حين يُشترط التضامن.. تتمغنط البوصلة
klyoum.com
أخر اخبار الكويت:
وزير الخارجية الإيراني: لم نطلب وقف إطلاق النار وسنواصل الدفاع عن أنفسناكلما تصاعدت الأحداث المرتبطة بالقضية الفلسطينية، لا يقتصر النقاش العام على القتل والحصار والتجويع والعنف الجنسي وسرقة الأعضاء والجلود، بل يرافقه أيضاً نمط آخر من الضغوط أقل ظهوراً، يتمثل في ضغط التوقعات الأخلاقية.
ويظهر هذا الضغط في مطالبة الفلسطينيين بأن يتحدثوا ويتصرفوا وفق معايير محددة من الكياسة، وأن تُقاس لغتهم وغضبهم وطريقة تعبيرهم عن الألم والأمل بمعايير تُصاغ عادةً في مجتمعات لا تعيش الدرجة ذاتها من العنف اليومي الذي يعيشه الفلسطيني.
تتجلى هذه الظاهرة في الخطاب العام الذي يطالب الفلسطيني المحاصر بأن يصوغ روايته بطريقة تُرضي المتلقي، أو أن يُظهر الامتنان بصورة مستمرة لكل من يقدم دعماً سياسياً أو إنسانياً، وأن لا يعبّر عن غضبه تجاه تقاعس العالم عن مساندته. وفي المقابل، يُلاحظ أيضاً سلوك آخر لا يقل وضوحاً، يتمثل في تعمّد بعض الأفراد إظهار اللامبالاة تجاه ما يحدث للفلسطينيين، بل والمضي في ممارسات تناقض الحد الأدنى مما يفترض أن يمليه الضمير الأخلاقي، مثل الاستهزاء بحركة المقاطعة، أو الاستهلاك المتعمد لمنتجات مرتبطة بالاحتلال بهدف الاستفزاز.
هذه الأفعال ليست مواقف محايدة، بل ممارسات تحمل قدراً من الأذى الرمزي يتجه نحو إنسان محاصر لا يختلف عنا في إنسانيته، وإنما يختلف في القَدَر الذي وضعه في موقع الضحية، مع تجاهل ما قد تتركه سلوكيات كهذه من أثر نفسي وسياسي وخطر واقعي على الفلسطيني الذي يعيش هذه التجربة يومياً.
كما تنطوي هذه التوقعات على افتراض ضمني بأن الضحية، وهو الدور المفروض قسراً على الفلسطيني، مطالبة بإدارة صورتها الإعلامية أمام الآخرين، وكأن التعبير عن الألم لا بد أن يخضع لمعايير أداء محددة تُقيّم من خارج التجربة ذاتها.
لا بد من إدراك أن حياة الفلسطيني تُدار ضمن شروط مختلفة جذرياً: حصار دائم، عنف عسكري متكرر، منظومات مراقبة، ابتزاز منذ الصغر، حرمان من أبسط مقومات الحياة وفرص المعيشة، ونظام عنصري يمنح الامتياز للمحتل لمجرد انتمائه الديني. وتحت هذه الظروف تصبح مسألة البقاء أولوية لا يمكن تجاوزها، وتتحول النجاة وإمكان العيش بكرامة إلى أساس أي نقاش سياسي أو اجتماعي جاد.
إلى جانب ذلك، فإن اختزال الفلسطينيين في صورة الضحية التي تنتظر العطف أو المساعدات الإنسانية يطمس إنسانيتهم ويشوّه طبيعة العلاقة معهم. فالفلسطينيون ليسوا كتلة ضحايا متجانسة يمكن فهمها من خلال قراءة الكتب والمنشورات أو ترديد الشعارات، بل هم مجتمع متنوع بتجاربه وآرائه ومساراته واهتماماته المختلفة. فيهم الصالح وفيهم الطالح، شأنهم شأن أي مجتمع بشري آخر، ويتشاركون تجربة معاناة قاسية، لكنها لا تختزلهم ولا تمثل هويتهم كاملة؛ فما يميزهم في المقام الأول هو إصرارهم المستمر على البقاء. والنظر إليهم بوصفهم مجرد متلقين للصدقة أو الإحسان يتجاهل هذا التنوع، ويختزل وجودهم في موقع الضحية القدرية بدلاً من التعامل معهم بوصفهم بشراً متساوين في الكرامة والاعتبار.
كما أن مقارنة ردود فعل إنسان يعيش تحت الحصار والقصف بردود فعل أفراد يعيشون في فضاءات اجتماعية أكثر استقراراً تتجاهل الفارق البنيوي بين التجربتين. وعندما تُفرض على الفلسطيني معايير الخطاب السائدة لدى حلفائه، يتحول التضامن إلى علاقة مشروطة يُطلب فيها من الضحية أن تقول ما يُراد سماعه حتى تحظى بالدعم.
إن الفهم الجاد للتجربة الفلسطينية يقتضي الاعتراف بالظروف التي تُدار فيها الحياة اليومية تحت الحصار والاحتلال. فالتضامن في هذه الحالة لا يقوم على فرض قواعد الخطاب أو السلوك على من يعيش تحت العنف، بل على الاستعداد للقاء الناس حيث يقفون هم، لا حيث يفضّل حلفاؤهم أن يقفوا.
النجاة، في هذا المعنى، ليست مجرد استمرار بيولوجي للحياة، بل شرط أساسي لاستعادة الكرامة الإنسانية وإمكان العيش بكرامة.
طارق الخضري