«وننسى اللي كان» من بطولات ياسمين عبدالعزيز الزائفة
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
بنك أوف أمريكا: أسهم قطاع المستهلكين أصبحت الخيار الأفضلمنذ سنوات، تحرص ياسمين عبدالعزيز على ترسيخ صورة بطولية خاصة بها في أعمالها الدرامية، صورة تقوم على المرأة المقهورة التي تنهض، والمجروحة التي تنتصر، والمستهدفة من الجميع، لكنها تظل الأصدق والأنقى والأحق بالتعاطف. هذه الوصفة، التي ربما نجحت جماهيرياً في مراحل سابقة، تبدو في مسلسل «وننسى اللي كان» قد وصلت إلى أقصى درجات التكرار والافتعال، حتى لم تعد بطولة درامية بقدر ما أصبحت بطولة زائفة، تُفرض على المشاهد فرضاً، وتُصنع بالصوت المرتفع والانفعال الزائد وتفصيل الأحداث لخدمة صورة النجمة، لا لخدمة العمل نفسه، ما جعل المشاهد يشك في ثقته بموهبة وحضور ياسمين طوال السنوات الماضية، ويسأل نفسه: هل كانت بطولة حقيقية أم مزيفة؟! في بعض الأعمال الدرامية، لا تكون المشكلة في الفكرة بقدر ما تكون في طريقة تقديمها. قد يمتلك العمل بذرة درامية قابلة للنمو، وشخصيات تحمل إمكانات للصراع والتطور، لكن هذا كُله يتراجع عندما تُهيمن على المشهد رغبة واضحة في تضخيم البطولة، ودفع الشخصية الرئيسية إلى مركز الكون، بحيث تدور حولها الحكاية والشخصيات والأحداث، لا بوصفها جزءاً من البناء الدرامي، بل بوصفها الغاية نفسها. فخ المبالغة وهنا تحديداً تبدو أزمة مسلسل «وننسى اللي كان»، عمل حاول تقديم دراما مشحونة بالعاطفة والانكسارات والتحولات، لكنه وقع في فخ المبالغة، خصوصاً في رسم بطلة العمل جليلة رسلان كما أدَّتها ياسمين عبدالعزيز. منذ الحلقات الأولى، يتضح أن المسلسل لا يريد من المشاهد أن يقرأ جليلة كشخصية لها مناطق قوة وضعف، تناقضات ومخاوف، بقدر ما يُريد منه أن يتعاطف معها على نحوٍ إجباري. هذه نقطة جوهرية في الخلل: فالتعاطف الحقيقي يُبنى، ولا يُفرض. لكن المسلسل يصر على تقديم جليلة كضحية دائمة، ومظلومة باستمرار، ومُحقَّة في معظم خياراتها، حتى حين تكون قراراتها انفعالية أو غير منطقية. وبدل أن يمنحها عُمقاً إنسانياً يجعلها قابلة للفهم، راح يرفعها إلى مستوى بطولي مبالغ فيه، أقرب إلى «الأيقونة الدرامية» منها إلى امرأة من لحم ودم، وهذه المغالاة لم تقتصر على الكتابة وحدها، بل امتدت إلى الأداء. ياسمين عبدالعزيز، التي تمتلك حضوراً جماهيرياً واضحاً وقدرة على الوصول السريع إلى المتلقي، بدت هنا أسيرة منطقة أدائية واحدة: الانفعال العالي، والتعبير المباشر، والاعتماد على الشحنة العاطفية الفورية، بدل التدرُّج النفسي. في كثيرٍ من المشاهد، بدا الأداء وكأنه يُطالب المشاهد بالتأثر قبل أن يمنحه المبرر الكافي لهذا التأثر. كانت النبرة مرتفعة أكثر من اللازم، والانكسار معلناً أكثر مما ينبغي، وردود الفعل حادة على نحوٍ يجعل الشخصية أقرب إلى الأداء الخارجي منها إلى الإحساس الداخلي. المشكلة في هذا النوع من الأداء أنه قد ينجح لحظياً في انتزاع التعاطف، لكنه يضعف الأثر التراكمي للشخصية. فالشخصية الدرامية لا تُقاس بقدرتها على البكاء أو الصراخ أو إعلان الألم، بل بقدرة الممثل على جعل هذا الألم مرئياً حتى في الصمت، وعلى نقل التوتر من الداخل إلى الخارج لا العكس. وفي حالة جليلة رسلان، بدا أن الأداء كثيراً ما يسبق الإحساس، وأن الانفعال يأتي جاهزاً ومكتملاً قبل أن يتشكَّل الموقف درامياً. وهذا ما خلق فجوة بين ما يطلبه العمل من الجمهور، وما ينجح فعلياً في إقناعه به.
