية. بكلام آخر لم تكن المرأة قضية بل حالة عفوية تلقائية تغبطها على مكانتها معظم نساء العالم العربي.
وإذ تقدمت في مسيرة الدول والاستقلال تقدمت معها أحوال النساء ودخلن معاهد العلم والجامعة، وتبوأ بعضهن إدارة الشركات الكبرى يضاعفن الثروات الموروثة، ويبنين الثروات الحديثة مثل السيدة سعاد الحميضي.
لم تطلب المرأة شيئاً من الرجل ولا ادعت عليه بتهمة التقصير، ولعبت في مهارة فائقة دور الأم والشريكة. وتخطت الشغف الاجتماعي لتعمل في السياسة في أرقى مراتبها.
عندمـا ندخـل في هـذا الإطار تـبرز على الفـور وجوه توحي بالثقة والطمأنينة في بناء الأمم. سعاد المعجل أحد ألمع هذه الوجوه، وأكثرها تقديراً بين أهالي الكويت. وهي لم تفد فقط من المناخ النقي السمح الذي نشأت فيه، والعائلة الكريمة التي احتضنتها بل ارتقت أيضاً بهذه المهمة، ونافست الكُتّاب الرجال في بحث شؤون الكويت وتصويبها من دون أن تدخل في متاهات الذكورية والتأنيث، وما رافق هذه الحملات من سطحية وعاديات. كان من أهم ما تميز به عمل سعاد المعجل الصحافي والسياسي انفتاحها على جميع الانتماءات الفكرية، وانتسابها إلى تيارات العروبة الصافية، وبدا ذلك واضحاً في كتاباتها عن مجلة «الطليعة» أو رجالات الحركة القومية لا سيما عميدهم المؤسس د. أحمد الخطيب.
أعطت الأستاذة سعاد أولياء الحركة القومية من الإنصاف ما لم يعطهم أحد، فعلت ذلك بكل رفعة وصدق، ومن دون استخدام أفعل التفضيل كما هو شائع في صحافتنا. لم تكن الصحافة مهنتها لكن الكتابة كانت مهمتها، ولست أبالغ إطلاقاً إذ أقول إنه خلال ثلاثة عقود تحولت إلى مدرسة في نشر القيم الوطنية وفي إعلاء المثل القومية.
أحمل من الكويت أسماء كثيرة ما زلت أتابعها كل يوم حتى الآن، وكأنني لم أترك الكويت أو صحافتها في يوم من الأيام، لم أشعر مرة بملل أو برغبة في التوقف عن هذه العادة الجميلة. وكلما قرأت للأستاذة سعاد وعصبة الزملاء الموهوبين والمحترمين شعرتُ أنني لم أضيع الوقت سدى، وإنما أشعر أنني ازددت تطوراً وعلماً.
وفي هذا الكتاب الذي يضمُّ مختارات سعاد المعجل، في ثلاثة عقود، دروسٌ كثيرة ومحبة جمَّة لأهلها ومحبيها بين أهل الصحافة كُتّاباً وقراء. طلبتُ من الزميلة العزيزة بحكم كوني صديقاً للكبير فهد المعجل أن أضع لها المقدمة، براً مني بما للعائلة وللكويت برمتها من أفضال على حياتي المهنية. وأتمنى أنني وُفقت.