اخبار الكويت

جريدة القبس الإلكتروني

سياسة

الذكاء الاصطناعي ومناقشة كتاب «السطحيون»

الذكاء الاصطناعي ومناقشة كتاب «السطحيون»

klyoum.com

في إحدى جلسات مجموعة القراءة التي ألتزم بها مع مجموعة من الأصدقاء منذ سنوات ناقشنا كتاب «السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا» للكاتب نيكولاس كار، وهو من الكتب التي أثارت فينا كثيرًا بعض الوقفات، فالملاحظ أن الكتاب قد صدر في عام 2009م أي قبل أن تظهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل كامل!، ولكنه رغم ذلك تنبّأ بوضوح بواقع نعيشه اليوم بعالم يغوص في السطحية الرقمية فتغيب فيه مهارات التفكير العميق أمام سهولة الوصول إلى المعلومة.

وتطرق الكتاب إلى تأثير الإنترنت في بنية العقل البشري، مشيرًا إلى أن الاستخدام المستمر للشبكة يغير طريقة تفكيرنا، لأنه سيضعف قدرتنا على التركيز لفترات طويلة خلال البحث والحوار، ومن اللافت شعورنا جميعاً في المجموعة بمثل شعور وصف الكاتب لصعوبة إنهاء قراءة كتاب أو تقرير أو مقال أو الميل المستمر للتنقل بين التطبيقات والمواقع دون تفاعل عميق، فاتفقنا على طرح توصل له المؤلف أن التكنولوجيا الحديثة رغم ما تقدمه من وسائل راحة وسرعة قد تسلبنا صفة إنسانية أساسية: وهي التأمل والعمق في التفكير.

فمن أهم النقاط التي اتفقنا عليها في المجموعة مع نتيجة المؤلف المهمة هي أن التوازن هو الحل لا أحد ينكر أن الإنترنت سهَّل الوصول إلى المعرفة وفتح أبوابًا لم تكن متاحة من قبل، ولكن الخطورة تكمن في أن نسمح له بأن يصوغ طريقة تفكيرنا بالكامل، فرأى بعض الأصدقاء أن الحل بالتوازن من تنظيم علاقتنا بالشاشة؛ بتخصيص وقت يومي للقراءة دون مشتتات، وممارسة الكتابة أو الحوار بعيدًا عن نمط الردود السريعة والسطحية. فالفكرة ليست في إغلاق الباب على التكنولوجيا، بل في فتحه بضوابط.

وناقشنا أيضًا كيف أن التصادم مع التكنولوجيا ليس موقفًا عقلانيًا، فالتاريخ يُظهر أن من عارض المطبعة أو الآلة الكاتبة أو الحاسوب، لم يتمكن من إيقاف التقدم، بل بقي معزولًا عن الواقع، وعلى العكس تماماً فمن تعلم كيف يستخدم هذه الأدوات ويفهمها تمكّن من الاستفادة منها دون أن يفقد نفسه، فمن هذا المنطلق فإن الوعي الرقمي لا يعني الانفصال عن التقنية، بل يعني التعامل معها كوسيلة لا كغاية.

وتناولنا أيضاً الحديث حول الذكاء الاصطناعي وكيف أصبح أكثر تأثيرًا مما توقّعه المؤلف في 2009، فاليوم لم يعد الإنترنت فقط مصدرًا للمعلومة، بل أصبح يفكر ويحلل ويرد نيابةً عنا في بعض الحالات بما يسمى «الذكاء الاصطناعي الوكيل»، وبعض المدربين أخبروني بأن لديهم تحديثا لدوراتهم عن هذا الموضوع بشكل مستمر، وهذا يُعيد تأكيد فكرة الكتاب الأساسية: أننا بحاجة ماسّة لأن نحافظ على تفكيرنا البشري العميق وسط هذا التوسع التقني الهائل، ومع وجود ظواهر جديدة في معارض الكتب، أخيراً، مثل تأليف كتب فكرية، بل روايات بشكل كامل من خلال الذكاء الاصطناعي، ما يضعف من قيمة الإبداع في التفكير.

وبعد مناقشة الكتاب خرجتُ بشعور واضح بدعوة عملية لإعادة التفكير بعلاقتنا مع التكنولوجيا، فلا يمكن أن نستغني عنها، ولا يجب أن نخضع لها، ما نحتاجه هو وعي دائم، يوازن بين ما تمنحنا إياه الآلة، وما يجب أن يبقى من خصائص العقل البشري: التأمل، والربط، والقراءة العميقة، والقدرة على التساؤل باستقلالية، والأهم هو بقاء المسؤولية الأخلاقية في التعامل مع هذا التطور الذي يغنينا عن جهود كثيرة في التفكير.

د.محمد عبدالله المطر  

*المصدر: جريدة القبس الإلكتروني | alqabas.com
اخبار الكويت على مدار الساعة