منذ سنوات، تحرص ياسمين عبدالعزيز على ترسيخ صورة بطولية خاصة بها في أعمالها الدرامية، صورة تقوم على المرأة المقهورة التي تنهض، والمجروحة التي تنتصر، والمستهدفة من الجميع، لكنها تظل الأصدق والأنقى والأحق بالتعاطف.
هذه الوصفة، التي ربما نجحت جماهيرياً في مراحل سابقة، تبدو في مسلسل «وننسى اللي كان» قد وصلت إلى أقصى درجات التكرار والافتعال، حتى لم تعد بطولة درامية بقدر ما أصبحت بطولة زائفة، تُفرض على المشاهد فرضاً، وتُصنع بالصوت المرتفع والانفعال الزائد وتفصيل الأحداث لخدمة صورة النجمة، لا لخدمة العمل نفسه، ما جعل المشاهد يشك في ثقته بموهبة وحضور ياسمين طوال السنوات الماضية، ويسأل نفسه: هل كانت بطولة حقيقية أم مزيفة؟!
في بعض الأعمال الدرامية، لا تكون المشكلة في الفكرة بقدر ما تكون في طريقة تقديمها. قد يمتلك العمل بذرة درامية قابلة للنمو، وشخصيات تحمل إمكانات للصراع والتطور، لكن هذا كُله يتراجع عندما تُهيمن على المشهد رغبة واضحة في تضخيم البطولة، ودفع الشخصية الرئيسية إلى مركز الكون، بحيث تدور حولها الحكاية والشخصيات والأحداث، لا بوصفها جزءاً من البناء الدرامي، بل بوصفها الغاية نفسها.
فخ المبالغة
وهنا تحديداً تبدو أزمة مسلسل «وننسى اللي كان»، عمل حاول تقديم دراما مشحونة بالعاطفة والانكسارات والتحولات، لكنه وقع في فخ المبالغة، خصوصاً في رسم بطلة العمل جليلة رسلان كما أدَّتها ياسمين عبدالعزيز. منذ الحلقات الأولى، يتضح أن المسلسل لا يريد من المشاهد أن يقرأ جليلة كشخصية لها مناطق قوة وضعف، تناقضات ومخاوف، بقدر ما يُريد منه أن يتعاطف معها على نحوٍ إجباري. هذه نقطة جوهرية في الخلل: فالتعاطف الحقيقي يُبنى، ولا يُفرض. لكن المسلسل يصر على تقديم جليلة كضحية دائمة، ومظلومة باستمرار، ومُحقَّة في معظم خياراتها، حتى حين تكون قراراتها انفعالية أو غير منطقية. وبدل أن يمنحها عُمقاً إنسانياً يجعلها قابلة للفهم، راح يرفعها إلى مستوى بطولي مبالغ فيه، أقرب إلى «الأيقونة الدرامية» منها إلى امرأة من لحم ودم، وهذه المغالاة لم تقتصر على الكتابة وحدها، بل امتدت إلى الأداء.
ياسمين عبدالعزيز، التي تمتلك حضوراً جماهيرياً واضحاً وقدرة على الوصول السريع إلى المتلقي، بدت هنا أسيرة منطقة أدائية واحدة: الانفعال العالي، والتعبير المباشر، والاعتماد على الشحنة العاطفية الفورية، بدل التدرُّج النفسي. في كثيرٍ من المشاهد، بدا الأداء وكأنه يُطالب المشاهد بالتأثر قبل أن يمنحه المبرر الكافي لهذا التأثر. كانت النبرة مرتفعة أكثر من اللازم، والانكسار معلناً أكثر مما ينبغي، وردود الفعل حادة على نحوٍ يجعل الشخصية أقرب إلى الأداء الخارجي منها إلى الإحساس الداخلي. المشكلة في هذا النوع من الأداء أنه قد ينجح لحظياً في انتزاع التعاطف، لكنه يضعف الأثر التراكمي للشخصية.
فالشخصية الدرامية لا تُقاس بقدرتها على البكاء أو الصراخ أو إعلان الألم، بل بقدرة الممثل على جعل هذا الألم مرئياً حتى في الصمت، وعلى نقل التوتر من الداخل إلى الخارج لا العكس. وفي حالة جليلة رسلان، بدا أن الأداء كثيراً ما يسبق الإحساس، وأن الانفعال يأتي جاهزاً ومكتملاً قبل أن يتشكَّل الموقف درامياً. وهذا ما خلق فجوة بين ما يطلبه العمل من الجمهور، وما ينجح فعلياً في إقناعه به.
