Nuremberg.. مبارزة تمثيلية ممتعة في قاعة محكمة
klyoum.com
أمجد جمال -
لا تزال الحرب العالمية الثانية حاضرة بقوة في السينما العالمية، كحدث لا يشيخ ولا يفقد قدرته على استدعاء الرعب والأسئلة الأخلاقية الكبرى. قد تشعر الأجيال الجديدة اليوم بالتخمة أو التكرار أو تلقين الرسائل المباشرة من خلال هذا النوع من الأفلام، لكن هذه الأعمال تعود في كل مرة لتبرر وجودها عبر التذكير بهول الكارثة نفسها.
هكذا يبدأ فيلم Nuremberg بإحصائية صادمة: حوالي 80 مليون إنسان فقدوا حياتهم في تلك الحرب، جملة افتتاحية لا تعمل فقط كمدخل تاريخي، بل نغزة نفسية تضع المشاهد في حالة استعداد لمواجهة ثقل ما سيأتي.
الفيلم من إخراج جيمس فاندربيلت، الذي شارك أيضًا في كتابة السيناريو، مستندًا إلى كتاب The Nazi and the Psychiatrist للكاتب جاك إلهاي، وهو كتاب مستند لوقائع تاريخية ويركز على العلاقة التي نشأت بين أحد قادة النازية وطبيبه النفسي الأمريكي خلال محاكمات نورمبرغ الشهيرة.
القائد والطبيب
تدور أحداث الفيلم في أعقاب سقوط ألمانيا النازية، حيث تبدأ سلسلة محاكمات نورمبرغ لمحاكمة رموز نظام هتلر. وفي قلب القصة ثلاث شخصيات رئيسية. أولا هيرمان غويرنغ، قائد الرايخ الثالث والرجل الثاني بعد أدولف هتلر، يجسده النجم «راسل كرو» بأداء مُركّب ومراوغ.
وهناك دوغلاس كيلي، ويؤدي دوره رامي مالك، وهو الطبيب النفسي الأمريكي المكلّف تقييم الحالة العقلية للمتهمين النازيين، وتقرير أهليتهم للمحاكمة.
وروبرت جاكسون، نائب الادعاء الأمريكي الذي يقدم لائحة التهم ضد قادة النازية، ويجسده مايكل شانون.
الفيلم لا يكتفي بسرد وقائع المحاكمة، بل يتأمل في الكواليس النفسية والذهنية لها، وذلك من خلال العلاقة الشائكة بين كيلي وغويرنغ، حيث يتحول الفحص النفسي إلى لعبة شد وجذب، تتجاوز حدود المهنة إلى منطقة إنسانية أكثر عمقا وحميمية.
مقارنة مع الكلاسيكيات
لا يمكن مشاهدة Nuremberg دون استدعاء الفيلم الكلاسيكي الحاصل على الأوسكار «1961»، Judgment at Nuremberg ، الذي تناول نفس الحدث التاريخي لكن من زاوية قضائية صارمة، وركز على فكرة العدالة والضمير الإنساني ومسؤولية الفرد داخل النظام، إلا أن ذلك الفيلم قدم شخصيات خيالية، وبنى أحداثه على محاكمة أخرى ضمن العديد من المحاكمات التي عقدت في هذه الفترة.
بينما الفيلم الجديد يركز على شخصيات تاريخية حقيقية مع بعض التصرف. كما أنه أكثر اهتماما بالبُعد النفسي؛ يترك منصة المحكمة لينزل إلى داخل عقل المتهم، حيث ان كواليس المحاكمة تكشف ما لا يقل عن المحاكمة نفسها.
أنسنة النازي
الاختلاف الأبرز الذي يقدمه فيلم Nuremberg هو مساحة الأنسنة الممنوحة لشخصية هيرمان غويرنغ. فهو ليس رجلا متشنجا عصبيا على غرار هتلر. بل يظهر هنا رجلا عاديا، هادئا، خفيف المعشر، ذكيا، محباً لأسرته، واثقا في قضيته، ويبدو صاحب مبادئ يرفض التنازل عنها، سواء عن قناعة أو كبرياء. لكن الفيلم لا يبرئه، بل يلوّح باستمرار بوجود جانب مظلم، مخفي، وملتبس وراء الوجه الذي يظهره.
يفتح الفيلم مساحة للشك حول حجم مسؤوليته المباشرة عن جرائم الحرب النازية، وفي الوقت نفسه يطرح فكرة أخطر، أن الشر يمكن أن يصدر عن إنسان يبدو «طبيعيا» و«لطيفا».
غويرنغ، كشخصية تاريخية، يظل لغزا مثيرا للجدل؛ فهو القائد النازي الذي رفض الانتحار فور سقوط ألمانيا، وقرر مواجهة مصيره، في موقف فسّره البعض شجاعة، ورآه آخرون نرجسية. الفيلم يستثمر في هذا الغموض حوله، دون أن يحسمه.
علاقة الطبيب والمجرم
عصب الدراما الحقيقي للفيلم هو العلاقة بين دوغلاس كيلي وهيرمان غويرنغ. علاقة مبنية بتصاعد مثالي، من الريبة المتبادلة، إلى الود وشبه الصداقة، ثم إلى لحظة الصدام الأخلاقي والانقسام الانتمائي.
ما يميز هذه العلاقة أنها لا تسير وفق توقعات المشاهد؛ لا الطبيب يبقى مهنيا للأبد، ولا النازي يتمثل كشيطان كاريكاتيري منذ اللحظة الأولى. إنها مواجهة بين عقلين، يجيد كلاهما أدوات التلاعب والتظاهر، كلاهما يحاول تحليل شخصية الآخر وترويضه لمصلحته، لكنهما يقضيان أوقاتا كثيرة بما يكفي لتنشأ بينهم ألفة وتواصل شخصي يعقد الأمور.
الخصم هو الحكم
على الجانب الآخر، يقدم مايكل شانون أداء مقنعا في دور نائب الادعاء الأمريكي، الذي يوجه الاتهامات ضد النظام النازي. لكن الفيلم يعترف صراحة بالمفارقة الأخلاقية، أن يكون المنتصر في الحرب هو نفسه القاضي!
هذه المعضلة لا تُحل، لكنها تُطرح بوضوح، وتضيف طبقة إضافية من التعقيد السياسي للفيلم. والمثير هو حين يستغلها غويرنغ في أحد المشاهد الحوارية المشتعلة، ليُعلن أن قومه ليسوا أكثر بشاعة من الحلفاء، فقط هم مهزومون وأولئك منتصرون، والمنتصر هو من يكتب التاريخ، وهو أيضا من يمارس التعالي الأخلاقي على المهزوم.
الوثائقي في قلب الروائي
كحال أغلب الأفلام الغربية عن الحرب العالمية الثانية، يتبنى Nuremberg الرواية الغربية في ما يخص معسكرات التجميع (المحارق)، لكنه يذهب خطوة أبعد بإدخال مواد بصرية وثائقية نادرة الظهور في الأفلام الروائية عن هذه المحارق، ويمنحها مساحة زمنية ليست بقليلة من زمن الفيلم.
هذه اللقطات الصادمة تشحن الفيلم بمشاعر قاسية، وتعمل كقوة ردع درامية. فبينما يحاول السرد الروائي سماع «وجهة النظر الأخرى»، تأتي بشاعة لقطات المعسكرات لتُسكت أي محاولة للتشكيك أو التخفيف من حجم الجريمة، حتى لو كانت الحجة هي «الجهل» بما كان يحدث.
المباشرة المزعجة.. أحياناً
يقع الفيلم أحيانا في فخ المباشرة والتوجيه السياسي، ويتجلى ذلك في مشهد لشخصية من أصول يهودية تكشف عن نفسها لتسرد تجربة أسرتها في حقبة الحزب النازي، بمشهد طويل، بطيء الإيقاع، ومثقل بإشارات عاطفية مباشرة بدت دخيلة على قوام الفيلم.
في المقابل، يبرز الحوار كأحد أقوى عناصر العمل، خصوصا في المشاهد الأولى بين غويرنغ وطبيبه النفسي، ثم في مشاهد المحاكمات. الذروة تأتي في المرافعة التي يقودها المدعي الأمريكي روبرت جاكسون، حيث تتحول المحاكمة إلى مناظرة حوارية مشدودة بين المدعي والمتهم، تعتمد على الذكاء والمراوغة لا الصراخ.
التمثيل.. القوة الضاربة
القوة الضاربة للفيلم هي التمثيل. راسل كرو يتألق بأداء سهل وتلقائي، ورامي مالك يُحكم تناقض انفعالاته بشكل مثير، كلاهما يقدمان مباراة تمثيلية رفيعة، قائمة على النظرات، الإيماءات، والحركات الدقيقة، وتقلبات المشاعر مع كل مشهد. بأبسط الأدوات، يخلقون توترا دائما وممتعا.
ويُحسب للفيلم أيضا تميز الديكور والتصميم الإنتاجي، الذي ينجح في إعادة خلق مناخ منتصف أربعينيات القرن الماضي بدقة مقنعة. فيما مال عنصر التصوير للطابع الكلاسيكي، حركة الكاميرا المتحفظة، والألوان الدافئة.
رسالة تتجاوز التاريخ
في جوهره، لا يقول الفيلم إن المتعصبين والمتطرفين هم النازيون فقط، بل إن كل مجتمع يحمل داخله نسبة من هؤلاء، مستعدين للفتك بخصومهم والمختلفين عنهم متى امتلكوا القوة.
ورغم أن هذه الرسالة تُلقى بشكل مباشر يفتقد التدليل الدرامي، إلا أنها تجعل Nuremberg يتجاوز الموقف التاريخي بإرادته، ليعلق على واقعنا المعاصر، حيث تتصاعد الكراهية والتطرف والصدامات الدولية والطائفية والإثنية، وتُرتكب المجازر يوميا بواسطة أطراف أخرى، ووفق مبررات جديدة، لكنها لا تختلف كثيرًا في جوهرها، عن الممارسات النازية القديمة.
فيلم Nuremberg، ليس أكثر من فيلم آخر عن الحرب العالمية الثانية، زادت قيمته بأداء تمثيلي ممتع، ومناظرات حوارية ذكية وقادرة على امتصاص شكوك المتفرج واستدراجه لمتابعة الأحداث باهتمام.