تقديس الشخصية الرئيسية
أما على مستوى الكتابة، فقد عانى المسلسل نزعة واضحة إلى تقديس الشخصية الرئيسية. جليلة ليست فقط محور السرد، بل أيضاً بوصلة التقييم الأخلاقي داخل العمل. الشخصيات الأخرى كثيراً ما بدت إما أدوات لخدمة معاناتها، أو مرايا تعكس عظمتها، أو خصوماً مرسومين على نحوٍ سطحي لتكريس أحقيتها. وهذه واحدة من أضعف سمات النصوص التي تراهن على النجومية أكثر من مراهنتها على الدراما: أنها تضحِّي بتوازن الشخصيات لمصلحة إبراز البطلة، فتخسر العلاقات الإنسانية المركَّبة التي كان يمكن أن تمنح العمل صدقه وقيمته. الدراما الجيدة لا تحتاج إلى أن تقول لنا مَنْ يجب أن نحب، ومَنْ يجب أن نكره، وهي فقط تبني شخصيات حيَّة، وتتركنا نتورَّط معها تدريجياً. لكن «وننسى اللي كان» اختار الطريق الأسهل: التلوين الواضح، والانحياز المباشر، واستدعاء التعاطف بشكلٍ متكرر، حتى فقد هذا التعاطف معناه.
تكرار المظلومية
حين تتكرَّر المظلومية، وتُصاغ كل أزمة بطريقة تُبرز تفوق البطلة أخلاقياً وعاطفياً، يُصبح العمل متوقعاً، وتتحوَّل الشخصية من كائنٍ درامي إلى خطابٍ مكرَّر. ومن هنا يمكن فهم سبب شعور كثير من المتابعين بأن جليلة رسلان لم تكن شخصية نامية بقدر ما كانت حالة ثابتة يُعاد إنتاجها في كل حلقة بصيغٍ مختلفة. فهي لا تتطوَّر بقدر ما تُعاد صياغة ألمها، ولا تتغيَّر بقدر ما تتأكد مركزيتها. حتى لحظات الضعف التي كان يمكن أن تكشف هشاشتها الإنسانية، بدت موظفة غالباً لإعادة تكريس صورتها، لا لتفكيكها. وكأن النص يخشى أن يقترب منها بصدق، لأن الصدق قد ينتقص من هالتها البطولية. يُضاف إلى ذلك أن المسلسل وقع في مأزقٍ شائع في بعض الأعمال الجماهيرية، وهو الخلط بين القوة الدرامية والصوت المرتفع، وبين الحضور والهيمنة. فليست كل شخصية تتصدَّر المشهد مكتوبة جيداً، وليست كل ممثلة قادرة على شحن المشهد انفعالياً قادرة بالضرورة على منحه طبقات متعددة.
ما ينقص جليلة رسلان ليس الظهور، بل العُمق. وما ينقص أداء ياسمين عبدالعزيز هنا ليس الصدق تماماً، بل الاقتصاد، أي القدرة على ضبط الانفعال، وترك المساحات الرمادية تعمل، ومنح المشهد فرصة ليتنفس بعيداً عن الإلحاح المستمر على التأثير.
المفارقة أن العمل كان يمكن أن يكون أكثر قوةً لو أنه خفف من سطوة بطولته. لو سمح لجليلة أن تكون أقل مثالية، وأقل يقيناً، وأكثر ارتباكاً وتناقضاً، لبدت أكثر إنسانية وأقرب إلى المشاهد. ولو أن الأداء مال إلى التهدئة بدل الدفع المستمر، وإلى الإيحاء بدل الإعلان، لربما كسبت الشخصية أبعاداً أعمق من تلك التي ظهرت بها. لكن ما حدث هو العكس: النص والأداء تواطآ، عن قصدٍ أو غير قصد، على تضخيم الشخصية حتى أرهقاها.
العمق الهادئ
في النهاية، لا تبدو أزمة «وننسى اللي كان» في أنه مسلسل عاطفي أو جماهيري، فهذه ليست تُهمة فنية في حد ذاتها، بل في أنه استسهل أدوات التأثير، وراهن على حضور بطلته أكثر مما راهن على تعقيدها. أما ياسمين عبدالعزيز، فقدَّمت شخصية تمتلك كل شروط التعاطف الظاهري، لكنها افتقدت في لحظات كثيرة العُمق الهادئ الذي يجعل الشخصية تبقى في الذاكرة، لا لأنها صرخت كثيراً، بل لأنها قالت ما يكفي بأقل قدرٍ ممكن من الاستعراض. وهكذا، بدت جليلة رسلان شخصية يريدها العمل استثنائية طوال الوقت، فيما كانت تحتاج فقط إلى أن تكون حقيقية.